+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
أكد أستاذ الدراسات الدولية في كلية العلوم السياسية بجامعة الكوفة، باسل محسن مهنا، اليوم الخميس ( 12 شباط 2026 )، أنّ العراق يشهد اليوم مرحلة تاريخية حرجة بعد انتخابات تشرين الثاني 2025، إذ تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع ضغوط إقليمية ودولية كبيرة.
انقسامات تهدد الاستقرار السياسي
وأوضح محسن مهنا في حديث لـ”بغداد اليوم”، أنّ “تشكيل الحكومة المقبلة أصبح محور اهتمام القوى السياسية والشارع العراقي والدول الإقليمية، بعد الاتفاق داخل الإطار التنسيقي على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، في حين أبدى بعض الأطراف السنية والشيعية معارضة واضحة لهذا التوجّه، ممّا يعكس انقسامات حقيقية تهدّد استقرار المشهد السياسي”.
ويضيف مهنا أنّ “العراق يواجه على الصعيد الاقتصادي أزمة هيكلية مزمنة، تتمثّل في الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، وترحيل الأزمات من حكومة إلى أخرى، مع تفشٍّ واسع للفساد الإداري والمالي، وارتفاع معدلات البطالة، وتأخّر في صرف الرواتب، فضلا عن ضعف قدرة الدولة على ضبط المنافذ الحدودية وإدارة الموارد المالية”.
ويشير مهنا الى أنّ “هذه التحديات تجعل من الضروري إعادة هيكلة الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط، بالتوازي مع إصلاح آليات الإدارة والرقابة المالية لضمان استقرار الموازنة العامة”.
البعد الاقليمي والدولي.. والتهديدات المباشرة
وبشأن البعد الإقليمي والدولي، يرى مهنا أنّ “تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة، بما تضمّنته من تهديدات مباشرة، تمثّل ضغطا استراتيجيا على العراق، إذ تمتلك الإدارة الأمريكية في واشنطن أدوات اقتصادية وأمنية يمكن توظيفها لتغيير موازين القوة السياسية الاقتصادية داخله”.
ويتابع محسن مهنا، أنّ “التهديدات الإسرائيلية – الأمريكية ضد إيران والجماعات المسلحة داخل العراق تزيد من تعقيد المشهد الأمني، في ظل هشاشة الوضع في سوريا، ووجود تهديدات مستمرة من التنظيمات الإرهابية وخلايا داعش التي قد تعيد نشاطها بأقرب فرصة ممكنة متى ما توفّرت الظروف الملائمة”.
سيناريوهات محتملة للمشهد العراقي
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة للمسشهد العراقي، حدّد مهنا “ثلاثة مسارات رئيسية؛ الأوّل، المضي بترشيح المالكي لرئاسة الحكومة، وهو خيار قد يضمن استقرارا سياسيا نسبيا داخل الإطار ولفترة محدودة، لكنه سيكون عرضة لرفض دولي وضغوط اقتصادية محتملة من واشنطن، مع احتمالية استهداف مواقع الجماعات المسلحة والمصالح الإيرانية في العراق، خاصة مع التحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة، فضلا عن أدوات التأثير التي تمتلكها دول إقليمية أخرى مثل تركيا وسوريا وبعض دول الخليج”.
واضاف ” أمّا السيناريو الثاني، فيتمثّل في التوافق على بديل يحظى بقبول داخلي ودولي، بما يفتح المجال أمام دعم اقتصادي أوسع ويقلّل من المخاطر الخارجية، غير أنّه يتطلّب تنازلات كبيرة من القوى السياسية والفصائل المسلحة، بينما يقوم السيناريو الثالث على استمرار الفراغ السياسي لمدد أطول، وهو الأسوأ”، بحسب مهنا.
وتابع “إذ يمكن أن يقود إلى انهيار أوسع في الخدمات العامة، وزيادة حدّة الاحتجاجات الشعبية، وتعزيز نفوذ القوى الإقليمية والدولية في إدارة الشأن العراقي”، مرجحا “السيناريو الثاني الذي سبق أن اقترحه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، والقائم على أن يجري الاتفاق داخل الإطار التنسيقي على ترشيح المالكي حفظا لـ(كرامة الوجه) للإطار وللسيادة العراقية، على أن يتنازل المالكي لاحقا لصالح شخصية متفق عليها تتوافر فيها صفات تتلاءم مع طبيعة الظرف الحالي، ونقطة التماس الحرجة التي يمرّ بها العراق، ومع ديناميات التوازن المحلي والإقليمي والدولي”.
ويرى أنّ “مثل هذا المخرج قد يوفّر جسرا بين ضرورات التفاهم الداخلي ومتطلبات القبول الخارجي”.
التدخلات الخارجية والمؤسسات الامنية
وشدّد محسن مهنا على “ضرورة تقوية المؤسسات الأمنية والعسكرية لمواجهة التدخلات الخارجية، ودمج العناصر الكفوءة من الحشد الشعبي والجماعات المسلحة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية وبإمرة القائد العام للقوات المسلحة، إلى جانب اعتماد دبلوماسية نشطة ومتوازنة لإعادة العراق إلى مركز القرار الإقليمي، ومكافحة الفساد الإداري والمالي لضمان توزيع عادل للثروات وحماية الاستقرار الاجتماعي”.
كما دعا إلى “تشريع القوانين المعطّلة ذات الأهمية، وتطبيق سلّم رواتب عادل، ومصارحة الشعب باستراتيجية اقتصادية بنّاءة، حتى يقف المجتمع إلى جانب الإجراءات التي قد تكون مؤذية وصارمة في المدى القصير، لكنّ عدالتها وانتظامها ونزاهتها يمكن أن تعيد بناء الثقة المأزومة – والمعدومة أحيانا – بين الشعب من جهة والحكومة والأحزاب السياسية من جهة أخرى”، مبينا أنّ “هذه الرؤية لن تنجح في ظلّ المحاصصة الضيّقة والطائفية المقيتة، بل عبر ترسيخ المواطنة الصالحة والولاء للدولة ومؤسساتها”.
وختم مهنا بالقول إنّ “العراق اليوم يقف عند مفترق طرق استراتيجي؛ فإمّا أن تتمكّن الحكومة الجديدة من تجاوز أزمات الماضي وإعادة الثقة بالمؤسسات والمواطن، عبر مسار إصلاحي واضح ومدعوم شعبيا، أو تستمرّ الدوامة الحالية لتغرق الدولة في أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية مركّبة، قد تجعل العراق ساحة مفتوحة لكل أشكال الضغوط الإقليمية والدولية”.