+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
حذر المختص في الشأن العسكري اللواء جواد الدهلكي، اليوم الخميس ( 11 حزيران 2026 )، من أن ملف “الدكات العشائرية” وانتشار السلاح خارج إطار الدولة ما يزال من أبرز التحديات الأمنية التي تواجه العراق، مؤكدا أن الجهود الحكومية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة حققت نتائج محدودة حتى الآن، لكنها لم تصل إلى مرحلة المعالجة الجذرية القادرة على إنهاء هذه الظاهرة بشكل نهائي.
وأوضح الدهلكي في تصريح لـ”بغداد اليوم” أن الدكات العشائرية تمثل قضية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية والقانونية، ما يجعل معالجتها أكثر صعوبة من مجرد تنفيذ حملات أمنية أو إجراءات اعتقال مؤقتة، مشيرا إلى أن استمرار هذه الممارسات يعكس وجود ثغرات في تطبيق القانون وضعفاً في عوامل الردع، فضلاً عن بقاء بعض مظاهر النفوذ العشائري والسلاح المنفلت.
خطط حكومية تصطدم بتحديات التنفيذ
وأكد الدهلكي أن الحكومات المتعاقبة أعلنت مرارا عن برامج وخطط لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن نجاح هذه الخطط يتطلب بيئة سياسية داعمة وتنسيقاً كاملاً بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية، إلى جانب معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في تأجيج النزاعات العشائرية.
وأضاف أن القوات الأمنية تمتلك الإمكانات المهنية والفنية اللازمة لمواجهة هذه الظاهرة، لكنها بحاجة إلى غطاء سياسي وقانوني مستدام يضمن تطبيق الإجراءات على الجميع دون استثناء أو ضغوط، لافتاً إلى أن أي حملة أمنية لن تحقق أهدافها ما لم تقترن باستمرارية تطبيق القانون وعدم الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
انعكاسات مباشرة على الاقتصاد والاستثمار
وبيّن الدهلكي أن استمرار انتشار السلاح خارج سلطة الدولة والدكات العشائرية يترك آثاراً سلبية على بيئة الاستثمار المحلية والأجنبية، إذ يبحث المستثمرون عن الاستقرار وسيادة القانون قبل ضخ رؤوس أموالهم، كما أن هذه الظواهر تؤثر في ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وتضعف قدرتها على فرض النظام العام.
وأشار إلى أن معالجة الملف تتطلب استراتيجية شاملة تشمل تشديد العقوبات القانونية بحق مرتكبي الدكات العشائرية، وتسريع حسم القضايا أمام القضاء، وتعزيز دور الدولة في فض النزاعات، إلى جانب إطلاق حملات توعية مجتمعية لترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون بدلاً من اللجوء إلى السلاح.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الملف
ورجح الدهلكي ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذا الملف، يتمثل الأول في استمرار الوضع الحالي مع تحقيق تراجع محدود في بعض المناطق، فيما يقوم السيناريو الثاني على إحراز تقدم تدريجي نتيجة تكثيف الإجراءات الأمنية والقانونية. أما السيناريو الثالث، والأكثر إيجابية، فيتمثل في نجاح مشروع حصر السلاح بيد الدولة بشكل فعلي من خلال توافق سياسي ومجتمعي واسع يتيح فرض القانون على الجميع دون استثناء.
وختم الدهلكي بالتأكيد على أن مستقبل الاستقرار في العراق يرتبط بشكل وثيق بقدرة الدولة على إنهاء مظاهر السلاح المنفلت وترسيخ مبدأ احتكار القوة بيد المؤسسات الرسمية، باعتبار ذلك أحد أهم ركائز بناء دولة قوية وآمنة وقادرة على جذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة.
وشهد العراق خلال السنوات الماضية تصاعدا في ظاهرة “الدكات العشائرية” واستخدام السلاح في النزاعات الاجتماعية، ما دفع الحكومات المتعاقبة إلى إطلاق حملات أمنية متعددة للحد من انتشار السلاح غير المرخص وتعزيز سلطة القانون.
وبرغم تحقيق بعض النجاحات في هذا الملف، ما تزال التحديات الأمنية والاجتماعية المرتبطة بالسلاح المنفلت تمثل عقبة أمام ترسيخ الاستقرار وتحسين البيئة الاستثمارية في البلاد.