عثمان بن صقر.. من إرث المشيخة إلى صناعة الأثر – أخبار السعودية

لا يرحل الأثر برحيل أصحابه، بل تبقى سيرتهم حاضرة في ذاكرة الناس. وكان الشيخ عثمان بن عبدالعزيز بن صقر (رحمه الله) واحدًا من أولئك الرجال الذين خلدتهم مواقفهم وحسن سيرتهم، وما غرسوه من قيم بقيت حية في أبنائهم ومجتمعهم.
ينتمي الشيخ عثمان بن عبدالعزيز بن صقر إلى سلالة مشايخ قبيلة غامد، وهي أسرة ارتبط اسمها بالوجاهة الاجتماعية والإصلاح بين الناس. ولد عام 1348هـ في قرية القرن التابعة لبني سالم بمنطقة الباحة، ونشأ في بيت عرف بالقيادة والمسؤولية، وتُوفي والده الشيخ عبدالعزيز بن صقر وهو في سن مبكرة، فتولى رعايته وتربيته شقيقه الأكبر الشيخ سعيد بن صقر شيخ قبائل بني ظبيان، فكان لذلك أثر كبير في تكوين شخصيته وغرس قيم الحكمة وتحمل المسؤولية.
تلقى تعليمه في الكتاتيب وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم التحق بمدرسة الظفير الابتدائية (أول مدرسة نظامية في المنطقة)، قبل أن يواصل تعليمه في مدرسة بني ظبيان بقرية عرا. وقد أسهم ذلك في بناء شخصية جمعت بين المعرفة الشرعية والتعليم النظامي، وهو ما انعكس على رجاحة رأيه واتزان مواقفه.
وغادر الباحة في مقتبل شبابه ليستكمل رحلة حياته بين مكة المكرمة ثم جدة، حيث اعتمد على نفسه في بناء مستقبله وظل طوال مسيرته يؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه من عمل نافع وما يتحلى به من صدق وأمانة وإخلاص.
ولم يكن حضوره في المجتمع مرتبطًا بعمله بقدر ما ارتبط بصفاته الإنسانية. فقد عرف (رحمه الله) بدماثة الخلق والكرم والتواضع وحسن المعاملة، وكان صاحب كلمة مسموعة ورأي سديد، يسعى إلى إصلاح ذات البين ويقرب وجهات النظر ويحرص على جمع القلوب، حتى غدا محل تقدير واحترام بين أبناء مجتمعه.
وكان مجلسه في الباحة وجدة، امتدادًا لهذه المكانة، إذ ظل مجلسه مفتوحاً للضيوف وأهالي المنطقة، يجمع العلماء والأدباء والشعراء والمشايخ والأعيان في صورة عكست ما عرف عنه من كرم الضيافة وحرصه على توثيق أواصر المحبة والتواصل بين الناس.
وفي حياته الأسرية أولى أبناءه وبناته عناية كبيرة، فغرس فيهم التمسك بثوابت الدين والاعتزاز بالوطن وقيم الصدق والأمانة والإخلاص في العمل. وقد أثمرت تلك التربية جيلاً سار على نهجه وأسهم في خدمة وطنه، وتولى عدد من أبنائه وبناته مناصب قيادية ومسؤوليات مهمة في أجهزة الدولة ليواصلوا ما غرسه فيهم من مبادئ وقيم. ومن أبنائه سعيد وعبدالعزيز ومحمد، وهم ذوو مكانة عالية، وابنته التربوية منى إحدى الكفاءات المتميزة في تعليم جدة التي عرفت بتميزها المهني وتنظيمها وحرصها على أداء رسالتها التربوية بكل إخلاص.
وفي يوم الجمعة الثامن عشر من شهر ذي القعدة عام 1443هـ، رحل الشيخ عثمان بن عبدالعزيز بن صقر عن عمر ناهز خمسة وتسعين عاما بعد حياة حافلة بالعطاء. ورغم غيابه بقيت سيرته الطيبة حاضرة في نفوس من عرفوه شاهدة على أن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما يملك، وإنما ما يغرسه من قيم، وما يقدمه من خير، وما يورثه من حسن الذكر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *