بينما كان العالم يستعد لاستقبال ليلة “والبورغيس” التي تقع بين 30 أبريل و1 مايو، برزت إلى الواجهة الأساطير القديمة التي تتحدث عن تحرر الأرواح الشريرة واجتماعات الساحرات فوق القمم الجبلية.
ولكن، خلف هذه الطقوس الفلكلورية، تكمن رحلة تاريخية وفلسفية طويلة لصورة الساحرة تلك الشخصية التي تحولت من كائن منبوذ يُطارد حتى الموت في العصور الوسطى، إلى رمز للقوة الداخلية، والفردية، والجمال في عالمنا المعاصر.
عصور الرعب: السحر كخطيئة وقمع ممنهج
في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث، لم تكن الأفكار حول الساحرات مجرد حكايات خيالية تُروى للأطفال، بل كانت تشكل تهديدا وجوديا حقيقيا للنساء. فمنذ أواخر القرن الخامس عشر وحتى القرن السابع عشر، اجتاحت أوروبا موجة هائلة من “مطاردة الساحرات”، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من النساء بناء على اتهامات واهية. وقد شكلت رسالة “مطرقة الساحرات التي كتبها المحقق هاينريش كرامر في أواخر القرن الخامس عشر، الدليل العملي لهذه المجازر؛ حيث صُنفت الساحرة بأنها امرأة تنتهك النظام الإلهي وتعقد عهودا مع الشيطان.

/ Gettyimages.ru
في تلك الحقبة، كانت اتهامات السحر تُبنى على معايير اعتباطية؛ فمن الجمال المفرط الذي اعتُبر وسيلة للإغواء، إلى وجود علامات ولادة أو ندوب جسدية اعتُبرت “أختاما شيطانية”. وعكست الفنون التشكيلية هذا المناخ من الخوف؛ حيث صوّر الفنان الألماني هانز بالدونغ غرين الساحرات كشخصيات مخيفة ومشوهة عارية، محاطة بجماجم وحيوانات رمزية كالماعز. وحتى العبقري ألبرخت دورر، لم يسلم من هذا التأثير، إذ صوّر في لوحته “الساحرات الأربع” نساء فاتنات عاريات في سياق يُرجح الباحثون أنه يرمز للخطيئة والشر.
الشرق السلافي: “العارفة” والحكمة الشعبية
على النقيض من أوروبا الغربية، اتسم التراث السلافي الشرقي والروسي بنظرة أكثر اعتدالا. وبحسب الأستاذة في جامعة موسكو التربوية، الدكتورة إيرينا رايكوفا، فإن الساحرة في المعتقدات الروسية كانت تُعرف بـ “العارفة”، وهي الشخصية التي تمتلك معرفة خاصة بالطبيعة وعلاجات الأمراض والمحاصيل.

/ Gettyimages.ru
ورغم أن الكنيسة كانت تحذر من هذه الممارسات، إلا أن روسيا لم تشهد حملات اضطهاد واسعة النطاق مماثلة لتلك التي حدثت في الغرب. وتشير رايكوفا إلى أن الشخص الذي يمتلك قوى سحرية في التراث الروسي لم يكن حكرا على النساء، بل شمل الرجال أيضا. وقد قدم الأدب الروسي نماذج إنسانية جذابة لهذه الشخصيات، مثل “سولوخا” في قصة “ليلة عيد الميلاد” لنيقولاي غوغول، والتي ظهرت كشخصية ساحرة ولطيفة تبتعد تماما عن صورة العجوز الشريرة ذات الأنف المعقوف.
التحول الرومانسي وبروز الوعي النسائي
مع حلول القرن التاسع عشر، بدأت صورة الساحرة تكتسب طابعا رومانسيا وجاذبية فنية، خاصة في فن ما قبل الرافائيلية. ففي أعمال الفنان البريطاني جون ويليام ووترهاوس، مثل لوحتي “الدائرة السحرية” و”الكرة البلورية”، لم تعد الساحرة تثير الخوف، بل أصبحت رمزا للتأمل والغموض والجمال الملهم.

/ Legion-Media
وفي مطلع القرن العشرين، بدأ ربط السحر بقضايا حقوق المرأة. ورأت الناشطة الأمريكية ماتيلدا غيج أن اضطهاد الساحرات عبر التاريخ لم يكن سوى شكل من أشكال الاضطهاد الممنهج للمرأة وقمع استقلاليتها وفكرها. وانعكست هذه الأفكار في أدب ليمان فرانك باوم عبر رواية “ساحر أوز العجيب”، التي قدمت نماذج متباينة للساحرات، من بينهن الساحرة الطيبة “غليندا”، ما مهد الطريق لظهور شخصيات محبوبة مثل “ماري بوبينز” لباميلا ترافرز، التي جسدت السحر في صورته الأكثر عطفاً ولطفاً.
الثقافة الشعبية الحديثة: أنسنة “الأشرار” وأسلوب “ويتشكور”
وصل التحول في صورة الساحرة إلى ذروته في العصر الحالي؛ حيث أعادت الثقافة الشعبية صياغة الشخصيات التي كانت تُعد شريرة تقليدياً. ففي سلسلة “هاري بوتر” لجيه كيه رولينغ، أصبح السحرة أبطالاً يدافعون عن الحب والعدالة.
وفي السينما، قدمت أنجلينا جولي في فيلم “ماليفيسنت” رؤية معقدة وإنسانية للساحرة التي كانت تُعتبر شريرة في قصة “الجميلة النائمة”، مظهرة دوافعها العاطفية وقدرتها على التعاطف.

/ Legion-Media
وتؤكد إيرينا رايكوفا أن هذا الاتجاه نحو “أنسنة” الأشرار طال حتى الشخصيات الفولكلورية الروسية، مثل “بابا ياغا” التي تُصوّر في الأفلام الحديثة كشخصية حكيمة ومعقدة تنحاز أحياناً إلى جانب الخير.
واليوم، لم تعد الساحرة مجرد شخصية في القصص، بل أصبحت أيقونة موضة وتعبير عن الذات عبر أسلوب “ويتشكور” الجمالي المنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يدمج الغموض بالتصوف والجمال الطبيعي، مؤكدا أن الاهتمام المعاصر بالسحر هو في جوهره اهتمام بالفردية، والتعاطف، والقوة الداخلية التي تمكن الإنسان من مواجهة تحديات الحياة.
المصدر: RT