تشيبوراشكا يبلغ الستين.. كيف أصبح بطل أفلام الأطفال الروسي ظاهرة عالمية؟


من أين جاء تشيبوراشكا؟

ظهرت شخصية تشيبوراشكا للمرة الأولى عام 1966 في حكاية إدوارد أوسبنسكي “جينا التمساح وأصدقاؤه”، وهي أول عمل نثري للمؤلف الشاب.

وفي مقدمة الكتاب، روى أوسبنسكي قصة طريفة عن دمية غريبة كان يمتلكها في طفولته، لها عيون صفراء تشبه عيون البومة ورأس مستدير وذيل قصير كثيف، ولم يكن من السهل تحديد ما إذا كانت أرنبا أو كلبا أو قطة أو حتى كنغرا أستراليا. وقال إن هذه الدمية ألهمته ابتكار تشيبوراشكا، لكنه اعترف لاحقا بأنه اختلق هذه القصة خصيصا للقراء الصغار.

أما القصة التي رواها أوسبنسكي عن أصل الاسم، فتعود إلى زيارة قام بها لصديق له، كانت ابنته الصغيرة ترتدي معطف والدتها الكبير، فتتعثر وتسقط باستمرار. وكان والدها يهتف كلما سقطت: “لقد تشيبوراشكت (سقطت) مجددا!”. أعجبت الكلمة أوسبنسكي، فقرر استخدامها اسما لشخصيته الجديدة، أي أن تسمية “تشيبوراشكا” مرتبطة  الروسي  чебурахнуться، الذي يعني السقوط أو التدحرج والسقوط بقوة.

إقرأ المزيد

لكن أوسبنسكي ابتكر في الكتاب تفسيرا آخر للاسم داخل عالم القصة؛ إذ يصور الحيوان الصغير وهو يسقط باستمرار أثناء محاولته الانتقال من مكان إلى آخر، فيقول مدير المتجر عنه: “يا له من تشيبوراشكا! لا يستطيع الجلوس ساكنا أبدا!”. وهكذا يصبح الاسم، داخل الحكاية، وصفا لطبيعته كثيرة السقوط والحركة.

 من السنجاب إلى صاحب الأذنين الكبيرتين

لم يكن تشيبوراشكا في رسومات فاليري ألفيفسكي الأصلية يشبه الشخصية التي يعرفها الجمهور اليوم؛ فقد بدا أقرب إلى سنجاب ذي ذيل كثيف وأذنين صغيرتين وساقين خلفيتين طويلتين.

وتغير مظهره بصورة جذرية عندما انتقل إلى الشاشة. ففي فيلم الرسوم المتحركة “جينا التمساح” عام 1969، الذي أخرجَه رومان كاتشانوف وأنتجته شركة “سويوزمولتفيلم” بتقنية إيقاف الحركة، أعاد مصمم الإنتاج ليونيد شفارتسمان بناء الشخصية تقريبا من الصفر.

استغرق تصميم تشيبوراشكا نحو شهرين ونصف، وابتعد شفارتسمان إلى حد كبير عن وصف الكتاب، فجعل عيني الشخصية أقرب إلى عيني طفل، ببؤبؤين أسودين كبيرين، وأضاف الأذنين الكبيرتين اللتين أصبحتا أبرز سماته.

وقال شفارتسمان إن الأذنين “تطورتا من رسمة إلى أخرى حتى أصبحتا بمثابة رايتي روحه”. وخلال التصوير، اقترح محركو الدمى تقصير ساقي الشخصية والإبقاء على قدميها فقط لتسهيل تحريكها، فوافق كاتشانوف، لتكتمل بذلك الهيئة التي أصبحت مألوفة لدى أجيال من المشاهدين.

ولم يكن تشيبوراشكا الشخصية الوحيدة التي صنعت نجاح الفيلم؛ فقد ظهر إلى جانبه التمساح جينا والعجوز شابوكلياك، وأدى أصوات الشخصيات الرئيسية كل من فاسيلي ليفانوف بدور جينا، وكلارا روميانوفا بدور تشيبوراشكا، وفلاديمير راوتبارت بدور شابوكلياك.

Legion-Media

 من فيلم واحد إلى ظاهرة

لم يكن تشيبوراشكا في الأصل بطل فيلم “جينا التمساح”؛ بل لم يظهر اسمه في عنوان الفيلم الأول، إذ لم يتوقع صناع العمل أن يصبح الحيوان الصغير نجمه الحقيقي. وكان كاتشانوف مهتما بصورة خاصة بالعالم الغريب الذي تعيش فيه الحيوانات والبشر جنبا إلى جنب أكثر من اهتمامه بالشخصيات نفسها.

لكن نجاح الفيلم دفع إلى إنتاج جزء ثانٍ عام 1971 بعنوان “تشيبوراشكا”، سرعان ما تحول فيه البطل الصغير إلى الشخصية المحورية.

وشهد الفيلم ظهور أغنية “دع المشاة يركضون بتهور عبر البرك”، التي كتب كلماتها ألكسندر تيموفييفسكي ولحنها فلاديمير شاينسكي. وتروي إحدى الطرائف المرتبطة بالأغنية أن كاتشانوف وجد النسخ الأولى من اللحن معقدة للغاية، فطلب من شاينسكي أن يلعب معه الشطرنج حتى يهدأ. وبعد عدة مباريات، خرج الملحن باللحن البسيط الذي أصبح لاحقا من أشهر أغاني الطفولة السوفيتية.

وأُنتجت أربع حلقات رسوم متحركة سوفيتية بتقنية إيقاف الحركة: “جينا التمساح” عام 1969، “تشيبوراشكا” عام 1971، و”شابوكلياك” عام 1974، و”تشيبوراشكا يذهب إلى المدرسة” عام 1983.

وامتد النجاح كذلك إلى الكتب، فظهرت أعمال جديدة تتناول الشخصيات نفسها، بينها “عطلة جينا التمساح”، و”مهمة جينا التمساح”، و”اختطاف تشيبوراشكا” وغيرها.

 من روسيا إلى اليابان والفضاء

لم تتوقف شعبية تشيبوراشكا عند حدود الاتحاد السوفيتي، بل انتقلت الشخصية إلى دول أخرى وحصلت على أسماء مختلفة. ففي السويد عُرف باسم “دروتن”، وفي فنلندا باسم “موكسيس”، بينما اكتسب شعبية استثنائية في اليابان.

وفي اليابان يُعرف أحيانا باسم “تشيبي”، وهي كلمة تستخدم لوصف الشخصيات الصغيرة اللطيفة ذات الرؤوس الكبيرة والأجسام الصغيرة. وفي عام 2003 حصلت شركة يابانية على حقوق توزيع الرسوم المتحركة السوفيتية في البلاد، ثم عُرض عام 2009 مسلسل “تشيبوراشكا أريري؟” المؤلف من 26 حلقة.

وفي عام 2010، ذهب المخرج الياباني ماكوتو ناكامورا خطوة أبعد، فأنتج نسخة جديدة من تشيبوراشكا باستخدام الدمى، مع الحفاظ على الطابع البصري للنسخة السوفيتية الأصلية.

وتحولت الشخصية أيضا إلى رمز رياضي؛ فقد اختير تشيبوراشكا تميمة للفريق الأولمبي الروسي أربع مرات، في أعوام 2004 و2006 و2008 و2010.

ولم تتوقف رحلاته عند الملاعب، إذ وصل إلى الفضاء مرتين؛ ففي عام 2016 أُرسل مجسم لتشيبوراشكا إلى محطة الفضاء الدولية في إطار حملة للاحتفال بالذكرى الثمانين لتأسيس “سويوزمولتفيلم”؛ وفي عام 2022 طار تشيبوراشكا إلى الفضاء بوصفه مؤشرا رسميا لانعدام الوزن.

كما أقيمت له تماثيل ونُصب تذكارية في يغوريفسك، مسقط رأس أوسبنسكي، وفي رامينسكوي وخاباروفسك وشيبوكساري ونيجني نوفغورود.

 العودة إلى الشاشة

Legion-Media

عاد تشيبوراشكا في السنوات الأخيرة إلى صدارة الثقافة الشعبية الروسية من خلال السينما. ففي يناير 2023، عُرض فيلم روائي طويل من إخراج ديمتري دياتشينكو، جعل الشخصية محورا لقصة جديدة تجمع بين الرسوم المتحركة والعالم الواقعي. وقد حقق الفيلم نجاحا استثنائيا في شباك التذاكر، متجاوزا 7 مليارات روبل، ليصبح عندها الفيلم الروسي الأعلى إيرادا في تاريخ السينما الروسية.

ولم يتوقف النجاح عند الفيلم الأول؛ فقد وصل جزء ثانٍ إلى دور العرض في عام 2026، فيما يُنتظر عرض جزء ثالث في يناير 2027.

وبعد ستة عقود من ظهوره الأول، لم يعد تشيبوراشكا مجرد شخصية من كتب الأطفال أو رسوم متحركة سوفيتية، بل أصبح إحدى الشخصيات التي استطاعت الانتقال بين الأجيال والبلدان والوسائط المختلفة، محتفظا بملامحه البسيطة وأذنيه الكبيرتين، وبمكانة خاصة في الثقافة الشعبية الروسية.

المصدر: RT



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *