ونعت الأوساط الرسمية والموسيقية الراحل الذي توفي على متن طائرة متجهة إلى اسطنبول، حيث قدم حاكم بطرسبورغ، ألكسندر بيغلوف، تعازيه لعائلة الفقيد، فيما أكدت شقيقته الفنانة يوليا ستادلر أن مراسم تأبين شعبية ستقام لإتاحة الفرصة لجمهوره ومحبيه لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على المايسترو الذي ارتبط اسمه بعروض أسطورية ولقاءات تاريخية مع آلات موسيقية فريدة مثل “كمان باغانيني”.
وُلد المايسترو الراحل في قلب مدينة بطرسبورغ، وكرّس حياته للموسيقى منذ نعومة أظفاره، حيث صقل موهبته بالدراسة والتخرج من معهد بطرسبورغ الموسيقي. وبحسب بيان رسمي صادر عن إدارة المدينة، فقد تحوّل اسم سيرغي ستادلر إلى “رمز لأعلى مستويات الأداء الموسيقي”، مشيدا بإسهاماته العظيمة التي تجاوزت حدود روسيا لتثري الحياة الثقافية في دول عدة حول العالم.
شهادات في رثاء “الأستاذ المبارك”
استذكر عازف التشيلو والأرغن، فنان الشعب ألكسندر كنيازيف، في مقابلة مع قناة RT، ذكرياته مع الراحل، مؤكدا على بصمته الفريدة التي تركها في وجدان كل من عاصره أو استمع إلى معزوفاته الأسطورية. فقد وصف كنيازيف زميله الراحل بالموسيقي المذهل والمحترف البارع، مؤكدا أن العزف معه كان “مصدر سعادة غامرة” نظرا لما تميز به من براعة فائقة ومستوى فني رفيع. واستعاد كنيازيف ذكريات تعاونهما في عزف سوناتات باخ وموسيقى الحجرة، مستحضرا لحظة فوز ستادلر الباهر في مسابقة “تشايكوفسكي” الدولية، واصفا رحيله بـ “الخسارة الفادحة” للوسط الموسيقي العالمي.
من جانبها، نعت إيكاترينا أرتيوشكينا، المديرة العامة لـ “حفلات بطرسبورغ الموسيقية”، الراحل بكلمات مؤثرة نشرها موقع المنظمة، حيث وصفته بأنه “أستاذ مبارك من الله، ومحب للحياة والفن”، مشيرة إلى سماته الشخصية كإنسان ذكي وعميق ومتواضع، تركت أعماله بصمة لا تُمحى واخترقت قلوب مستمعيه، لتظل ذكراه خالدة في قلب العالم الذي أحبه.

مسيرة حافلة وإرث موسيقي عالمي
وُلد المايسترو سيرغي ستادلر في مدينة لينينغراد في 20 مايو 1962 لأسرة فنية؛ إذ كان والده عازفا لآلة الفيولا في جمعية المدينة الفيلهارمونية ووالدته عازفة مرافقة. بدأ شغفه بالكمان في سن الخامسة، وصقل موهبته في مدرسة خاصة بمعهد لينينغراد الموسيقي، حيث تتلمذ على يد كبار الأساتذة مثل ليونيد كوجان وديفيد أويستراخ وميخائيل فايمان، لينجز دراسته الجامعية في ثلاث سنوات ونصف فقط، قبل أن يواصل دراساته العليا في معهد موسكو الموسيقي.

خلال مسيرته الحافلة، أحيا ستادلر نحو 150 حفلا سنويا وجال في أكثر من 90 دولة، شملت جولات ناجحة في أوروبا وأمريكا والشرق الأقصى، حيث اعتلى أرقى المسارح العالمية مثل “لا سكالا” في ميلانو، وقاعة “سانتوري” في طوكيو، وقاعة “رويال فستيفال” في لندن، و”موزيكفيرين” في فيينا.
وقد حقق سبَقا فنيا بتنظيم مهرجان “كمان باغانيني” في متحف الإرميتاج في عام 1995، حيث جلب كمان “إل كانوني” التاريخي الخاص بباغانيني من إيطاليا ليعزف عليه في حفل عام لأول مرة، وهو الإنجاز الذي تكرر في بطرسبورغ عام 2003، واستحق بفضله لقب “باغانيني الروسي” من الأكاديمي ديمتري ليخاتشيف.
وفي عام 2013، أسس أوركسترا بطرسبورغ السيمفونية، مقدما ريبرتوارا غنيا يجمع بين الكونسيرتو والأوبرا لكبار الملحنين مثل تشايكوفسكي وفاغنر وراخمانينوف. كما ابتكر أسلوب “الماراثونات السيمفونية” الفريد الذي يقام بدون قائد أوركسترا، ودخل بفضله موسوعة غينيس للأرقام القياسية الروسية عام 2017 بعد عزف سيمفونيات بيتهوفن التسع. وإلى جانب تسجيله أكثر من 70 ألبوما، شغل مناصب أكاديمية رفيعة منها رئاسة معهد بطرسبورغ الموسيقي، ونال جوائز مرموقة كالميدالية الذهبية في مسابقة تشايكوفسكي الدولية ووسام الاستحقاق في الثقافة والفنون.
المصدر: تاس +RT