+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
في الوقت الذي تتحدّث فيه الأرقام عن عودة ارتفاع الذهب في الأسواق العراقيّة، مع ملامسة سعر مثقال عيار 21 حدود 1,072,000 دينار بعد أن كان قد قفز في الأيام الماضية إلى ما يقارب 1,100,000 دينار للمثقال، يواصل سعر صرف الدولار في السوق الموازية اقترابه من عتبة 150,000 دينار لكل 100 دولار، بعد أن لامس في ذروته حدود 155,000 دينار قبل أن يتراجع نسبيًّا إلى نطاق 149,000 مع بقائه أعلى من السعر الرسمي بما يقارب 18,000 دينار.
وسط هذه الأرقام، تتزايد شكاوى الموظّفين والمتقاعدين من تأخّر الرواتب في عدد من المؤسّسات والدوائر، فيما يؤكّد عاملون في القطاع الخاص وأصحاب شركات صغيرة أنّ إجراءات المصارف وتعقيدات التحويل وعدم توفّر السيولة الكافية تؤخّر دفع الأجور والاستحقاقات لأسابيع، ما يراكم الضغط المعيشي على الأسر، ويجعل أي ارتفاع في الدولار أو الذهب مباشرًا في أثره على حياة الناس.
ورغم هذه المؤشّرات، تواصل الحكومة التأكيد على أنّ لا أزمة رواتب وأنّ الوضع “تحت السيطرة”، على الرغم من العجز المسجّل في الموازنة، وتراجع أسعار النفط عن المستويات المتفائلة التي بُنيت عليها التقديرات، إضافة إلى تصاعد الحديث عن ضغوط وتهديدات أمريكيّة تتعلّق بالمساعدات المالية أو القيود على التعاملات المصرفية، وهو ما يفاقم القلق الشعبي من المرحلة المقبلة.
تحذير من “مرحلة صعبة ومعقّدة” ماليًّا
المختصّ في الشؤون الماليّة والاقتصاديّة ناصر التميمي، أكد أنّ الوضع المالي للعراق صعب، وأنّ المرحلة المقبلة تحمل مخاطر حقيقيّة على تأمين الرواتب.
وقال التميمي، لـ”بغداد اليوم”، إنّ “الوضع المالي للعراق يمرّ بمرحلة صعبة ومعقّدة، ويجب الحذر من أنّ الأشهر المقبلة قد تكون أكثر حساسيّة في ظلّ التحدّيات الاقتصاديّة المتراكمة، الأمر الذي قد ينعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة في الإيفاء بالتزاماتها، وفي مقدّمتها ملفّ الرواتب”.
وبيّن أنّ “الاعتماد شبه الكلّي على الإيرادات النفطيّة، إلى جانب تذبذب أسعار النفط عالميًّا، وارتفاع النفقات التشغيليّة، وتضخّم حجم الجهاز الوظيفي، كلّها عوامل أسهمت في زيادة الضغوط على الموازنة العامّة، وأي انخفاض مفاجئ في أسعار النفط أو تأخير في إقرار الموازنات سيضع الحكومة أمام أزمة سيولة حقيقيّة”.
وأضاف أنّ “استمرار غياب الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة الجادّة، وعدم تنويع مصادر الدخل، سيجعل الوضع أكثر خطورة خلال المرحلة المقبلة، وملفّ الرواتب بات يشكّل عبئًا كبيرًا على الخزينة العامّة، خصوصًا مع تزايد الالتزامات الشهريّة للدولة مقابل ضعف الإيرادات غير النفطيّة”.
وشدّد التميمي على أنّه “يجب أن تكون هناك خطوات عاجلة لمعالجة الخلل القائم، من خلال ضبط الإنفاق، وإعادة هيكلة السياسة الماليّة، وتفعيل القطاعات الإنتاجيّة، إضافة إلى مكافحة الهدر والفساد المالي، والتأخّر في هذه الإجراءات قد يضع الحكومة أمام تحدّيات غير مسبوقة تمسّ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي”.
ذهب عند “مستويات خياليّة” ورواتب متأخّرة
ارتفاع الذهب إلى مستويات تجاوزت مليون دينار للمثقال لم يعد، بالنسبة لكثير من العراقيّين، رقمًا في نشرة أسعار، بل تحوّل إلى مؤشّر على اهتزاز الثقة في المستقبل المالي، خصوصًا لدى الطبقة الوسطى والموظّفين الذين يرون في الذهب ملاذًا بديلًا عن الدينار في ظلّ تكرار موجات ارتفاع الدولار.
ومع كلّ دورة صعود جديدة للدولار – سواء عند 155,000 دينار أو عند مستواه الحالي حول 149,000 دينار – يتّسع الفارق عن السعر الرسمي، ويزداد الضغط على القوّة الشرائيّة للرواتب، في وقت تتحدّث فيه شهادات من موظّفين ومتقاعدين عن تأخّر الاستقطاع أو الصرف لأيّام وربّما أسابيع في بعض المؤسّسات، فيما يشتكي عاملون في القطاع الخاص من عجز الشركات عن سحب أموالها في الوقت المناسب من المصارف لتسديد الأجور.
هذا التزامن بين:
-ارتفاع الذهب إلى مستويات “قياسيّة” بالمعايير الشعبيّة،
-بقاء الدولار أعلى من السعر الرسمي بفارق يتجاوز 17 – 18 ألف دينار،
-وتأخّر الرواتب أو تعثّرها في قطاعات متعدّدة،
يجعل تحذير التميمي من “مرحلة صعبة ومعقّدة” ليس توصيفًا أكاديميًّا فحسب، بل تلخيصًا لوضع يعيشه المواطن يوميًّا بين سعر صرّاف، وموعد راتب، وسوق يرفع الأسعار مع كل قفزة في الدولار أو الذهب.
بين خطاب “لا أزمة” ومعطيات السوق
في مقابل هذا المشهد، يصرّ الخطاب الرسمي على أنّ الأموال متوفّرة وأنّ الرواتب “خط أحمر”، وأنّ العجز يمكن السيطرة عليه ضمن مديات الموازنة. لكنّ المؤشّرات التي ترصدها الأسواق – من سعر صرف، وذهب، وتأخّر في صرف الاستحقاقات – تطرح سؤالًا ملحًّا:
هل تكفي الطمأنة السياسيّة وحدها لتهدئة مخاوف الناس، أم أنّ المرحلة المقبلة تحتاج إلى إجراءات ملموسة تثبت قدرة الدولة على حماية الدينار وتأمين الرواتب، قبل أن تتحوّل أزمة الثقة إلى أزمة ماليّة مكتملة الأركان؟
وبحسب متابعات “بغداد اليوم”، فإنّ جوهر المشكلة لا يرتبط حاليًا بانهيار حقيقي في قدرات العراق الماليّة، بقدر ما يرتبط بضعف الإجراءات في مواجهة الفساد ومصادر الهدر، وعدم القدرة على ضبط المنافذ الجمركيّة والضرائب والإنفاق التشغيلي. ورغم أنّ إيرادات النفط ما تزال كفيلة – وفق المعطيات الرقميّة المتاحة – بتأمين الرواتب إذا ما أُحسن استخدامها، إلّا أنّ استمرار التساهل مع مزاريب الهدر، ومحاولة تعويض الخلل عبر فرض ضرائب ورسوم جديدة أو زيادة الأعباء غير المباشرة على المواطن، يجعل الأخير يشعر بأزمة خانقة، بينما تكمن “الأزمة الفعليّة” في مكان آخر هو بنية إدارة المال العام وآليّات مكافحة الفساد لا في قدرة الدولة على الدفع.
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم