+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
تزيد العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران من قتامة المشهد حول مفاوضات مسقط غير المعلنة بين الولايات المتحدة وطهران، وتضع علامة استفهام كبيرة على كل حديث عن “انفراجة قريبة”. فبينما تتحرك الوفود في غرف مغلقة في مسقط، تختار واشنطن توقيتاً بالغ الحساسية لتوقيع حزمة عقوبات جديدة، في إشارة يقرأها كثير من المراقبين على أنها جزء من سياسة “الضغط الأقصى” أكثر مما هي مؤشر على تسوية وشيكة.
الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية جاسم الغرابي، أكد أن العقوبات الأمريكية الجديدة على طهران “تنسف التفاؤل” المحيط بمفاوضات مسقط، محذراً من المبالغة في قراءة تلك المفاوضات على أنها خطوة على طريق اختراق سياسي حقيقي.
وقال الغرابي، لـ”بغداد اليوم”، انه “يجب الحذر من المبالغة في توصيف نتائج مفاوضات مسقط بين الولايات المتحدة وإيران على أنها إيجابية أو مبشرة، فالخطوات العملية التي اتخذتها واشنطن مؤخراً تعكس عكس ذلك تماماً، وتوقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات جديدة على إيران، في توقيت متزامن مع مفاوضات مسقط، يعد دليلاً واضحاً على أن تلك المفاوضات لم تصل إلى مستوى الثقة أو التفاهم الحقيقي بين الطرفين”.
وبين ان “الإدارة الأمريكية لا تلجأ إلى تصعيد أدوات الضغط الاقتصادي إلا عندما تشعر بأن المسار التفاوضي لا يحقق لها المكاسب المطلوبة، أو عندما تريد استخدام العقوبات كورقة ابتزاز سياسي لتحسين شروطها التفاوضية، والعقوبات بحد ذاتها رسالة سياسية أكثر منها إجراءً اقتصادياً”.
وأضاف ان “واشنطن تتبع سياسة العصا والجزرة مع طهران، لكنها تميل إلى العصا كلما شعرت بأن إيران ما زالت متمسكة بمواقفها الأساسية، سواء في الملف النووي أو في قضايا النفوذ الإقليمي، ومفاوضات مسقط، رغم أهميتها الشكلية، ما زالت تدور في إطار جس النبض وتبادل الرسائل غير المباشرة”.
وتابع ان “أي مفاوضات ناجحة أو مشجعة فعلياً كانت ستنعكس أولاً بتجميد العقوبات أو على الأقل تأجيل فرض عقوبات جديدة، لا الذهاب إلى تشديدها، وتوقيع العقوبات ينسف عملياً الخطاب المتفائل الذي تروج له بعض الأطراف حول قرب التوصل إلى تفاهمات جوهرية”.
وأكد الغرابي قوله ان “المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الضغوط المتبادلة، وأن احتمالات التهدئة الحقيقية ستبقى ضعيفة ما لم تقترن المفاوضات بخطوات ملموسة على الأرض، تعكس وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين، وليس مجرد إدارة للأزمة وتأجيل لانفجارها”.
مسقط.. عاصمة وساطة أم منصة لزيادة الضغط؟
اختيار مسقط ليس صدفة؛ فسلطنة عُمان لعبت تاريخياً دور “قناة خلفية” بين واشنطن وطهران، من الاتصالات السرية التي مهدت لاتفاق 2015 النووي، وصولاً إلى جولات تواصل غير مباشر في السنوات الأخيرة استُخدمت لتمرير رسائل وتخفيف حدة الأزمات، من الملف النووي إلى أمن الملاحة في الخليج.
لكن دلالات التوقيت هذه المرة مختلفة؛ فبدلاً من أن تسبق المفاوضات إجراءات “حسن نية” مثل تجميد بعض العقوبات أو تخفيف الضغط على قطاعات مدنية، تزامن مسار مسقط مع أمر تنفيذي جديد بالعقوبات، في إعادة إنتاج واضحة لمنطق “التفاوض تحت العصا”، الذي استخدمته واشنطن سابقاً عبر قوانين وحزم عقوبات متتالية استهدفت قطاع الطاقة والمصارف في إيران، وجُعلت أداة رئيسية لدفع طهران إلى طاولة التفاوض أو انتزاع تنازلات إضافية.
هذا الأسلوب – المزج بين المسار الدبلوماسي والعقوبات – يرسل رسالتين متوازيتين: الأولى إلى الداخل الأمريكي وحلفاء واشنطن بأن الإدارة لا “تتساهل” مع إيران، والثانية إلى طهران بأن العودة إلى طاولة التفاوض لا تعني تلقائياً تخفيف الضغط، بل ربما تضييقه إلى أن تقترب المواقف من السقف الأمريكي المطلوب. وهنا يتقاطع تحليل الغرابي مع التجربة السابقة، حيث ظلّت العقوبات أداة تفاوضية بحد ذاتها، يُلوَّح بتشديدها كما يُلوَّح برفعها وفق إيقاع المساومات السياسية.
من العقوبات إلى حافة مضيق هرمز
في موازاة مسار العقوبات والمفاوضات، كشفت صحيفة “هندوستان تايمز” مؤخراً عن ملامح خطة إيرانية معدّة سلفاً للتعامل مع سيناريو الفشل الكامل لمفاوضات مسقط، تقوم على تحويل مضيق هرمز إلى أداة ضغط عسكري – اقتصادي ضد الأسطول الأمريكي في حال اندلاع مواجهة مباشرة.
وفق التقرير، تراهن طهران على مزيج من أدوات “الحرب غير المتكافئة”: صواريخ فرط صوتية مثل “شهيد-2” تُطلق من الساحل على القطع البحرية الكبيرة، أسراب كثيفة من المسيّرات منخفضة الكلفة نسبياً، غواصات صغيرة تعمل بكفاءة في المياه الضحلة كما في هرمز، قوارب سريعة مسلحة، وآلاف الألغام البحرية التي يمكن زرعها لخلق “حقل نار” متحرك في وجه حاملات الطائرات والسفن الأمريكية باهظة الثمن. الفكرة المركزية في هذه الخطة – كما يعرضها التقرير – هي قلب معادلة الكلفة: استخدام وسائط تسليح لا تتجاوز قيمتها عشرات أو مئات آلاف الدولارات، لإلحاق ضرر قد يصل إلى مليارات الدولارات بحاملة طائرات واحدة أو سفينة دعم استراتيجية.
هذا السيناريو، إذا أضيف إلى مسار العقوبات المتصاعد، يعني أن المفاوضات في مسقط لا تجري في فراغ، بل على حافة مسرح عمليات محتمل في الخليج، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير للرسائل المتبادلة أن يفتح الباب سريعاً أمام احتكاكات في البحر، أو استهداف محدود يتحول إلى دورة تصعيد أوسع. وهنا يصبح قرار العقوبات جزءاً من “لوحة ضغط” مركبة: اقتصادياً عبر خنق الموارد، وعسكرياً عبر تحريك الأساطيل واستعراض القوة في منطقة ضيقة جغرافياً وحساسة استراتيجياً.
ما بين إدارة الأزمة وانفجارها: إلى أين تتجه مفاوضات مسقط؟
من زاوية تحليلية، يضع الغرابي مفاوضات مسقط ضمن خانة “إدارة الأزمة” أكثر مما يضعها ضمن خانة “حل الأزمة”. فاستمرار العقوبات، بل وتشديدها في ذروة التفاوض، يوحي بأن واشنطن تسعى إلى ضبط سلوك إيران النووي والإقليمي عبر مروحة واسعة من أدوات الضغط، دون أن تقدّم حتى الآن ما يكفي من إشارات على استعداد لصفقة كبرى تعيد رسم قواعد اللعبة في المنطقة. في المقابل، تبدو طهران حريصة على كسر عزلتها الاقتصادية تدريجياً، من دون دفع أثمان سياسية وأمنية تعتبرها مساًّ بجوهر مشروعها الإقليمي وبرنامجها النووي.
هذا التباين العميق في تعريف “المقبول” و“غير المقبول” لدى الطرفين، يجعل من مسقط ساحة لتبادل الرسائل أكثر مما هي منصة لتوقيع اتفاق. فكل عقوبة جديدة تفرضها واشنطن تُقرأ في طهران باعتبارها محاولة لتحسين موقع التفاوض الأمريكي لا دليلاً على نية حقيقية للانفراج، وكل إصرار إيراني على مواصلة تطوير القدرات الصاروخية وتثبيت الحلفاء في الإقليم يُقرأ في واشنطن كدليل على أن طهران لا تستجيب إلا للضغط الإضافي لا للوعود الدبلوماسية.
النتيجة، كما يخلص إليها الغرابي، أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من “عضّ الأصابع”: تشديد متدرج للعقوبات، مقابل تصعيد محسوب في الملفات الإقليمية الحساسة، من أمن الممرات البحرية إلى نشاط الحلفاء في العراق وسوريا ولبنان واليمن. في هذا المناخ، تصبح احتمالات التهدئة الحقيقية مرتبطة بقدرة الطرفين على ترجمة المفاوضات إلى خطوات ملموسة على الأرض: تجميد بعض العقوبات مقابل خطوات نووية قابلة للتحقق، أو تفاهمات محددة حول أمن الملاحة وضبط الاشتباك في ساحات الإقليم.
لكن إذا ظلّ المسار على صورته الحالية – عقوبات جديدة مقابل جولات حوار تستنزف الوقت من دون اختراق – فإن مفاوضات مسقط ستتحول عملياً إلى أداة لتأجيل الانفجار لا لمنعِه؛ “استراحة تكتيكية” في طريق صراع طويل، لا بداية مسار تسوية مستدامة. وهنا تكمن خطورة اللحظة: أن يعتاد الجميع على إدارة حافة الهاوية، إلى أن تقع في لحظة ما خطوة خاطئة صغيرة، تجرّ المنطقة من اقتصاد العقوبات إلى جغرافيا الاشتباك المفتوح.
تقرير: محرر قسم الشؤون الدولية في بغداد اليوم