ولا تزال استطلاعات الرأي ترسم صورا متباينة بشأن فرص المعسكر الحاكم في إسرائيل للاحتفاظ بالسلطة. ولا يقتصر التحدي على حجم التراجع المحتمل لحزب الليكود، بل يمتد إلى قدرة أي من المعسكرين على جمع 61 مقعدا من أصل 120، وهي العتبة اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بأغلبية برلمانية.
وتكشف مقارنة الاستطلاعات المنشورة في وسائل الإعلام الإسرائيلية عن فجوة واضحة بين التقديرات، خصوصا بين القنوات التلفزيونية. ففي حين تمنح استطلاعات القناتين 12 و13 وبعض المنابر الأخرى أفضلية عددية لمنافسي نتنياهو أو تضع معسكره دون الأغلبية، تقدم القناة 14 صورة أكثر ملاءمة لرئيس الوزراء، تصل فيها تقديرات معسكره إلى أغلبية برلمانية. وهذا التباين يجعل الحديث عن حسم الانتخابات مبكرا، ويضع قدرة الأحزاب على تشكيل التحالفات في قلب المعركة.
استطلاعات متباينة ومعركة على الأغلبية
أظهر استطلاع القناة 12، المنشور في 5 أكتوبر، أن حزب “يشار” بقيادة آيزنكوت يتصدر المشهد بـ23 مقعدا، مقابل 21 مقعدا لليكود. وأشار الاستطلاع إلى تقدم معسكر المعارضة، بالتوازي مع استمرار التنافس على أصوات الأحزاب الصغيرة التي قد لا تتجاوز نسبة الحسم.
وفي استطلاع القناة 13 المنشور في 7 أكتوبر، تعادل آيزنكوت ونتنياهو تقريبا في صدارة المنافسة الحزبية، مع استمرار الانقسام بين المعسكرين. كما أظهرت نتائج الاستطلاع أن آيزنكوت يتقدم على نتنياهو في سؤال تفضيل رئيس الحكومة، بنسبة 44% مقابل 40%، بما يشير إلى أن التنافس على رئاسة الحكومة لا يتطابق بالضرورة مع ترتيب الأحزاب في توزيع المقاعد.
في المقابل، قدمت القناة 14، في استطلاعها المنشور في 7 أكتوبر، صورة مختلفة لتوزيع المقاعد؛ إذ حصل الليكود على 31 مقعدا، مقابل 23 لحزب “يشار”، وبلغ مجموع معسكر اليمين 63 مقعدا، بما يسمح له نظريا بتشكيل حكومة. لكن الاستطلاع نفسه أظهر تقلص الفارق بين نتنياهو وآيزنكوت في سؤال المنافسة المباشرة على رئاسة الحكومة، إلى 52% مقابل 48%، بعد أن كان الفارق أكبر في استطلاعات سابقة للقناة.
وتؤكد هذه النتائج أن الخلاف بين مؤسسات استطلاع الرأي ليس تفصيلا إحصائيا، بل عامل أساسي في قراءة المشهد. فالفارق بين تقدير معسكر اليمين بـ63 مقعدا وبين تقديرات أخرى تضعه دون الأغلبية يغير طبيعة السيناريوهات المطروحة، من حكومة يمينية جديدة إلى مفاوضات ائتلافية معقدة.
ولا تعني صدارة حزب في استطلاع ما أنه يمتلك تلقائيا القدرة على تشكيل الحكومة. فالنظام الانتخابي الإسرائيلي يقوم على التمثيل النسبي، وتوزع المقاعد على القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25%، ثم تبدأ المفاوضات لتجميع أغلبية برلمانية. ولذلك قد يتقدم حزب “يشار” على الليكود من دون أن يتمكن معسكره من تشكيل حكومة، كما قد يحتفظ الليكود بصدارة حزبية من دون امتلاك شركاء كافين لضمان الأغلبية.
آيزنكوت يتقدم بصفته بديلا لكنه ليس مضمونا
يمثل صعود آيزنكوت أحد أبرز ملامح الانتخابات الحالية. فهو رئيس أركان سابق، يحاول تقديم نفسه بوصفه بديلا قادرا على الجمع بين الخبرة الأمنية والتغيير السياسي، مستفيدا من الجدل المستمر بشأن مسؤولية القيادة الإسرائيلية عن هزيمة 7 أكتوبر 2023.
لكن التحدي أمامه يتجاوز زيادة مقاعد “يشار”. إذ يحتاج إلى بناء ائتلاف يجمع أحزابا تختلف في توجهاتها السياسية والاجتماعية، بما في ذلك قوى من اليمين المعارض ووسط الطيف السياسي واليسار. وقد تتفق هذه الأحزاب على ضرورة إنهاء حكم نتنياهو، لكنها لا تتبنى بالضرورة برنامجا موحدا بشأن القضايا الفلسطينية، أو العلاقة مع الأحزاب العربية، أو سياسات الأمن والدين والدولة.
وتبرز في هذا السياق المنافسة مع نفتالي بينيت، الذي يقود حزب “معا”، ومع أفيغدور ليبرمان ويائير غولان. فكل من هذه القوى يسعى إلى تثبيت موقعه في أي ائتلاف مقبل، ما يعني أن نجاح المعارضة في تقليص مقاعد الليكود لن يكون كافيا وحده؛ إذ ينبغي أن تتفق مكوناتها على هوية رئيس الحكومة المقبل وعلى توزيع الحقائب والسياسات الأساسية.
وتظهر استطلاعات القناة 13 أن آيزنكوت يمتلك فرصة تنافسية في سؤال تفضيل رئيس الحكومة، لكن هذه الأفضلية لا تزال موضع اختبار أمام قدرة نتنياهو على استعادة الناخبين الذين ابتعدوا عنه، واستثمار موقعه الحالي في إدارة الملفات الأمنية والدبلوماسية.
هزيمة 7 أكتوبر في قلب المعركة الانتخابية
بعد ثلاثة أعوام على هزيمة إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، لا يزال تقييم الإخفاق الأمني من أهم الملفات التي تحدد اتجاهات الناخبين. وقد أظهر استطلاع القناة 12 المنشور في 5 أكتوبر أن غالبية المشاركين تحمل نتنياهو قدرا كبيرا من المسؤولية عن الإخفاق، فيما أظهر استطلاع القناة 13 في 7 أكتوبر أن 63% من المستطلعين يعتقدون أن حادثا من هذا النوع يمكن أن يتكرر، مقابل 20% لا يعتقدون ذلك.
كما أفاد استطلاع القناة 13 بأن 54% يؤيدون تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر، على أن يعين رئيس المحكمة العليا أعضاءها، مقابل 33% يؤيدون لجنة سياسية يختارها الكنيست. وتضع هذه الأرقام ملف المساءلة في صلب النقاش الانتخابي، وتكشف عن خلاف لا يتعلق فقط بمن يتحمل المسؤولية، بل أيضاً بالجهة التي ينبغي أن تحقق فيها وبمدى استقلالها عن الحكومة.
في المقابل، لا يزال نتنياهو يستند إلى قاعدة انتخابية ترى أن الخبرة السياسية والأمنية والاستمرارية عوامل مهمة في ظل التوترات الإقليمية. وتظهر استطلاعات القناة 14 أن رئيس الوزراء يحتفظ بقدرة تنافسية واضحة، رغم تقلص الفارق مع آيزنكوت في بعض الأسئلة. كما يواصل معسكره تقديم الانتخابات باعتبارها مواجهة بين اليمين وخصومه، مع التركيز على القضايا الأمنية وعلى ما يصفه بمخاطر البدائل السياسية المطروحة.
ويعني ذلك أن الانتخابات لن تكون استفتاء على أداء الحكومة السابق فحسب، بل ستكون أيضا منافسة بين روايتين: الأولى تربط التغيير السياسي بإعادة تقييم الإخفاقات الأمنية ومحاسبة المسؤولين عنها، والثانية تؤكد أهمية الاستمرارية والخبرة في إدارة التحديات الإقليمية.
الأحزاب العربية: بيضة قبان لا تساوي تلقائيا شراكة حكومية
تمثل القوائم العربية عاملا مؤثرا في حسابات المقاعد، حيث توصف تاريخيا بـ”بيضة القبان”. وتشير استطلاعات حديثة إلى إمكانية حصولها مجتمعة على نحو 12 مقعدا، مع اختلاف النتائج بين القوائم والاستطلاعات. لكن أهمية هذا العدد لا تعني أن المقاعد العربية ستضاف تلقائيا إلى رصيد معسكر المعارضة.
فقدرة هذه الأحزاب على التأثير في تشكيل الحكومة ترتبط بمواقف القوى الصهيونية من التعاون معها، وبمدى استعداد الأحزاب العربية للمشاركة في دعم حكومة أو الاكتفاء بالتأثير من خارج الائتلاف. كما أن الانقسامات بين القوائم العربية، وطبيعة التحالفات الانتخابية، ونسبة المشاركة في التصويت داخل المجتمع العربي، يمكن أن تغير النتيجة النهائية.
ويجعل هذا الملف حسابات الأغلبية أكثر تعقيدا: فقد يتعذر على معسكر نتنياهو بلوغ 61 مقعدا، من دون أن يكون في مقدور منافسيه تشكيل حكومة بديلة. وبذلك قد تتحول الأحزاب العربية إلى عامل حاسم في منع أغلبية معينة، من دون أن تصبح بالضرورة جزءاً من الحكومة التي تخلفها.
الأحزاب الصغيرة ونسبة الحسم: مقاعد قليلة قد تغير النتيجة
تكتسب الأحزاب الصغيرة أهمية استثنائية في انتخابات متقاربة كهذه. فالقائمة التي تتجاوز نسبة الحسم يمكن أن تحصل على عدة مقاعد تؤثر في توزيع المقاعد بين المعسكرات، في حين أن فشل قائمة قريبة من العتبة قد يؤدي إلى ضياع أصواتها من دون تمثيل برلماني.
وتبرز هنا مخاطر القوائم الجديدة أو الأحزاب التي تتأرجح استطلاعاتها قرب نسبة الحسم، فضلا عن تأثير التحالفات والاندماجات في فرص دخول الكنيست. وقد أظهر استطلاع القناة 12 المنشور في 5 أكتوبر تراجع حزب “عمخ يسرائيل” بقيادة عوفر فينتر إلى ما دون نسبة الحسم، بينما أشارت نتائج القناة 14 في 7 أكتوبر إلى بقائه دون العتبة أيضا رغم تحسن طفيف في مستوى التأييد.
وتكشف هذه المنافسة عن جانب آخر من الانتخابات: فالمعركة لا تدور فقط بين نتنياهو وآيزنكوت، بل أيضا بين الأحزاب التي تسعى إلى تأمين الحد الأدنى من التمثيل، لأن كل مقعد إضافي قد يؤثر في مفاوضات تشكيل الحكومة.
السيناريوهات المحتملة
تسمح المعطيات الحالية برصد ثلاثة مسارات رئيسية، من دون الجزم بأن أحدها بات الأقرب إلى التحقق.
أولا: بقاء نتنياهو في الحكم إذا اقترب معسكره من 61 مقعدا أو تجاوزها، كما في استطلاع القناة 14، فسيكون قادرا على بدء مفاوضات تشكيل حكومة جديدة مع حلفائه من اليمين والأحزاب الدينية. لكن هذا المسار سيظل مرتبطا بمدى تماسك الائتلاف وبقدرة مكوناته على تسوية خلافاتها بشأن توزيع المناصب والسياسات.
ثانيا: تشكيل حكومة بديلة بقيادة آيزنكوت أو شخصية أخرى من المعارضة، حيث يتطلب هذا السيناريو أن تتحول أفضلية بعض الاستطلاعات إلى أغلبية برلمانية فعلية، وأن تتفق الأحزاب المعارضة على مرشح لرئاسة الحكومة وعلى برنامج مشترك. وقد يشمل ذلك قوى من اليمين المعارض والوسط واليسار، لكن الخلاف بشأن الأحزاب العربية والقضايا الدينية والاجتماعية قد يعقد المفاوضات.
ثالثا: استمرار الاستعصاء السياسي إذا لم يحصل أي من المعسكرين على أغلبية قابلة للتشكيل، فقد تدخل إسرائيل في مفاوضات طويلة، أو تتجه إلى ترتيبات حكومية بديلة أو انتخابات جديدة إذا تعذر تشكيل حكومة مستقرة. ولا يعني غياب الأغلبية تلقائيا بقاء نتنياهو في منصبه لفترة غير محددة، إذ يتوقف المسار على الإجراءات الدستورية والسياسية التي تلي الانتخابات.
أما حكومة الوحدة، فتبقى احتمالا سياسيا إذا تعذر الاتفاق على ائتلاف تقليدي، لكنها تتطلب استعدادا متبادلا لتقديم تنازلات، خصوصا في ملفات التحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، وتوزيع الحقائب، والسياسات الأمنية والدينية.
إذن، تدخل إسرائيل الانتخابات المقبلة في ظل انقسام سياسي واضح، وتنافس لا تحسمه صدارة حزب بعينه. ويواجه نتنياهو اختبارا مزدوجا: الحفاظ على قاعدة اليمين، وإقناع الناخبين بقدرته على مواصلة القيادة بعد إخفاق 7 أكتوبر وتداعيات السنوات الثلاث اللاحقة. وفي المقابل، يتعين على آيزنكوت ومنافسيه إثبات أن الاعتراض على نتنياهو يمكن أن يتحول إلى أغلبية برلمانية متماسكة، لا مجرد تقدم في استطلاعات الرأي.
وحتى الآن، لا تتيح التباينات بين استطلاعات القنوات الإسرائيلية الجزم بهوية الفائز أو شكل الحكومة المقبلة. وستكون المؤشرات الأهم في الأيام الأخيرة هي اتجاهات الناخبين المترددين، ومصير الأحزاب القريبة من نسبة الحسم، وقدرة المعسكرين على تحويل المقاعد المتوقعة إلى تحالف قابل للحكم. وقد لا يكون السؤال الحاسم في 27 أكتوبر هو من يتصدر النتائج، بل من يستطيع جمع 61 مقعدا وتوفير أساس سياسي مستقر للحكومة المقبلة.
المصدر: القنوات الإسرائيلية 12 و13 و14 + يديعوت أحرنوت