أوسيب ماندلشتام.. خمسة أسباب للتعرف إلى شاعر تحدى ستالين وترك قصيدة خالدة


وُلد أوسيب ماندلشتام عام 1891 في وارسو لأسرة يهودية، ونشأ في بطرسبورغ، حيث تلقى تعليمه في مدرسة تينشيف المرموقة. ودرس لاحقا في السوربون بباريس وجامعة هايدلبرغ، قبل أن ينخرط في الحياة الأدبية الروسية ويصبح أحد أبرز شعراء مدرسة “الأكمية” إلى جانب آنا أخماتوفا ونيقولاي غوميليوف.

وعلى الرغم من أن شهرته لم تبلغ ذروتها في حياته، فإن ماندلشتام يُعد اليوم من أهم شعراء العصر الفضي ومن أبرز شعراء روسيا في القرن العشرين. وفيما يلي خمسة أسباب للتعرف إلى سيرته وشعره.

1. عاش في قلب العصر الفضي للشعر الروسي

انخرط ماندلشتام منذ شبابه في الأوساط الأدبية التي شهدت ازدهار الشعر الروسي في مطلع القرن العشرين. وكان من أبرز المنتمين إلى مدرسة “الأكمية”، التي ضمت أيضا أخماتوفا وغوميليوف، وابتعدت عن بعض السمات الغامضة والروحانية المفرطة في الرمزية الروسية، مع اهتمام واضح بالصورة الشعرية والدقة اللغوية.

صورة للشاعر الروسي أوسيب مانديلشتام من ملفات المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية / ملكية عامة

أظهر ماندلشتام اهتماما واسعا بالتراث الكلاسيكي وبالشعر الفرنسي، ولا سيما أعمال بول فيرلين وشارل بودلير وفرانسوا فيون. كما ارتبط بعلاقات أدبية وشخصية مع عدد من أبرز شعراء عصره، من بينهم أخماتوفا ومارينا تسفيتايفا.

وكانت حياته الأدبية مرتبطة بصورة وثيقة بالتحولات العاصفة التي شهدتها روسيا في العقود الأولى من القرن العشرين، قبل أن يتحول هو نفسه إلى أحد ضحايا القمع السياسي في الحقبة الستالينية.

2. كتب قصيدة صادمة ضد ستالين

في نوفمبر 1933، كتب ماندلشتام قصيدته الشهيرة التي تبدأ بالعبارة الروسية “نعيش دون أن نشعر بالوطن تحتنا”، وتُعرف أيضا باسم “قصيدة ستالين” أو “متسلق الكرملين”.

كانت القصيدة هجوما مباشرا على جوزيف ستالين، الذي تصفه بصورة ساخرة ومهينة، وتنتقد أجواء الخوف والقمع المحيطة بالسلطة. ومن أشهر صورها وصف ستالين بأنه “متسلق جبال الكرملين”، في إشارة إلى الزعيم السوفيتي.

لم تُنشر القصيدة في حياة الشاعر، وكان تداولها شفهيا بين عدد محدود من أصدقائه شديد الخطورة. وقد حذره بوريس باسترناك من عواقب تلاوتها، معتبرا أن كتابتها أو تداولها قد يقودان إلى كارثة.

اعتُقل ماندلشتام للمرة الأولى عام 1934، وأُرسل إلى المنفى، ثم استقر في فورونيج بين عامي 1935 و1937، حيث كتب عددا من أهم قصائده التي عُرفت لاحقا باسم “دفاتر فورونيج”.

أوسيب ماندلشتام.. خمسة أسباب للتعرف إلى شاعر تحدى ستالين وترك قصيدة خالدة
الشاعر الروسي أوسيب ماندلشتام وزوجته

/ Legion-Media

وأعيد اعتقاله في مايو 1938، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات في معسكرات العمل. وفي 27 ديسمبر من العام نفسه، توفي في معسكر عبور “فترُويا ريتشكا” قرب فلاديفوستوك في أقصى الشرق الروسي، ويرجح أنه مات بالحمى التيفية. ولم يُعرف مكان قبره على وجه الدقة.

أما قصيدة ستالين، فقد ظهرت للمرة الأولى في الطباعة الروسية في الغرب عام 1963، في مجلة “موستي” (الجسور) الصادرة في ميونيخ.

3. لم تبدأ شهرته الكبرى إلا بعد وفاته

كان ماندلشتام معروفا في الأوساط الأدبية خلال حياته، لكنه لم يكن يحتل المكانة التي يحظى بها اليوم. ووفقا للمؤرخ الأدبي أوليغ ليكمانوف، ظل شعراء مثل ألكسندر بلوك في موقع أكثر بروزا في المشهد الشعري الروسي آنذاك.

وبعد القمع الذي تعرض له، اختفى شعر ماندلشتام إلى حد كبير من المجال الأدبي السوفيتي، بينما ساعدت جهود زوجته ناديجدا ماندلشتام وأصدقائه في الحفاظ على أعماله.

وكانت ناديجدا تحفظ قصائد زوجها عن ظهر قلب عندما أصبح الاحتفاظ بالمخطوطات خطرا، وتساعد في نقلها وتداولها سرا. وبعد وفاة الشاعر، أصبحت مذكراتها مصدرا أساسيا لفهم حياته والوسط الأدبي الذي عاش فيه.

صدر الجزء الأول من مذكراتها عام 1970، ثم صدر الجزء الثاني عام 1974، وأسهم الكتابان في تعريف أجيال جديدة بحياة ماندلشتام وبعدد كبير من معاصريه.

وفي الاتحاد السوفيتي، بدأت أعماله تعود إلى النشر تدريجيا بعد سنوات من الحظر، وصدرت أول مجموعة كبيرة من شعره هناك عام 1973.

4.  شعره شديد الكثافة والتعقيد

لا تكمن أهمية ماندلشتام في قصائده السياسية وحدها. فشعره يقوم على شبكة واسعة من الإشارات إلى الأدب القديم والكتاب المقدس والتراث الأوروبي والشعر الروسي، ما يجعل قراءة بعض قصائده أقرب إلى فك شيفرة أدبية متعددة الطبقات.

وقد أدى الناقد واللغوي كيريل تارانوفسكي دورا مهما في تطوير دراسة “النصوص الضمنية” لدى ماندلشتام، أي البحث عن النصوص والأعمال السابقة التي تتردد أصداؤها داخل قصائده وتساعد على كشف معانيها.

ولهذا السبب، قد تبدو بعض قصائد ماندلشتام غامضة من القراءة الأولى، لكنها تفتح طبقات إضافية من المعنى عند مقارنتها ببوشكين، وشعراء العصور القديمة، والشعر الفرنسي وغيرهم.

وأسهم هذا التعقيد في جعل شعره موضوعا واسعا للدراسة الأكاديمية في روسيا وخارجها، وتحول ماندلشتام مع مرور الوقت من شاعر تعرض أعماله للقمع إلى أحد الأسماء الأساسية في دراسة الشعر الروسي الحديث.

5. كتب قصيدة حب وصفتها أخماتوفا بأنها الأفضل في القرن العشرين

في فبراير 1934، كتب ماندلشتام قصيدته “بارعة النظرات المذنبة / أو الخجلى”، وكانت موجهة إلى الشاعرة والمترجمة ماريا بتروفِيخ.

كانت علاقة ماندلشتام ببتروفيخ قصيرة وغير متبادلة، وفق ما كتبته آنا أخماتوفا لاحقا، وهي التي أطلقت على القصيدة اسم “التركية” في مذكراتها، ووصفتها بأنها “أفضل قصيدة حب في القرن العشرين”.

أوسيب ماندلشتام.. خمسة أسباب للتعرف إلى شاعر تحدى ستالين وترك قصيدة خالدة
موسكو، 1933-1934.من اليمين إلى اليسار: آنا أخماتوفا، أوسيب ماندلستام، ماريا بتروفيخ، والد أوسيب إميل، الزوجة ناديجدا والأخ ألكساندر.

/ Sputnik

وتكشف القصيدة عن جانب مختلف تماما من تجربة ماندلشتام، إذ تمتزج فيها الرغبة والحب والخوف من الموت بصور غريبة وكثيفة، من بينها الأسماك والبحر والمرأة ذات الملامح الشرقية.

ومن أشهر أبياتها في الترجمة العربية:

 “لا تغضبي، أيتها التركية العزيزة

سأُخاط معكِ في كيسٍ مغلق

وأبتلع كلماتكِ المظلمة

وأشرب من أجلكِ الماء العكر”

وفي ختام القصيدة يخاطب الشاعر ماريا مباشرة، فيربط الحب بالموت والنوم، في صورة تلخص جانبا أساسيا من شعره المتأخر: الجمال الذي يظهر دائما تقريبا إلى جوار الخطر والفناء.

وهكذا، لا تختصر تجربة ماندلشتام في قصيدته الشهيرة ضد ستالين؛ فالشاعر الذي واجه السلطة بالكلمة كان أيضا أحد أكثر شعراء العصر الفضي اهتماما بالتراث واللغة والذاكرة والحب والموت، وهو ما جعل إرثه يستمر بعد عقود طويلة من وفاته.

المصدر: Gateway to Russia



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *