حاجز الصوت وسباق السماء بين موسكو وواشنطن!


كان كثيرون يعتقدون أن الطائرات قد تتحطم أو تفقد السيطرة إذا اقتربت من سرعة الصوت، لكن التجارب العملية أثبتت أن هذا الحاجز يمكن اختراقه عند تصميم الطائرة وتنفيذ الرحلة بالشكل المناسب. في قلب هذا الإنجاز يبرز اسمان كبيران: الأمريكي تشاك ييغر، والسوفيتي أوليغ سوكولوفسكي.

تشاك ييغر: أول إنسان يكسر حاجز الصوت رسميا

في 14 أكتوبر 1947، أصبح النقيب في القوات الجوية الأمريكية تشاك ييغر أول إنسان يكسر حاجز الصوت رسميا، وذلك أثناء قيادته الطائرة الصاروخية التجريبية “بيل إكس-1” في سماء ولاية كاليفورنيا. مثّلت هذه الرحلة نقطة تحول كبرى في سباق الطيران العالمي، وأثبتت أن الطيران بسرعات تفوق سرعة الصوت لم يعد ضربًا من الخيال.

رصاصة برتقالية في السماء

قاد ييغر في تلك المناسبة الطائرة “بيل إكس-1″، وهي طائرة تجريبية تعمل بمحرك صاروخي، مطلية بلون برتقالي زاه، وصُمم جسمها على شكل رصاصة من عيار 0.50 بوصة، وقد أطلق عليها اسم “غلينيس الفاتنة” تيمنا باسم زوجته. لم يكن هذا الاسم مجرد لمسة عاطفية، بل أصبح جزءا من الأسطورة التي أحاطت بتلك الرحلة التاريخية.

من ميكانيكي إلى طيار آس

كان تشارلز إلوود ييغر طيارا مقاتلا أمريكيا بارزا خلال الحرب العالمية الثانية، ثم طيار اختبار، وشغل لاحقا رتبة جنرال في القوات الجوية الأمريكية. وُلد في 13 فبراير 1923 في لينكولن بولاية فرجينيا الغربية، وتوفي في 7 ديسمبر 2020 في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا. خلال الحرب العالمية الثانية، عمل في البداية ميكانيكيا للطائرات، لكنه أصبح طيارا في عام 1942، وقد نال لقب “طيار آس” في يوم واحد، بعدما أسقط في 12 أكتوبر 1944 خمس طائرات معادية في طلعة جوية واحدة.

مسيرة حافلة بعد الحرب

قاد هذا الطيار المقاتل خلال حرب فيتنام جناحا جويا، ونفذ أكثر من 100 مهمة قتالية. وفي وقت لاحق، عمل ملحقا عسكريا في باكستان إبان الحرب الهندية الباكستانية. في عام 1975، تقاعد برتبة عميد في القوات الجوية الأمريكية. هكذا جمع ييغر بين خبرة القتال الجوي، ومهارة طيار الاختبار، وروح المغامرة التي جعلته واحدا من أشهر أسماء الطيران في القرن العشرين.

الرحلة السرية وكسر الضلوع

من المفارقات الغريبة أن الطيار الأمريكي كان قد سقط قبل الرحلة بيومين فقط عن ظهر حصان، وأصيب بكسر في ضلعين في جانبه الأيمن، وخشية أن يُستبعد من المهمة، تلقى العلاج على يد طبيب مدني، ولم يفصح عن الأمر إلا لصديقه النقيب جاك ريدلي. لتسهيل عملية إغلاق باب الطائرة الصاروخية “بيل إكس-1” الثقيل، صنع صديقه ريدلي رافعة مرتجلة من مقبض مكنسة. هكذا اقترن أخطر اختبار طيران في ذلك الوقت بلمسة بسيطة من الحيلة والصداقة.

لحظة ماخ 1: اختراق الهلام

وصلت الطائرة “بيل إكس-1” في هذه المهمة السرية، التي لم تُعلن نتائجها في البداية، إلى سرعة 1.06 ماخ، أي ما يعادل 1127 كيلومترا في الساعة تقريبا، وذلك على ارتفاع يزيد عن 13000 متر. قال الطيار الأمريكي إن الرحلة جرت بسلاسة، ووصف تلك اللحظة لاحقا بأنها كانت أشبه بـ”اختراق هلام”، مشيرا إلى عدم وجود أي اهتزازات عنيفة، مضيفا أن الحاجز الحقيقي “لم يكن في السماء، بل في معرفتنا وخبرتنا بالطيران بسرعات تفوق سرعة الصوت”.

الجانب السوفيتي: لافوتشكين La-176

لم تتأخر أول رحلة سوفيتية تفوق سرعة الصوت كثيرا عن الأمريكية، فقد جرت بعد ما يزيد قليلا عن عام، وتُحدد غالبية المصادر تاريخها في 26 ديسمبر 1948، مع الإشارة إلى أن بعض الروايات تذكر 28 ديسمبر. تحقق هذا الإنجاز باستخدام طائرة مقاتلة تجريبية نفاثة من طراز لافوتشكين La-176، وقاد المهمة طيار الاختبار أوليغ سوكولوفسكي، حيث وصل إلى سرعة الصوت، أي ماخ 1.0، أثناء مناورة غوص حادة على ارتفاع بلغ حوالي 9060 مترا.

أُجريت هذه الطلعة التاريخية في مطار “ساكي” في شبه جزيرة القرم. وخلال مناورة انحدار ضحل من ارتفاع 11000 متر إلى 6000 متر، تم الوصول إلى سرعة 1105 كيلومترات في الساعة، أي ما يعادل 1.021 ماخ عند ارتفاع يناهز 7000 متر. في ذلك اليوم نُفذت رحلتان بواسطة طياري الاختبار إيفان فيودوروف وأوليغ سوكولوفسكي، إلا أن دقة قراءات السرعة أصبحت محل شك بسبب مشكلات في نظام “بيتو-ستاتيك”، وهو جهاز قياس السرعة والضغط. وفي 3 يناير 1949، أكد سوكولوفسكي النتائج السابقة من خلال رحلات نُفذت باستخدام جهاز “بيتو-ستاتيك” جديد؛ وبناءً على ذلك، يُعتبر تاريخ 26 ديسمبر هو الموعد الذي تم فيه كسر حاجز الصوت لأول مرة في الاتحاد السوفيتي.

أوليغ سوكولوفسكي: ثاني من كسر حاجز الصوت

الجدير بالذكر أن الطيار السوفيتي، مثل زميله الأمريكي، كان طيارا مقاتلا، وقد نفذ خلال الحرب العالمية الثانية 35 طلعة قتالية ناجحة، ثم أصبح بعد الحرب طيار اختبار. يُشار إليه بوصفه ثاني طيار في العالم يكسر حاجز الصوت رسميا، أو على الأقل واحدا من أوائل من حققوا هذا الإنجاز، وقد منحته هذه الرحلة مكانة بارزة في تاريخ الطيران السوفيتي، كما منحت ييغر مكانة مماثلة في التاريخ الأمريكي والعالمي.

ما وراء تحدى حاجز الصوت

لم يكن كسر حاجز الصوت مجرد سباق بين دولتين، بل كان قفزة في فهم الإنسان للديناميكا الهوائية، وحدود التحمل البشري، وقدرة الهندسة على تجاوز المخاطر. بفضل رجال مثل تشاك ييغر وأوليغ سوكولوفسكي، أصبح الطيران الأسرع من الصوت حقيقة عملية، ثم تطور لاحقا إلى الطائرات المقاتلة الحديثة وبرامج الفضاء.

يبقى 14 أكتوبر 1947، و26 ديسمبر 1948، تاريخين محفورين في ذاكرة السماء؛ لأنهما يمثلان اللحظة التي تعلّم فيها الإنسان أن الحاجز الأكبر قد يكون في المعرفة والإرادة قبل أن يكون في الهواء.

المصدر: RT



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *