تعود الفنانة التشكيلية السعودية ريم الديني إلى فضاء العرض بتجربة جديدة تحمل عنوان «نبض»، يحتضنها أتيليه جدة للفنون الجميلة يوم الثلاثاء 29 سبتمبر، في معرضها الشخصي التاسع، مقدمة 26 عملاً جديداً تمثل أحدث تحولات تجربتها الفنية، ويفتتح المعرض رجل الأعمال المهندس خالد النهدي، ويستمر عشرة أيام.
وتأتي «نبض» امتداداً لمسيرة فنية بنتها الديني على مهل، وراكمت خلالها تجربة بصرية لم تتوقف عند حدود إنتاج اللوحة، بل امتدت إلى حضورها الثقافي وإسهامها في الحراك التشكيلي من خلال نشاطاتها وإدارتها لعدد من الصالات الفنية في جدة، وما قدمته عبر هذه التجارب من دعم للفنانين وفتح مساحات للعرض والحوار والتواصل مع الجمهور.
ودعمت الديني تجربتها بثقافة فنية واسعة واطلاع مستمر على تجارب الفن في مراكزه ومتاحفه العالمية، وهو ما انعكس على لغتها البصرية وقدرتها على الانتقال من مرحلة إلى أخرى دون أن تفقد علاقتها القديمة بالإيقاع واللون.
ومنذ معرضها الأول «إيقاع» عام 2006، حضرت الموسيقى في تجربتها بصور مختلفة، من حركة الجسد إلى إيقاع اللون والمقامات والنغم، وتوالت بعد ذلك معارضها «ظل» و«بياتي» و«مساحة غائبة» و«ترانزيت» وصولاً إلى «هارموني» عام 2022، قبل أن تصل اليوم إلى «نبض».
وفي الأعمال الجديدة تبدو الديني أكثر تحرراً في علاقتها بالشكل. فالإناء والزهرة يحضران في عدد من اللوحات كعلامتين بصريتين تقودان العين إلى فضاء أوسع، قبل أن تتفكك ملامحهما داخل مساحات لونية تتجاور وتتقاطع دون أن تفقد توازنها. وكأن الفنانة تبدأ من شيء مألوف ثم تترك للون مهمة إكمال الحكاية.
وتكشف الأعمال عن ميل واضح إلى التجريد التعبيري، مع بقاء أثر من الطبيعة الصامتة. فلا تقدم الديني الزهرة بوصفها زهرة مكتملة التفاصيل، ولا الإناء باعتباره شكلاً ينبغي نسخه، وإنما تختزل كليهما إلى كتلة وإشارة وذاكرة بصرية. وهنا يصبح اللون هو العنصر الأكثر حضوراً، مرة هادئاً وشفافاً في مساحات واسعة من الأصفر والأبيض والأزرق، ومرة صريحاً ومكثفاً في الأحمر والأخضر والوردي، فينشأ داخل اللوحة إيقاع بين الهدوء والانفجار.
كما تكشف التجربة عن قدرة على إدارة الفراغ، فالمساحات التي تبدو صامتة ليست خلفيات محايدة، بل جزء من بناء العمل، تقابل الكتل الكثيفة وتمنحها فرصة للتنفس. وفي بعض اللوحات تتراجع الحدود بين الأشياء حتى تكاد الزهرة والإناء والمحيط تصبح نسيجاً واحداً، بينما تستعيد في أعمال أخرى شيئاً من وضوحها، وكأن الفنانة تتحرك باستمرار بين المرئي وما يبقى منه في الذاكرة.
ولعل تسمية المعرض بـ«نبض» تجد معناها هنا، فالحركة لم تعد مرتبطة بجسد أو عازف كما في مراحل سابقة من تجربتها، وإنما انتقلت إلى داخل اللون نفسه. نبض تصنعه الكتل وتفاوت درجاتها ومساحات الضوء والفراغ، لتبدو اللوحة ساكنة في موضوعها لكنها متحركة من الداخل.
وتؤكد هذه المرحلة أن ريم الديني لا تتعامل مع معارضها بوصفها تكرارا لتجربة سابقة، وإنما كمحطات تعيد فيها اختبار أدواتها وصياغة رؤيتها. ومن هنا يأتي «نبض» بوصفه محطة جديدة في مسيرة فنانة أسهمت بفنها وثقافتها ونشاطها في إثراء المشهد التشكيلي في جدة، وظلت حاضرة في صناعة الحراك الفني بقدر حضورها أمام اللوحة.
وقد أقامت الديني ثمانية معارض شخصية قبل «نبض»، إلى جانب مشاركات محلية ودولية وحصولها على عدد من الجوائز، لتواصل في معرضها التاسع رحلة البحث والتجدد، ويظل اللون فيها الخيط الذي يصل بين مراحل تجربتها المختلفة.