تقرير: ثلاثة أحداث تكشف هشاشة القواعد الأمريكية وتضعف الردع

وتكشف هذه التطورات عن تغير طبيعة المخاطر التي تواجه القوة العسكرية الأمريكية، بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة والهجمات بعيدة المدى قادرة على تهديد منشآت استراتيجية ومعدات باهظة الثمن، في وقت تتزايد فيه كلفة العمليات العسكرية وتتسع التساؤلات بشأن قدرة واشنطن على الحفاظ على نفوذها العالمي.

وسلطت صحيفة “ذا هيل” الأمريكية، في تحليل الضوء على ثلاثة تطورات شهدها الأسبوع الماضي، معتبرة أنها تكشف جوانب ضعف متزايدة في القوة العسكرية الأمريكية.

وتشمل هذه التطورات نقل قاذفات استراتيجية خشية هجوم إيراني، وخسائر عسكرية بمليارات الدولارات، وهجمات على منشآت حيوية في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات تراجع الدور الأمريكي في أوروبا.

قاذفات أمريكية تغادر بريطانيا

تمثل المؤشر الأول في نقل 12 قاذفة أمريكية من طراز “بي-1” من قاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا إلى موقع يُعتقد أنه أكثر أمناً، وسط مخاوف من احتمال تعرضها لهجوم إيراني.

وجاءت الخطوة وسط مخاوف من تكرار العملية الأوكرانية المعروفة باسم “شبكة العنكبوت”، التي استخدمت خلالها كييف طائرات مسيّرة جرى تهريبها إلى داخل روسيا لاستهداف قاذفات استراتيجية في قواعد جوية.

وأظهرت تلك العملية قدرة الطائرات المسيّرة الصغيرة على إلحاق أضرار كبيرة بمعدات عسكرية استراتيجية، حتى عندما تكون متمركزة داخل منشآت يفترض أنها محمية؛ ما أثار مخاوف من احتمال لجوء إيران إلى تكتيكات مشابهة ضد القواعد الأمريكية.

ولا تقتصر هذه المخاطر على قاعدة فيرفورد، إذ تنتشر القوات الأمريكية في منشآت عسكرية متعددة بأوروبا، بينها قاعدة لاكنهيث البريطانية التي تستضيف مقاتلات “إف-15″، وقاعدة روتا البحرية في إسبانيا، حيث تتمركز مدمرات تابعة للبحرية الأمريكية.

ويمنح هذا الانتشار واشنطن قدرة واسعة على تنفيذ العمليات العسكرية، لكنه يوسع في الوقت نفسه قائمة الأهداف المحتملة أمام إيران أو الجماعات المسلحة، خصوصاً مع تطور وسائل الهجوم منخفضة التكلفة.

ورغم الإجراءات الدفاعية المتخذة لحماية المنشآت العسكرية، فإن طبيعة التهديدات الجديدة تفرض تحديات إضافية على أنظمة الحماية التقليدية، لا سيما عندما تنطلق الطائرات المسيّرة من مناطق قريبة يصعب رصدها مسبقاً.

وترى “ذا هيل” أن المخاطر لا تقتصر على القوات المنتشرة خارج الولايات المتحدة، إذ يمكن أن تصبح المنشآت العسكرية داخل الأراضي الأمريكية نفسها أهدافاً محتملة في ظروف معينة، مع ضرورة عدم المبالغة في تقدير هذه التهديدات أو تجاهلها.

خسارة 81 طائرة في الحرب مع إيران

أما المؤشر الثاني، فيتعلق بالخسائر العسكرية التي تكبدتها الولايات المتحدة خلال عملية “الغضب الملحمي” ضد إيران، والتي كشفت عن أعباء مالية وعسكرية كبيرة رغم التفوق التكنولوجي الأمريكي.

فقد أظهر تقرير أصدرته دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي الأسبوع الماضي خسارة 81 طائرة منذ بدء العملية، بينها 12 مقاتلة من طراز “إف-15″، ومقاتلة واحدة من طراز “إف-35″، و7 طائرات للتزود بالوقود جواً من طراز “كيه سي-135″، وطائرة للإنذار المبكر من طراز “إي-3 سنتري”، إلى جانب 50 طائرة مسيّرة أو غير مأهولة.

وتصل القيمة التقديرية لهذه الخسائر إلى 3.3 مليار دولار، دون احتساب تكلفة الذخائر والأسلحة المستخدمة في العمليات العسكرية، التي قُدرت بنحو 38 مليار دولار.

ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على قيمتها المالية، إذ تؤدي طائرات التزود بالوقود والإنذار المبكر أدواراً أساسية في دعم العمليات الجوية، فيما يتطلب تعويض المعدات المفقودة موارد مالية وصناعية إضافية.

وتسلط الخسائر الضوء على الكلفة المتزايدة للحرب، وعلى التحديات التي تواجه الجيوش المتقدمة عندما تتسع العمليات العسكرية وتتنوع وسائل الهجوم المستخدمة ضدها.

هجمات الحوثيين تكشف مخاطر جديدة

وجاء المؤشر الثالث من الهجمات التي شنها الحوثيون على دول بالمنطقة.

وأظهرت الهجمات قدرة وسائل الهجوم بعيدة المدى على تعطيل منشآت مدنية حيوية.

وتزامنت هذه الهجمات مع تقارير عن دراسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية إدخال الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية ضد الحوثيين.

وتكتسب التطورات أهمية إضافية في ظل اتساع نطاق التهديدات التي تواجه البنية التحتية العسكرية والمدنية، بعدما أظهرت الهجمات الأخيرة أن المنشآت الحيوية قد تتعرض لأضرار كبيرة حتى مع وجود إجراءات دفاعية لحمايتها.

وفي الوقت نفسه، كثفت إيران هجماتها على منشآت الطاقة في الخليج، رغم تهديدات ترامب بتوجيه ضربات جديدة إلى طهران بعد الانتخابات الأمريكية.

وربط تحليل “ذا هيل” بين هذه التطورات والهجوم الأوكراني بطائرات مسيّرة داخل روسيا، باعتبارها أمثلة على قدرة وسائل الهجوم الحديثة على الوصول إلى أهداف استراتيجية، وإحداث خسائر تتجاوز بكثير تكلفة تنفيذ الهجمات نفسها.

مستقبل الناتو أمام اختبار أمريكي

ولا تقتصر التحديات على المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، إذ تواجه العلاقات الأمنية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين مرحلة من عدم اليقين، مع مطالبة إدارة ترامب الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها.

ورغم أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة طالبت الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي، فإن التوجه الحالي يتضمن احتمالات تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، بما يثير تساؤلات بشأن مستقبل الدور القيادي لواشنطن داخل الحلف.

ومن المقرر أن يعقد وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسات، إلبريدج كولبي، اجتماعاً في بولندا الشهر المقبل لمناقشة مستقبل الناتو، وسط تقارير عن عدم دعوة بريطانيا وفرنسا ودول البلطيق.

وفي الوقت نفسه، تجري وزارة الدفاع الأمريكية مراجعة لانتشار قواتها في أوروبا، بالتزامن مع مقترح لخفض عدد المناصب المخصصة للجنرالات والأدميرالات بنسبة 20%.

وقد تشمل التغييرات المحتملة خفض رتبة قائد القيادة الأوروبية الأمريكية من أربع نجوم إلى ثلاث.

كما يثير احتمال إسناد منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا إلى مسؤول غير أمريكي مخاوف بشأن مستقبل القيادة العسكرية داخل حلف الناتو.

ومنذ تأسيس الحلف، تولى مسؤول أمريكي هذا المنصب، بما يضمن ارتباط القيادة العسكرية الأوروبية المباشر بمنظومة الردع النووي الأمريكية.

وقد يؤدي تغيير هذا الترتيب إلى إضعاف الصلة بين القيادة العليا للحلف والتسلسل القيادي العسكري الأمريكي، في تحول من شأنه التأثير في طبيعة التنسيق الدفاعي بين واشنطن وحلفائها.

وتحذر “ذا هيل” من أن انتقال القيادة العليا للحلف إلى مسؤول غير أمريكي قد يمثل تراجعاً استراتيجياً كبيراً للدور الأمريكي، خصوصاً في غياب دولة أخرى قادرة على تعويض موقع واشنطن العسكري والسياسي.

كما قد يمنح أي انقسام داخل الناتو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة لتوسيع العمليات الرامية إلى إضعاف تماسك الحلف، فيما تصبح أوكرانيا أكثر عرضة للضغوط العسكرية الروسية.

وتثير هذه الاحتمالات تساؤلات بشأن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، في ظل التركيز المتزايد على الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الرئيس، مقابل مخاوف من التقليل من أهمية التهديد الروسي لأوروبا.

ويخلص تحليل “ذا هيل” إلى أن استمرار تراجع الالتزام الأمريكي تجاه الحلفاء الأوروبيين، بالتزامن مع تصاعد التهديدات العسكرية والخسائر في الشرق الأوسط، قد يقوّض شبكة التحالفات التي شكلت أحد أبرز مرتكزات الأمن القومي الأمريكي طوال 75 عامًا.

ومن شأن هذه التطورات أن تضع مستقبل القيادة الأمريكية للنظام الأمني الغربي أمام اختبار غير مسبوق.

المصدر: The Hill



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *