كانت الإمبراطورية البيزنطية في القرن السابع الميلادي على شفا كارثة، إذ هزّتها حروب طويلة الأمد مع الإمبراطورية الساسانية، إلى جانب خسائر إقليمية وصراعات داخلية. وفي خضم هذا الاضطراب، تم إخفاء “كنز سيواس” (كنز المدينة في وسط تركيا)، وهو مجموعة من القطع النقدية الذهبية التي تُعد اليوم مصدرا لا يُقدّر بثمن للمؤرخين وعلماء المسكوكات. وقد نُشرت دراسة علمية حول هذا الكنز في مجلة PROPONTICA.
العملة كحصن للاستقرار
يتكوّن الكنز أساسا من عملات ذهبية من نوع “سوليدوس” أصدرها الإمبراطور قسطنطين الكبير، وقد أصبحت هذه العملة لقرون معيارا للموثوقية، حتى لُقبت بـ”دولار العصور الوسطى”. وعلى الرغم من الاضطرابات الاقتصادية، حرصت الإمبراطورية على الحفاظ على نقاء الذهب ووزن القطعة النقدية (نحو 4.5 غرامات)، ما ضمن قبولها على نطاق واسع.
ومع ذلك، يكشف “كنز سيواس” عن تقلبات طفيفة في الوزن ونقاء المعدن، وهو ما يعتبره العلماء مؤشرا مهما على ضغوط مالية دقيقة واجهتها الخزانة الإمبراطورية خلال فترات التهديدات العسكرية الكبرى.
وجوه السلطة والدعاية
لم تكن العملات البيزنطية وسيلة دفع فحسب، بل أداة دعائية قوية أيضا، إذ تعكس تطور الصورة الإمبراطورية عبر الزمن:
- الإمبراطور فوقاس (602–610): ظهرت ملامح أكثر واقعية على العملات، مبتعدة عن المثالية التقليدية، حيث صُوّر بشعر خشن ولحية مدببة تعكس شخصيته الفردية.
- الإمبراطور هرقل (610–641): في فترة عدم الاستقرار، ظهرت عدة صور على العملات تضم الإمبراطور وأبناءه، في إشارة رمزية إلى قوة السلالة واستمرارية الحكم.
كما حملت العديد من القطع رموزا مسيحية مثل الصلبان ووجوه المسيح، ما عزز في الوعي العام صورة الإمبراطور بوصفه ممثلا للسلطة الإلهية على الأرض.
لقطة من زمن الأزمات
لا تظهر الكنوز من العدم، بل تُدفن عادة عندما ينهار الأمل في الاستقرار. ولم يعد صاحب “كنز سيواس” لاستعادته، ما يشير إلى احتمال تعرض المنطقة لحدث مفاجئ أو نهاية مأساوية.
وتُظهر الدراسة أنه بحلول منتصف القرن السابع الميلادي، تراجع عدد دور السك النشطة في الإمبراطورية بشكل ملحوظ، وتمركزت في القسطنطينية. وتعكس العملات الموجودة في الكنز هذا التحول بدقة، إذ تقلّصت الإمبراطورية واستُنزفت مواردها، بينما ظل الذهب رمزا أساسيا للبقاء.
المصدر: Naukatv.ru