لأن الراتب سيتأخّر 20 يوماً.. تسديد ديون البقال “أولى” من ملابس للعيد! هل نحن في التسعينات؟- عاجل » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

في مساء بارد قرب نهاية شباط، يقف أبو سجاد أمام صرّاف آلي مزدحم في أحد أحياء بغداد. يخرج هاتفه كل دقائق، يفتح تطبيق المصرف، يحدّق في الرصيد، ثم يعيد الهاتف إلى جيبه. في البيت، زوجته ترتّب قائمة رمضان على الورقة: إيجار، سلّة غذائية، أقساط مدرسة، دواء لوالدته، وملابس جديدة بسيطة للصغار قبل العيد إن استطاع. كل شيء معلّق على جملة واحدة لا تزال غائبة من شاشة الهاتف: “إيداع راتب شهر…”.

الخبر الذي سمعه في اليوم السابق لم يساعده على النوم: تسريب يتحدّث عن احتمال تأخير الرواتب في شهر رمضان إلى ما قبل عيد الفطر بسبب “ضغط في السيولة”. بعد ساعات، خرجت بيانات رسمية تؤكّد أن “الرواتب مؤمّنة”. تسريب يثير الذعر، ونفي لا يبدّد الشك. بين الإثنين، يبقى أبو سجاد ينظر إلى الصرّاف كأنّه يستجوب الدولة كلها بسؤال واحد بسيط: هل يأتي راتب رمضان في موعده، أم يتحوّل إلى دين جديد يُطارده حتى بعد العيد؟

يعرف أبو سجاد أن الراتب مُفترض أن يُصرَف في اليوم 10 من رمضان، وأن أي تأخير إلى ما قبل العيد أي بعد الاستحقاق بـ 15 أو 20 يوماً يعني عملياً أن معظم الشهر سيمرّ بلا دخل حقيقي، وأن ما يُنفَق خلاله سيكون ديوناً مؤجّلة. حينذاك لن يكون سؤاله في ليلة العيد: ماذا أشتري؟ بل: هل أسدّد ما اقترضته لأعيش رمضان، أم أشتري ملابس لأطفالي وأترك الدَيْن يكبر؟

هذه الحكاية ليست استثناء. خلفها تقف ملايين الأسر التي تعيش على راتب واحد أو راتبين، في بلد يعلن عن موازنات “تريليونية”، لكنه لا يملك حتى الآن جواباً مطمئناً على سؤال موعد الراتب في أكثر الأشهر حساسية على مستوى الإنفاق اليومي.

من صالة بيت واحد إلى جدول موازنة بلد كامل

لو خرجنا من بيت أبو سجاد إلى الأرقام الكبرى، سنجد أن القلق الذي يعيشه على باب الصرّاف له جذور واضحة في هيكل المالية العامة. فاتورة الرواتب والمستحقات الشهرية للموظفين والمتقاعدين والحماية الاجتماعية تقترب من نحو 8 تريليونات دينار شهرياً. هذه الكتلة الضخمة يجب أن تُموَّل كل 30 يوماً تقريباً، في اقتصاد يعتمد على النفط مصدراً رئيسياً وحيداً تقريباً للتنفس.

خلال السنوات الأخيرة، ظلّ النفط يوفّر ما يقارب 85 – 90% من إيرادات الدولة الفعلية، بينما بقيت الإيرادات غير النفطية – من جمارك وموانئ واتّصالات وكهرباء وضرائب وأملاك دولة – محصورة في هامش يتراوح غالباً بين 10 – 11%، على الرغم من كل الخطاب الرسمي عن “تعظيم الإيرادات غير النفطية”.

هذا يعني أن كل هزّة في سوق النفط، أو تأخير في التحويلات، أو تعقيد في إجراءات الصرف، تنعكس مباشرة على البند الأكثر حساسية: الرواتب. فالدولة لا تتحرك على أساس “ما تملكه على الورق خلال سنة”، بل على أساس “ما تستطيع تحويله إلى سيولة جاهزة في اليوم الذي يحين فيه موعد الدفع”.

