العراق.. المنصة رقم 1 في حرب إيران المقبلة: رسائل ردع “صاروخية” من بغداد إلى أمريكا وإسرائيل



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

في الإقليم الذي تعوّد على دورات منتظمة من الحروب والتهديدات، يبدو الحديث عن “مواجهة كبرى مع إيران” وكأنه تسجيل جديد على شريط قديم، لكنّ ما يخرج اليوم من بغداد يضيف طبقة مختلفة إلى الصورة. قيادي في حركة النجباء يربط بوضوح بين أي اعتداء على الجمهورية الإسلامية أو تهديد للمرشد علي خامنئي وبين انزلاق المنطقة إلى “حرب شاملة”، مستندا إلى سنوات يقول إنّها خُصّصت لبناء قدرات “المقاومة الإسلامية في العراق” بعيدا عن الاستنزاف المباشر، فيما يقرأ أستاذ العلوم السياسية خليفة التميمي حرب حزيران الماضية، ذات الأيام الاثني عشر الثقيلة، بوصفها إنذارا مبكرا عن عجز الكيان المحتل عن تحمّل كلفة مواجهة منفردة ضد طهران. بين هذا الخطاب الفصائلي وتلك القراءة الأكاديمية، يظهر العراق لا كمتفرج على حافة مشهد أكبر، بل كجزء من معادلة ردع تتداخل فيها الحدود، وتُحسب فيها خطوات الحرب المقبلة وفق ما يمكن أن يُطلق من أراضيه بقدر ما يُطلق من الأراضي الإيرانية نفسها.

من سنوات الهدوء النسبي إلى خطاب “الحرب الشاملة”

تصريحات القيادي البارز في حركة النجباء، فراس الياسر، تنطلق من إعادة قراءة كاملة لمرحلة ما بعد عام 2017. في تلك السنوات تراجعت المواجهات المباشرة داخل العراق، وانخفضت وتيرة الضربات المتبادلة بين الفصائل والقوات الأجنبية، وبدت الساحة وكأنّها خرجت من حالة الاشتعال الدائم إلى مساحة أقل ضجيجا. الياسر يعيد تعريف هذه المرحلة باعتبارها مرحلة بناء لا هدنة استراحة؛ يتحدث عن “تركيز المقاومة خلال السنوات الماضية على تطوير قدراتها”، وعن انتقال الفصائل من نمط الاشتباك العبثي إلى نمط التخطيط البعيد، وعن تراكم في الخبرة والتسليح وشبكات الاتصال، حتى وصلت – بحسب تعبيره – إلى “أعلى مستوياتها”.

في هذا السياق لا تبدو الجملة التي يطلقها عن “جرّ المنطقة إلى حرب شاملة” مجرد تهديد لفظي؛ هو يقدّمها بوصفها “قرارا” اتخذته المقاومة الإسلامية في العراق، ويربطها بشرط واضح: “أي اعتداء على الجمهورية الإسلامية أو أي تهديد للمرشد علي خامنئي”. هنا يتجاوز الخطاب حدود التضامن السياسي أو الدعم الإعلامي، ويتحوّل إلى إعلان صريح بأنّ أمن طهران لم يعد شأنا إيرانيا خالصا، بل ملفا يعتبره جزء من الفصائل العراقية جزءا من مسؤوليته المباشرة، وأنّ الرد على الضربة الكبرى لن يكون إيرانيا بحتا، بل شبكة ردود تمتد على طول المحور.

هذه اللغة تعيد رسم صورة العراق في ذهن المتابع الإقليمي. البلد الذي يحاول منذ سنوات ترميم مؤسسات الدولة، والتفاوض على شكل وجود القوات الأجنبية، وتثبيت علاقات متوازنة مع محيطه العربي ومع إيران في آن واحد، يجد نفسه في خطاب النجباء جزءا من “مظلة دفاعية” أوسع عن النظام الإيراني. هذا لا يعني بالضرورة أنّ قرار الدولة هو ذاته قرار الفصائل، لكنه يعني أنّ أي سيناريو لحرب واسعة مع إيران لا يمكن أن يتجاهل هذا النوع من الإعلانات، ولا أن يتعامل مع العراق بوصفه مساحة فراغ بين جبهتين.

طوفان الأقصى وتوسّع مسرح العمليات إلى داخل فلسطين

خلال شرحه لمفهوم “القدرة” لا يكتفي فراس الياسر بالحديث عن السلاح والخبرة، بل يستشهد بتجربة ميدانية حديثة ليدلل على ما يراه نقلة في دور الفصائل العراقية. يشير إلى “معركة طوفان الأقصى” بوصفها مختبرا عمليا، ويقول إنّ المقاومة الإسلامية في العراق، وخصوصا حركة النجباء، “تمكنت من استهداف الكيان الصهيوني وتنفيذ عمليات دقيقة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة”، مضيفا أنّ هذا ليس مجرد ادعاء داخلي، بل “أمر أقرّت به مراكز أبحاث وقادة في الكيان نفسه” وفق ما يعبّر.

هذا الادعاء يحمل دلالتين أساسيتين في الخطاب السياسي. الأولى أنّ الفصائل لا تقدّم نفسها بعد اليوم باعتبارها قوة محلية مقيّدة بحدود العراق الجغرافية؛ بل طرفا قادرا – عندما تسمح الظروف السياسية والأمنية – على نقل جزء من فعلها العسكري إلى ساحات أخرى، وفي مقدمتها فلسطين. الثانية أنّ مسرح الحرب المحتملة مع إيران، إذا انطلقت شرارتها، لن ينحصر في ضربات متبادلة بين طهران وتل أبيب، بل سيتسع ليتداخل مع جبهات مفتوحة أصلا في غزة ولبنان وربما سوريا والعراق واليمن.

في الخلفية ذاتها يأتي حديث الياسر عن “قدرة المقاومة اليوم على استهداف المصالح الأمريكية” بوصفها أكبر مما كانت عليه في السابق، وإشارته إلى أنّ الموقف من الوجود الأمريكي في العراق حسم في بيانات الأمين العام لحركة النجباء. بهذه الطريقة توضع القواعد الأمريكية المنتشرة في العراق والمنطقة، ومعها المصالح الاقتصادية والبنى التحتية المرتبطة بها، ضمن قائمة الأهداف الممكنة في أي مواجهة إقليمية واسعة. تصبح الحرب المحتملة مع إيران، كما تصفها هذه اللغة، مشروعا معقدا متعدد الطبقات: ضربات متبادلة بين دول، وضغط من محور حلفاء يمتلك خبرة حروب غير متناظرة، ومسرح واسع يمتد من البحر المتوسط إلى الخليج.

حرب حزيران القصيرة كاختبار مكلف لقدرة الكيان على الاحتمال

على الضفة التحليلية، يستعيد أستاذ العلوم السياسية خليفة التميمي حرب حزيران الماضية مع إيران بوصفها نموذجًا مضغوطًا لما يمكن أن تعنيه المغامرة العسكرية في الظروف الحالية. تلك الحرب، التي استمرت 12 يوما، لم تكن في نظره مجرد تبادل صواريخ، بل خطة استهدفت “رأس القرارين الأمني والسياسي في طهران”، عبر سلسلة عمليات نوعية وعمليات اغتيال طالت قيادات من الصف الأول في المؤسسة العسكرية وبعض الوجوه السياسية المؤثرة.

الرهان كان واضحا: توجيه ضربة قاسية إلى مركز القيادة يربك منظومة الرد الإيرانية، ويُظهر الكيان المحتل قادرا على الوصول إلى قلب المنظومة الحاكمة في طهران، مع الحفاظ على سرعة الحسم واحتواء الرد. لكنّ مجريات الأيام التالية، كما يصفها التميمي، ذهبت في اتجاه مختلف؛ إذ سرعان ما استعادت إيران قدرتها على الإطلاق الصاروخي، ووجّهت ضربات دقيقة إلى أهداف داخل العمق الإسرائيلي، تسببت بخسائر مادية وبشرية، وأعادت رسم صورة التوازن في المعركة.

هذه التطورات جعلت الحرب القصيرة مكلفة بما يفوق حسابات من خطط لها. التميمي يذهب إلى حد القول إنّ “وضع الكيان كان أقرب إلى مرحلة الانهيار لولا تدخل واشنطن”، في إشارة إلى حجم الاعتماد على المساندة السياسية والعسكرية الأمريكية لتفادي توسّع الخسائر. النتيجة، كما يخلص، أنّ الكيان خرج من تلك التجربة وهو يدرك أنّ أي مواجهة جديدة مع إيران، بالترسانة الصاروخية الحالية وبحجم الحلفاء الإقليميين الذين يمكن أن يتحركوا بالتوازي، لن تكون نزهة سريعة، بل استنزافا واسع النطاق، يصعب تحمّل كلفته من دون مشاركة أمريكية عميقة.

الاستعدادات الإيرانية والدعم الخارجي وحسابات واشنطن

لا يقف تحليل التميمي عند حدود الماضي القريب، بل يربط بين تلك الحرب وما تلاها من مؤشرات على استمرار بناء القوة في طهران. يتحدّث عن “استعدادات إيرانية مستمرة وعلى قدم وساق”، وعن معلومات متداولة حول تعاون عسكري مع روسيا والصين، خصوصا في مجالات الرادار ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة. هذه المعطيات تعني، في القراءة الإستراتيجية، أنّ أي محاولة جديدة لاستهداف البنية العسكرية الإيرانية ستواجه منظومة أكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل سنوات، وربما قدرة أكبر على امتصاص الضربة الأولى والرد بعدها.

في ضوء هذه الصورة يطرح التميمي استنتاجا حاسما: الكيان المحتل، بعد تجربة حزيران، لن يذهب إلى حرب جديدة ضد إيران من دون انخراط أمريكي كامل، يتجاوز الدعم السياسي والإسناد الاستخباري إلى مشاركة فعلية في إدارة العمليات واحتواء ردود الفعل. في المقابل، يرى أنّ واشنطن نفسها لا تبدو متحمسة لخيار كهذا في المرحلة الحالية، لأنّ “إيران ما زالت تمتلك ترسانة صاروخية واسعة”، ولأنّ أي مواجهة شاملة ستضع قواعدها ومصالحها في العراق وسوريا والخليج تحت ضغط مباشر، وستفتح ملفات الطاقة والاستقرار الإقليمي في لحظة عالمية مشبعة بأزمات أخرى. لهذا يميل التقدير، بحسب التميمي، إلى أنّ الإدارة الأمريكية تفضّل مسار المفاوضات ومحاولة تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من دون المرور عبر بوابة الحرب المفتوحة.

العراق في قلب المعادلة: جغرافيا حساسة وخطاب يتجاوز حدود الدولة

حين تُجمع هذه العناصر في لوحة واحدة، يتضح أنّ العراق ليس هامشا على هذه المعادلة. خطاب النجباء يضع أراضيه، عمليا، في خانة الساحات الجاهزة للاشتباك إذا ما استهدفت إيران بضربة كبيرة، ويعتبر أنّ القوات الأمريكية وغيرها من القوى “هدف مشروع” في تلك اللحظة. تحليل التميمي، من زاوية أخرى، يذكّر بأنّ أي مواجهة بين طهران والكيان المحتل ستكون في حاجة إلى قراءة دقيقة لما يوجد على الأرض العراقية من قواعد، وما يتحرّك فوق سمائه من طيران، وما يمثّله البلد من عقدة جغرافية بين إيران وسوريا والخليج.

في الواقع الميداني توجد دولة تحاول أن تثبّت مفهوم السيادة وتعيد ترتيب علاقتها مع الفاعلين الخارجيين، جنبًا إلى جنب مع فصائل لا تخفي ارتباطها بالمحور الإقليمي وتعلن استعدادها لقرار الحرب الشاملة إذا لزم الأمر. هذا التعايش الهش بين مشروع “الدولة” ومشروع “المقاومة” يجعل من كل جولة توتر إقليمي اختبارا إضافيا لقدرة بغداد على الإمساك بخيط القرار، ويحوّل النقاش عن الحرب على إيران إلى نقاش عن مستقبل العراق نفسه: هل يبقى ساحة رسائل بين القوى الكبرى، أم ينجح في تقليص مساحة استخدامه في صراع الآخرين؟

ردع معلن وحرب مؤجلة.. ما الذي تعنيه هذه اللغة للمرحلة المقبلة؟

الصورة التي ترسمها التصريحات الفصائلية والتحليلات الأكاديمية تُظهر مشهدا مفعما بعوامل الردع بقدر ما هو مفعم بعوامل القلق. النجباء تعلن جهوزية “أعلى” واستعدادا لاعتبار أي ضربة لإيران شرارة لحرب أوسع، ومحللون مثل خليفة التميمي يذكّرون بكلفة حرب حزيران القصيرة على الكيان المحتل، ويشيرون إلى صعوبة تكرارها من دون غطاء أمريكي شامل. هذا النوع من الخطاب المزدوج يصنع من فكرة الحرب المحتملة مع إيران ملفا يثقل الطاولة أكثر مما يدفع باتجاه قرار سريع؛ فكل طرف يدرك أنّ النار، إذا اشتعلت، لن تقف عند حدوده، وأنّ الخسائر لن تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تنطلق أو تسقط، بل بما يمكن أن يتغيّر في خرائط النفوذ والاقتصاد والاستقرار الداخلي.

بالنسبة للعراق، الذي خرج للتو من سنوات ثقيلة من العنف والاحتجاجات والأزمات الاقتصادية، تحمل هذه المعادلة معنى إضافيا. البلد الذي يحاول إصلاح وضعه المالي، والتعامل مع أزمات الضرائب والكمارك، وامتصاص غضب الشارع من غلاء المعيشة، يجد نفسه في قلب نقاش عن حرب إقليمية كبرى قد تُفتح أبوابه أمام صواريخ متبادلة لا يملك قرار إطلاقها ولا توقيت توقفها. في هذه المسافة بين خطاب “الحرب الشاملة” وحسابات “الكلفة الباهظة” يتحدد هامش الحركة المتاح لبغداد في الفترة المقبلة: هامش ضيق، لكنه حاسم، بين أن يكون العراق أحد أسباب تجنّب الحرب عبر تثبيت مسافة أمان مع كل الأطراف، أو إحدى ساحاتها الأولى إذا غلب منطق المغامرة على منطق الحساب.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *