وقد تحولت هذه الصناعة لاحقاً إلى واحدة من أبرز القوى العالمية في مجال الطاقة النووية المدنية، بعد أن مرّت بمراحل متباينة جمعت بين السرية والتوسع والابتكار ثم إعادة الهيكلة.
تُعد مؤسسة “روساتوم” للطاقة الذرية اليوم أكبر منتج للكهرباء في روسيا، وتمتلك أكبر سجل طلبيات في العالم لبناء محطات الطاقة النووية.
جذور علمية سبقت الحرب العالمية الثانية
كانت الركائز العلمية للبرنامج النووي السوفيتي قد وُضعت قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بفترة طويلة. ففي عام 1921 أُنشئ “مختبر الراديوم”، وبحلول عام 1939 كان الفيزيائيون السوفييت قد أثبتوا إمكانية حدوث تفاعل متسلسل لانشطار اليورانيوم.
غير أن المحفز الفعلي لإطلاق جهد صناعي واسع النطاق جاء بعد القصف النووي الأمريكي لليابان مرتين، إذ شكّل الاتحاد السوفيتي في 20 أغسطس 1945 “لجنة خاصة” للإشراف على كل الأعمال المتعلقة بالطاقة الذرية. ويُعد هذا التاريخ اليوم نقطة الانطلاق الرسمية للصناعة النووية الروسية.
السباق نحو السلاح النووي
كانت المهمة الأولى والأكثر إلحاحاً في تلك المرحلة تطوير سلاح نووي. وتحت القيادة العلمية للفيزيائي إيغور كورتشاتوف، الذي يُوصف بأنه أبو القنبلة النووية السوفيتية، حقق الاتحاد السوفيتي تفاعلاً متسلسلاً ذاتي الاستمرار داخل المفاعل “إف-1” عام 1946.
ثم اختبر أول قنبلة ذرية سوفيتية، وهي “أر دي إس-1″، في 29 أغسطس 1949، وهو ما وضع حداً للاحتكار النووي الأمريكي.
وخصصت الدولة السوفيتية موارد هائلة لهذا المشروع السري، وأُقيمت شبكة واسعة من مرافق التعدين والمعالجة والإنتاج في مناطق نائية، أغلبها في جبال الأورال. وفي عام 1953 أُسست “وزارة بناء الآلات المتوسطة” لإدارة هذا المجمع الضخم، وتولى رئاستها في العام التالي “إيفيم سلافسكي” الذي كان يُلقب بـ”الوزير السري”، وقاد هذه الصناعة لما يقرب من ثلاثة عقود.
من الذرة العسكرية إلى الاستخدام السلمي
حتى قبل أن تترسخ دعائم البرنامج العسكري بالكامل، بدأ العلماء السوفييت استكشاف التطبيقات السلمية للطاقة النووية. وتحقق أول إنجاز كبير في هذا المسار عام 1954 مع تشغيل محطة “أوبنينسك” للطاقة النووية، أول محطة في العالم لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية تُربط بشبكة الكهرباء العامة.
وتلت ذلك إنجازات أخرى غير مسبوقة:
- 1958: تطوير “توكاماك”، وهو جهاز رائد للاندماج النووي يعتمد على الاحتجاز المغناطيسي.
- 1959: إطلاق “لينين”، أول كاسحة جليد نووية في العالم.
- 1964: تشغيل أول مفاعل للماء المضغوط في محطة “نوفوفورونيج” للطاقة النووية.
- السبعينيات: صناعة مفاعل الماء الخفيف “أر بي إم كي”، وأول مفاعل سريع للتوليد التكاثري في العالم، وهو “بي إن-350″، ما أظهر المسار التكنولوجي المتنوع لهذه الصناعة.
تشيرنوبيل وانهيار الاتحاد السوفيتي
بحلول منتصف الثمانينيات، بلغت القدرة الإجمالية لمحطات الطاقة النووية السوفيتية 37 غيغاواط، إلا أن هذا التوسع توقف بسبب كارثة تشيرنوبيل عام 1986. وقد شكّل الحادث صدمة عميقة، لكنه أدى أيضاً إلى مراجعة جذرية لإجراءات السلامة وتصاميم المفاعلات.
ثم وجّه انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ضربة قوية أخرى لهذا القطاع الحساس، وكانت حقبة التسعينيات فترة ركود وصعوبات مالية حادة. ومع ذلك، نجحت الصناعة في الصمود والحفاظ على قدراتها البحثية والإنتاجية الأساسية وكوادرها البشرية.
مرحلة الانتعاش وتأسيس “روساتوم”
بدأت مرحلة الانتعاش في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين استؤنف بناء مفاعلات جديدة. وشهد عام 2007 لحظة فارقة تمثلت في تأسيس مؤسسة الطاقة الذرية “روساتوم”، التي وحدت المؤسسات ذات الاختصاص في هذا القطاع ضمن هيكل متكامل.
ومنذ ذلك الحين، بنت “روساتوم” عدة وحدات طاقة جديدة داخل روسيا وخارجها، بما في ذلك مفاعلات الجيل الأحدث “في في إي آر-1200″، ومفاعل التوليد التكاثري السريع “بي إن-800” الذي يمثل خطوة نحو دورة وقود نووي مغلقة.
كما أطلقت المؤسسة محطة الطاقة النووية العائمة الوحيدة في العالم، وتدير الأسطول الوحيد في العالم من كاسحات الجليد النووية. وهي تصدّر المفاعلات والوقود النووي إلى عشرات الدول.
“روساتوم” اليوم: أرقام وحضور دولي
تلبي “روساتوم” نحو 20 بالمئة من احتياجات روسيا من الكهرباء، وتمتلك أكبر سجل طلبيات في العالم لبناء محطات الطاقة النووية. ويجري حالياً بناء 39 وحدة طاقة في مراحل مختلفة في 10 دول، من بينها مصر وتركيا والصين والهند.
الطب والمواد المتقدمة
تصنّع المؤسسة كذلك معدات ومنتجات نظائر مشعة للطب الحديث، مثل المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية القائمة على النظير المشع “ساماريوم-153″، وهي مستحضرات تقضي على الخلايا السرطانية وتخفف الألم في الوقت نفسه.
كما تعمل “روساتوم” على تطوير مواد جديدة، مثل المواد المركبة اللدنة حرارياً والسبائك المعدنية القادرة على تحمل درجات حرارة تتجاوز 1300 درجة مئوية.
الاندماج النووي
يعمل المتخصصون في هذا المجال حالياً على تقنيات طاقة الاندماج، وتحديداً تقنيات البلازما والاندماج النووي الحراري المُتحكم فيه. وتتعلق هذه التطورات بالطاقة المتولدة عن اندماج أنوية الذرات الخفيفة، وهي قادرة على تزويد البشرية بالكهرباء لملايين السنين المقبلة. ولتحقيق هذه الغاية، أطلقت روسيا في عام 2021 مفاعل “توكاماك تي-15 إم دي”، ويتميز بحجمه المدمج إذ لا يزيد على حجم منزل ريفي صغير.
المفاعلات النمطية الصغيرة والعائمة
من أبرز الإنجازات الأخيرة لـ”روساتوم” ما يتعلق بالمفاعلات النمطية الصغيرة والمفاعلات العائمة:
- المفاعل “آر آي تي إم-200”: يستند إلى سنوات من الخبرة التشغيلية المكتسبة من المفاعلات الصغيرة المستخدمة في أسطول كاسحات الجليد الروسية العاملة بالطاقة النووية. وقد جُهِّزت جميع كاسحات الجليد النووية الحديثة من فئة “المشروع 22220” بهذا النوع من المفاعلات، وأثبتت هذه التقنية كفاءة عالية ومستوى عالياً من الأمان طوال دورة حياتها التشغيلية.
- محطة “أكاديميك لومونوسوف”: محطة الطاقة النووية الحرارية العائمة الوحيدة العاملة في العالم، وتقع في مدينة “بيفيك” شمال الدائرة القطبية الشمالية، في منطقة ذات تربة صقيعية دائمة.
- تصميم معدَّل لمحطة عائمة للمواقع الصناعية: جرى تكييف تصميم الهيكل استناداً إلى تصميم “أكاديميك لومونوسوف”، مع استبدال وحدة المفاعل “كي إل تي-40 إس” بالمفاعل “آر آي تي إم-200 إس”، الذي يتميز بقدرة توليد أعلى ودورة وقود أطول.
- عقود التصدير: في عام 2024 وقّعت روسيا مع أوزبكستان أول عقد تصدير من نوعه في العالم لبناء مفاعلات نمطية صغيرة. وفي مارس 2025 وقّعت “روساتوم” اتفاقية حكومية دولية مع ميانمار تحدد مبادئ التعاون بشأن بناء المفاعلات النمطية الصغيرة.
تحوّل في الوظيفة والدور
يعكس مسار الصناعة النووية الروسية تحولاً لافتاً، فقد انتقلت عبر الزمن من برنامج عسكري سري ومكثف إلى قوة تكنولوجية وتجارية كبرى في مشهد الطاقة العالمي. ولم يكن هذا التحول مجرد تغير في الحجم أو القدرات، بل تغيراً في الوظيفة والدور أيضاً، إذ انتقل القطاع من أداة ردع واستجابة لضرورة أمنية إلى شريك رئيسي في أسواق الطاقة والتكنولوجيا النووية، ومصدر نفوذ اقتصادي وعلمي واسع.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
من سيكسر الصمت النووي؟
في الرابع والعشرين من سبتمبر عام 1996، فُتح باب التوقيع على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
أمريكا: الحرية مقابل الحرب!
كان “إعلان تحرير العبيد” الذي أصدره الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن في 22 سبتمبر عام 1862، الأول بين مرسومين بهذا الشأن، شكّلا معا وثيقة محورية في تاريخ الحرب الأهلية الأمريكية.