الخبير المالي والاقتصادي أحمد التميمي يلخّص الأمر في حديث لـ”بغداد اليوم” بالقول إن تأخير الرواتب “لم يعد يمكن التعامل معه كحادثة إدارية عابرة”، بل هو إشارة إلى أن المنظومة المالية “تواجه ضغطاً مستمراً بلا إصلاحات جذرية”. يشرح أن ملايين الموظفين والمتقاعدين يعتمدون على الراتب كمصدر دخل وحيد تقريباً، وأي تأخير متكرر “يرفع منسوب الفقر والاحتقان، ويهدّد الاستقرار الاجتماعي”، محذّراً من أن غياب خطة واضحة لمعالجة العجز وتراجع الإيرادات قد يدفع الدولة في كل مرة إلى “حلول إسعافية” مثل الاقتراض الداخلي، أو تجميد بعض المشاريع، مع ما يعنيه ذلك من زيادة في الدين العام وتآكل في قدرة المالية العامة على الصمود.

في هذه الصورة، لا تبدو المشكلة في “ندرة المال” بقدر ما تبدو في طريقة إدارة المال: دولة غنيّة بالإيرادات على الورق، لكنها هشّة في إدارة السيولة عندما يحين موعد صرف رواتب شهر واحد، خصوصاً إذا صادف في رمضان وقبيل العيد.

الميناء الذي لا يراه أبو سجاد، والأموال التي لا تصل إلى الخزينة

بينما ينظر أبو سجاد إلى شاشة الصرّاف، لا يرى شيئاً من عالم آخر يوازي هذا المشهد: عالم الموانئ والمنافذ والجباية اليومية التي تمرّ من تحت أيدي جهات وشركات ودوائر عدة قبل أن تصل – أو لا تصل بالكامل – إلى خزينة الدولة.

على الورق، يُفترض أن يشكّل الميناء العراقي منظومة إيراد متكاملة: إجور نقل مائي وبري، عوائد مناولة وخزن حاويات، غرامات على شركات ملاحة، رسوم فحص مختبري وسيطرة نوعية، إجور رصيف واستخدام معدات، بدل منطقة حرة، تصاريح دخول للعجلات، إيرادات الكبّانات وميزان الحمولة، مبالغ خدمات الكهرباء للبرّادات، تنظيم دخول الشاحنات والساحات الاستباقية، بل وحتى فرص إضافية من تطبيق نظام TIR الدولي الذي يمكن أن يحوّل العراق إلى عقدة نقل إقليمية.

لو عملت هذه المنظومة بكفاءة وشفافية، لكان من المفترض أن تشكّل أحد أعمدة الإيراد غير النفطي، وتخفّف الضغط عن النفط وعن بند الرواتب. لكن شكاوى التجّار وأصحاب الشركات تشير إلى صورة أخرى: كلف مرتفعة، إجراءات معقدة وبطيئة، غرامات وخدمات يُوصَف جزء منها بأنه “خيالي” قياساً بما يقدَّم فعلياً، والأهم تساؤلات مستمرة عن حجم الأموال التي لا تصل أصلاً إلى الخزينة بسبب انفلات في الجباية، وهيمنة غير رسمية، ورسوم لا تدخل ضمن السجلات الرسمية.

في الموازنة، تتوزع أرقام الإيرادات غير النفطية على جداول فيها مليارات الدنانير من الموانئ والمنافذ والاتّصالات والكهرباء. لكن حين ينظر مواطن مثل أبو سجاد إلى رصيده البسيط، يصعب إقناعه بأن الدولة استنفدت كل ما في هذه الجيوب قبل أن تجعله ينتظر راتبه مع كل موجة تسريب جديدة عن تأخير قبيل العيد.

أزمة دائمة بلا قانون خاص للطوارئ المالية

البعد القانوني يضيف طبقة أخرى إلى المشهد. الخبير القانوني علاء السيلاوي يرى أن ما يجري لم يعد يصلح لوصفه كـ”أزمة ظرفية”. في حديثه لـ”بغداد اليوم” يصف الوضع بأنه “حالة متكرّرة ذات امتداد زمني وتشعّبات متعددة، أشبه بأزمة دائمة”، تحتاج إلى إطار تشريعي مختلف عن ذلك الذي صيغ لعصور استقرار.

الدستور العراقي يتحدّث عن “حالة الطوارئ” في سياق أمني وعسكري عبر المادة (61/تاسعاً)، بينما تُدار الضغوط المالية اليوم عبر مواد قانون الإدارة المالية الاتحادية، الذي يضع قواعد عامة للسياسة والانضباط المالي، من دون أن يقدّم تعريفاً دقيقاً لما يمكن تسميته “حالة طوارئ مالية”. لا توجد نصوص تحدّد متى يمكن للحكومة أن تعلن أنها أمام وضع مالي استثنائي، ومن يملك حق إعلان ذلك، وما هي الإجراءات الاستثنائية المسموح بها، وما هي الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها، خاصة في ما يتعلّق بحقوق الناس المالية.

من وجهة نظر السيلاوي، هذا الفراغ التشريعي يجعل كل أزمة سيولة قابلة أن تُدار بقرارات إدارية متفرّقة، من دون سقف واضح أو رقابة محكمة. في غياب قانون خاص للطوارئ المالية، يمكن أن يتكرر المشهد نفسه: تسريب عن تأخير رواتب إلى ما قبل العيد خلال رمضان، نفي سريع، تأخير فعلي في بعض الدوائر، ثم عبور مؤقت للأزمة، من دون مراجعة شاملة تحدّد من يتحمّل المسؤولية، وكيف تُعاد صياغة الأولويات عند الضيق.

قانون من هذا النوع لا يعني منح الحكومة شيكاً على بياض، بل وضع خريطة طريق ملزمة: كيف تُحمى الرواتب والحماية الاجتماعية، ما الذي يمكن تجميده أو تأجيله، كيف تُراقَب هذه الإجراءات برلمانياً وقضائياً، وما هي المهلة الزمنية القصوى التي يمكن أن تستمر خلالها “حالة الطوارئ المالية” قبل العودة إلى المسار الطبيعي.

مؤشرات الفساد تصعد قليلاً على الورق.. وقلق الموظّف يبقى في مكانه

في جهة أخرى من اللوحة، تحتفي الحكومة بتحسّن ترتيب العراق بدرجة أو درجتين في مؤشر مدركات الفساد العالمي، وتعرض هذا التقدم الصغير بوصفه إشارة إلى مسار إصلاح. لكن بالنسبة لأبو سجاد ومن يشبهه، يبقى المؤشر الحقيقي شيئاً آخر: مدى انتظام الراتب، ومدى شفافية الإجابة عن سؤال “أين تذهب الأموال؟”.

لسنوات، دار حديث سياسي وإعلامي عن أموال منهوبة أو مهرّبة تُقدّر بمئات مليارات الدولارات، وصلت أحياناً في الخطاب العام إلى رقم 600 مليار دولار خرجت من البلد عبر عقود وصفقات وتهريب منظّم. مع ذلك، ما يزال المواطن ينتظر “قصة نموذجية واحدة” يراها كاملة: مسؤول كبير يُحاكَم حتى النهاية، مبالغ ملموسة تُسترد وتدخل الخزينة، ومسار واضح لاسترداد أصول موجودة في الخارج.

في غياب هذه القصص، يبدو التحسّن في مؤشر الفساد كأنه رقم في تقرير دولي، لا كتحوّل في حياة الناس. حين يُقال لأبو سجاد إن بلده تقدّم نقطتين في المؤشر، وهو في الوقت نفسه يسمع عن احتمال تأخير راتبه إلى ما قبل العيد، فمن الطبيعي أن يسأل: إذا كانت الصورة تتحسّن كما يقولون، لماذا لا تنعكس على الشاشة الصغيرة التي ينتظر عندها كل شهر؟

ما الذي يجب أن يحدث قبل مطالبة العائلة بمزيد من “الصبر”؟

إذا عدنا إلى بيت أبو سجاد، سنجد أن كلمة “اصبروا” لم تعد تقنعه كثيراً. ليس لأن الأزمة سهلة، بل لأن الطريق إلى الحل لم يجرَّب بعد أدواته الجدية. من منظور اقتصادي وقانوني، هناك مسارات واضحة يمكن أن تخفّف هذا النوع من القلق الشهري، لو توفّرت الإرادة السياسية والتشريعية لها.

الخطوة الأولى تتعلّق بتحصين بند الرواتب والحماية الاجتماعية. يمكن للنظام المالي أن يعتبر هذه النفقات “محمية” قانونياً، لا تُمسّ في أي إجراء تقشفي إلا ضمن شروط صارمة ومعلنة، مع إلزام وزارة المالية بنشر تقويم واضح لمواعيد الصرف، يتحوّل إلى عقد ثقة شهري بين الدولة والمواطن، لا إلى موعد مبهم يخضع للتسريبات، خصوصاً في الشهور الحساسة مثل رمضان.

الخطوة الثانية تتعلّق بإدارة السيولة نفسها. توحيد الحسابات الرئيسية في حساب خزانة واحد، تقليص الأموال “النائمة” في حسابات وزارات وهيئات لا تنفقها في وقتها، واعتماد جداول شهرية للتدفقات النقدية تكون متاحة على الأقل للرقابة البرلمانية، يمكن أن يقلّل كثيراً من لحظات الاختناق التي تنعكس فوراً على بند الرواتب.

الخطوة الثالثة تتجه إلى الجهة التي يكره الجميع الحديث عنها بجدية: الإيرادات غير النفطية المهدورة. ضبط جباية الموانئ والمنافذ عبر أنظمة إلكترونية تقلّل التعامل النقدي، مراجعة عقود الشركات التي تعمل في النقل والمناولة والخزن، تعزيز شفافية إيرادات الاتّصالات والكهرباء والضرائب العقارية وأملاك الدولة، يمكن أن يضيف خلال سنوات قليلة عشرات التريليونات من الدنانير إلى جانب الموازنة، من دون فرض ضريبة جديدة على الفقير الذي يدفع ثمن التقصير مرتين.

الخطوة الرابعة منطقية على المستوى الأخلاقي قبل أن تكون اقتصادية: مراجعة امتيازات ومخصّصات الدرجات الخاصة وكبار المسؤولين. تقديرات اقتصادية تتحدّث عن أن الفارق بين الرواتب الأساسية وهذه الامتيازات يصل إلى أكثر من 1.6 تريليون دينار سنوياً. في بلد يقلق فيه الموظف من موعد راتبه كل شهر، تبدو هذه الأرقام وحدها كافية لتأكيد أن الهدر في القمة جزء من المشكلة، وأن قصقصة الترف في الأعلى واجب قبل مطالبة القاعدة بمزيد من التحمّل.

الخطوة الخامسة تكمل ما قاله السيلاوي: تشريع قانون خاص للطوارئ المالية، يحوّل التعامل مع الأزمات من ردود فعل شهرية إلى منظومة واضحة، يحدّد ما يجوز فعله وما لا يجوز عندما تضيق السيولة، ويضمن أن لا تتحوّل هذه الحالة الاستثنائية إلى ذريعة دائمة للمساس بالحقوق.

في النهاية، قد يحصل أبو سجاد هذا الشهر على راتبه في الوقت المناسب، وقد يتأخّر أياماً، وقد يأتي قبيل العيد كما تهمس التسريبات. لكن ما يعيشه من قلق عند باب الصرّاف لن يتغيّر حقاً إلا عندما يتغيّر شيء في الطريقة التي تُدار بها أموال الدولة: من ميناء لا يراه، إلى موازنة يسمع عنها في نشرات الأخبار، إلى قوانين تشريعية تُصوَّت في قاعة البرلمان.

إلى ذلك الحين، ستبقى شاشة الرصيد الصغيرة في يد موظّف واحد مرآة صادقة لوضع مالي عام، مهما بدت الأرقام في الجداول كبيرة ومطمئنة.

تقرير: محرّر قسم الشؤون الاقتصادية في “بغداد اليوم”



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *