صراع القطبين.. رئاسة الجمهورية بين مرشحي “الديمقراطي والاتحاد” وحسابات الكتل في بغداد- عاجل » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

تجدّد الجدل حول منصب رئيس الجمهورية مع اقتراب موعد الجلسة النيابية المنتظرة، في وقت يتقدّم فيه مرشحان أساسيان عن الحزبين الكرديين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وسط مساعٍ محمومة للبحث عن مرشح توافقي، وحسابات متشابكة للقوى الشيعية والعربية السنية إزاء هذا الاستحقاق الدستوري المحوري.

عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، علي الفيلي، كشف في حديث لـ”بغداد اليوم”، عن “وجود مرشحين أساسيين لمنصب رئاسة الجمهورية، هما وزير الخارجية الدكتور فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، والسيد نزار أميدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، مع ترجيح الاتجاه نحو طرح مرشح توافقي بين الحزبين”.

وقال الفيلي إنّ “هناك مرونة متبادلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني للوصول إلى بغداد بمرشح واحد”، مبيّنًا أنّ “هذا التوجه يأتي في إطار الجهود الرامية إلى توحيد الموقف الكردي والتوصل إلى اتفاق مشترك يخدم الاستقرار السياسي”. وأضاف أنّ “المشاورات ما زالت مستمرة، وهناك إدراك متزايد لدى الطرفين لأهمية تجاوز الخلافات السابقة، بما يضمن عدم تعطيل الاستحقاقات الدستورية والمضي قدمًا في استكمال تشكيل السلطات”.

هذا الطرح يتقاطع مع ما أكدته في وقت سابق النائبة عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، أشواق الجاف، التي قالت إنّ الحزب “كان وما يزال حريصًا على دخول الكرد في بغداد بمرشح واحد”، إلّا أنّ المباحثات بين الوفدين السياسيين، والتي ناقشت عدة نقاط من بينها منصب رئاسة الجمهورية، “لم تُفضِ إلى توافق على اسم محدد، ما أدى إلى التوجه إلى بغداد بمرشحين”. وأوضحت الجاف أنّ مرشح الحزب الديمقراطي هو الدكتور فؤاد حسين، وأنّ الحزب أجرى “زيارات مكثفة لجميع الأطراف السياسية الممثلة داخل مجلس النواب، وكان مستعدًا لجلسة اليوم، إلّا أنّه تلقى طلبًا من الاتحاد الوطني لتأجيل الجلسة لإتاحة فرصة لمزيد من النقاش أملًا في التوصل إلى اتفاق، وحرصًا على وحدة الصف تمت الموافقة على هذا الطلب”.

رئاسة الجمهورية.. عقدة دستورية في قلب معادلة الحكومة

منصب رئيس الجمهورية لا يُعد تفصيلًا بروتوكوليًا في المشهد العراقي، بل نقطة ارتكاز في المسار الدستوري، إذ يُلزِم الدستور الرئيس المكلّف بأن يسمّي مرشح “الكتلة الأكبر” لرئاسة الوزراء خلال مدة لا تتجاوز 15 يومًا من تاريخ انتخابه. لذلك، بات واضحًا أنّ الخلاف على رئاسة الجمهورية يتجاوز “من يكون في قصر السلام”، ليتصل مباشرة بهوية من سيُكلَّف بتشكيل الحكومة المقبلة، وشكل التوازن داخل السلطة التنفيذية.

في الحالة الراهنة، تتقاطع المعطيات مع ما أشارت إليه أشواق الجاف حول أنّ الإطار التنسيقي قدّم اسم مرشح رئاسة الوزراء، مع توقعات سابقة بترشيح نوري المالكي، في مقابل وجود أطراف تعارض هذا الترشيح. هذا الاعتراض لا ينفصل عن معركة رئاسة الجمهورية نفسها؛ فجزء من القوى الشيعية والكردية والعربية السنية ينظر إلى الرئيس بوصفه “ضامنًا” لتوازنات ما بعد التكليف، وليس مجرد موقّع على مرسوم تشكيل الحكومة.

الحسابات الكردية.. بين تثبيت النفوذ وتجنّب الانقسام

داخل البيت الكردي، يتداخل البعد الرمزي بالبعد السياسي. الاتحاد الوطني الكردستاني يرى تقليديًا أنّ منصب رئيس الجمهورية “استحقاق تاريخي” له، منذ تولّي الراحل جلال طالباني رئاسة الجمهورية بعد 2005، ومرورًا بمحطات لاحقة. في المقابل، يطرح الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ دورات سابقة سؤال “توازن الأدوار” داخل الإقليم والدولة، معتبرًا أنّ ثقله النيابي والسياسي يبرر أن يكون مرشحه في السباق إلى رئاسة الجمهورية.

تأكيد علي الفيلي على “مرونة متبادلة” لا يعني بالضرورة أنّ الطريق سالكة بالكامل نحو مرشح واحد؛ فالطرفان يدركان أنّ الذهاب إلى بغداد بمرشحين كرديين يفتح الباب أمام احتمال أن تُحسم المعركة بأصوات كتل شيعية وعربية سنية لصالح طرف على حساب آخر، ما قد يترك أثرًا عميقًا على العلاقة بين أربيل والسليمانية، وعلى تماسك الموقف الكردي في الملفات اللاحقة، من الموازنة والنفط والغاز إلى رواتب الإقليم والمناطق المتنازع عليها.

لذلك تبدو فكرة “المرشح التوافقي” بين فؤاد حسين ونزار أميدي، أو اسم ثالث يجمع تواقيع الطرفين، محاولة لتفادي سيناريو الخسارة داخل البرلمان أمام مرشح “كردي – كردي”، ولإرسال إشارة أنّ الكرد ما زالوا يتصرّفون ككتلة واحدة في لحظة توزيع الرئاسات.

مواقف القوى الشيعية.. رئاسة الجمهورية بوابة إلى رئاسة الوزراء

على الضفة الشيعية، لا ينظر الإطار التنسيقي وبقية القوى إلى انتخابات رئيس الجمهورية بمعزل عن معركة رئاسة الوزراء. الإطار، الذي يُنتظر منه حسم اسم مرشحه النهائي لرئاسة الحكومة، يحتاج إلى رئيس جمهورية لا يعرقل مسار تكليفه، وفي الوقت نفسه لا يضيف إلى التوتر مع المكونات الأخرى.

القوى الشيعية الأقرب إلى الإطار قد تميل إلى رئيس جمهورية “مطمئن” لا يدخل في سجال قانوني حول تعريف “الكتلة الأكبر”، ولا يفتح الباب لأزمات دستورية مشابهة لما شهده العراق في دورات سابقة. في المقابل، توجد داخل الساحة الشيعية أصوات تحذر من المراهنة على رئيس جمهورية “ضعيف” أو محسوب بالكامل على طرف واحد، خشية أن ينعكس ذلك على شرعية الحكومة المقبلة، وعلى علاقتها بالمجتمع وبالشركاء الكرد والعرب السنة.

أما الأطراف المعارضة لترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، كما أشارت الجاف، فقد ترى في تأجيل جلسة رئاسة الجمهورية “نافذة زمنية” لمحاولة إعادة التفاوض، إمّا حول اسم مرشح رئاسة الوزراء، أو حول شكل التفاهمات الأوسع التي تربط اختيار الرئيس بتوزيع الحقائب والمناصب الأخرى.

الموقف العربي السني.. موازنة الحصة والدور

بالنسبة للقوى العربية السنية، التي تركز تقليديًا على موقع رئيس مجلس النواب وحجم تمثيلها في الحكومة، يمكن القول إنّ معركة رئاسة الجمهورية ليست ساحتها الأولى، لكنها ليست بعيدة عن تأثيرها. الكتل السنية الكبيرة تدرك أنّ أصواتها داخل البرلمان قد تُرجّح كفة مرشح كردي على آخر، أو تدفع باتجاه مرشح توافقي إذا ما توحّد موقفها.

هذه القوى تحاول، في الغالب، موازنة عاملين:

-الأول، الحفاظ على شراكتها مع الطرف الكردي الذي ترى أنّه أقرب إلى رؤيتها في ملفات مثل إعادة الإعمار، وعودة النازحين، وتوازن العلاقات مع الإقليم.

-الثاني، عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الإطار التنسيقي الذي يملك الكتلة الأكبر داخل البيت الشيعي، والذي سيكون له الدور الأساس في تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب التنفيذية ذات الصلة بالمحافظات السنية.

لذلك يميل جزء من القيادات العربية السنية إلى تشجيع الكرد على حسم خلافهم داخليًا والذهاب بمرشح واحد، مع إبقاء هامش للمناورة داخل البرلمان، إمّا عبر التصويت لمرشح يحافظ على التوازنات، أو عبر استخدام ورقة الحضور والنصاب للضغط باتجاه تفاهم أشمل يضمن لهم مكاسب سياسية وخدمية في الحكومة المقبلة.

الاحتمالات المفتوحة.. من مرشح توافقي إلى تعطيل النصاب

أمام هذا المشهد المعقد، تتقدّم عدة سيناريوهات محتملة لمسار رئاسة الجمهورية:

-سيناريو التوافق الكردي المسبق: ينجح الحزبان في استثمار “المرونة المتبادلة” التي تحدث عنها علي الفيلي، ويتفقان على مرشح واحد، سواء كان فؤاد حسين أو نزار أميدي أو اسمًا ثالثًا يحظى برضاهما، وعندها تصبح مهمة تمرير الرئيس داخل البرلمان أسهل، مع حاجة إلى تفاهم نهائي مع الإطار التنسيقي والقوى العربية السنية حول رئاسة الوزراء وتوزيع الحقائب.

-سيناريو التنافس داخل قبة البرلمان: يفشل الحزبان في التوافق، ويذهب البرلمان إلى جلسة تضم مرشحين كرديين يتقاسم الكرد أصواتهم بينهما، بينما تتدخل كتل شيعية وسنية لحسم النتيجة. هذا السيناريو قد يؤدي إلى انتخاب رئيس جمهورية بدعم “خارجي” عن البيت الكردي، ما يترك جرحًا سياسيًا داخل الإقليم، وينعكس على الملفات المشتركة لاحقًا.

-سيناريو تعطيل النصاب وتأجيل الجلسات: تستمر لعبة الحضور والغياب داخل مجلس النواب، ويُستخدَم النصاب كأداة تفاوض، فيُؤجَّل الحسم مرات عدة، الأمر الذي يبقي منصب رئيس الجمهورية معلّقًا، ويُبقي معه ملف تكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة في حالة انتظار مفتوح، بما يحمله ذلك من كلف سياسية واقتصادية على البلد في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

في كل هذه الاحتمالات، يبقى الثابت الوحيد أنّ منصب رئيس الجمهورية لم يعد مجرد استحقاق كردي داخلي، بل عقدة تتقاطع عندها حسابات الإطار التنسيقي، وحسابات الكتل العربية السنية، وحسابات الحزبين الكرديين، وسط ضغط شعبي واقتصادي متزايد يدفع باتجاه حسم سريع للسلطات، بدل الدوران في حلقة جديدة من الفراغ والتجاذب.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *