أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على الشاشة

ففي 22 سبتمبر، استضافت قاعة سينما “خودوجيستفيني” في موسكو العرض الأول للمشروع الوثائقي المكوّن من أربعة أجزاء، والذي يروي قصص ناتاليا غونشاروفا، وليوبوف بوبوفا، وأولغا روزانوفا، وناديجدا أودالتسوفا، أربع فنانات تركن بصمات واضحة في تاريخ الطليعة الروسية في القرن العشرين.

ولا يقدم المسلسل سِيَرهنّ من زاوية أكاديمية تقليدية، بل يحاول الاقتراب من الفنانات بوصفهن صاحبات تجارب إنسانية وفنية متكاملة: طفولتهن، وعلاقاتهن، وخياراتهن الفنية، وشكوكهن، ونجاحاتهن وخيباتهن، وما رافق مسيرتهن من حب وزواج وأمومة وفقدان.

 أربع فنانات.. وأربع حكايات

تخصص كل حلقة لفنانة واحدة، بحيث تتحول سيرة كل منهن إلى حكاية مستقلة، فيما يجمع بينها عالم فني كان يشهد في بدايات القرن العشرين تغيرات جذرية.

ويشارك في المشروع المخرج وكاتب السيناريو غيورغي أفانيان، فيما تولى الباحث في الطليعة الروسية أندريه سارابيانوف الإشراف الفني. وأُنجز الإنتاج بالتعاون بين شركة بوكوف فاكتوري ومنصة ستارت، وبمشاركة مركز فينزافود للفن المعاصر.

وفي العرض الذي أقيم في موسكو، شاهد الجمهور الحلقتين الأوليين، المخصصتين لناتاليا غونشاروفا وأولغا روزانوفا. أما المشروع بأكمله فيتألف من أربع حلقات، مدة كل منها نحو 25 دقيقة.

 غونشاروفا.. الفن الذي حمل روسيا معها

كانت ناتاليا غونشاروفا أولى الشخصيات التي يقترب منها الفيلم. عاشت الفنانة عقودا طويلة في فرنسا، حيث واصلت العمل في الرسم وتصميم الكتب، كما تركت بصمة خاصة في عالم المسرح من خلال تصميم ديكورات وأزياء عروض فرقة سيرغي دياغيلف.

لكن الابتعاد عن روسيا لم يقطع الصلة بموطنها الأول. فقد ظلت صور الريف والحياة الشعبية والموضوعات الروسية حاضرة في أعمالها، إلى جانب مراحل أخرى مرت بها تجربتها الفنية.

ويشير الناقد والباحث في الطليعة الروسية أندريه سارابيانوف إلى أن تجربة غونشاروفا مرت بتحولات عديدة، من موضوعات الفلاحين إلى الموضوعات الدينية، قبل أن تنتقل إلى المسرح. ويرى أن إحدى أكثر مراحلها أهمية كانت الفترة التي عادت فيها إلى تصوير الحياة الريفية متأثرة بالفن الشعبي وبما عُرف بالفن البدائي الجديد.

وتظهر في هذا السياق أعمال مثل “الرقصة الدائرية” و”جزّ الصوف”، حيث تحضر تفاصيل الحياة الفلاحية الروسية لا بوصفها مشهدا من الماضي فحسب، بل مادة فنية أعادت غونشاروفا صياغتها بلغتها الخاصة.

لماذا “أمازونيات”؟

لم يأت وصف هؤلاء الفنانات بـ”أمازونيات” من صناع الفيلم أنفسهم. فقد أطلق الناقد والشاعر بينيديكت ليفشيتس، الذي عاصر عددا من رموز الحركة المستقبلية الروسية، هذا الوصف على مجموعة من الفنانات المرتبطات بالطليعة.

لكن سارابيانوف يرى مفارقة في التسمية؛ فهؤلاء النساء، بحسب وصفه، لم يكنّ شخصيات صدامية أو عدوانية كما قد توحي صورة الأمازون في المخيال التقليدي، بل كنّ في الغالب نساء هادئات ومتواضعات، حافظن في الوقت نفسه على استقلالهن الفني.

وكانت بعضهن متزوجات من فنانين بارزين، لكنهن لم يذُبن في ظلال أزواجهن. بل استطعن بناء مسارات فنية مستقلة، وفي بعض الحالات تفوقن عليهم في الحضور والابتكار، وفق قراءة سارابيانوف.

وهنا تكمن إحدى الأفكار الأساسية للمشروع: النظر إلى فنانات الطليعة ليس بوصفهن مجرد “زوجات لفنانين كبار” أو شخصيات ثانوية في تاريخ الحركة، وإنما باعتبارهن صاحبات تجارب فنية كاملة، ساهمت في تشكيل لغة الفن الجديد.

 حين تتحدث الفنانة بصوتها

استند صناع الفيلم إلى الرسائل والوثائق الأرشيفية والصور وذكريات المعاصرين، لكنهم لم يكتفوا بعرضها بالطريقة المعتادة في الأفلام الوثائقية.

اختار المخرج غيورغي أفانيان أسلوبا سرديا أقرب إلى اليوميات، تُروى فيه حياة كل فنانة بضمير المتكلم، بحيث يبدو الصوت وكأنه يأتي منها هي. وتساعد هذه الطريقة على نقل المشاهد من موقع المتفرج على تاريخ الفن إلى موقع أقرب إلى حياة الشخصيات نفسها.

ولهذا يتضمن الفيلم أيضا مشاهد تمثيلية تخدم البناء الدرامي، من دون أن يتخلى عن الوثائق والمصادر التاريخية التي تستند إليها الحكايات. والنتيجة ليست إعادة بناء أكاديمية باردة لحياة الفنانات، بل محاولة لاستعادة أصواتهن وحضورهن الإنساني خلف اللوحات والأسماء الشهيرة.

 مشروع بدأ قبل ثلاثين عاما

تعود فكرة المشروع إلى فترة أبعد مما يوحي به موعد إنتاجه الحالي. فقد قالت منتجة الفيلم سيتورا علييفا إن الفكرة ظهرت للمرة الأولى قبل نحو 30 عاما، خلال حديث خاص جمعها بالباحث أندريه سارابيانوف.

لكن الاهتمام المتجدد بالطليعة الروسية، وبالدور الذي أدته النساء في تطورها، أعاد الفكرة إلى الواجهة. ويرى صناع المشروع أن الاهتمام بهذه الفنانات لم يعد مقتصرا على الأوساط المتخصصة، بل أصبح جزءا من اهتمام أوسع بتاريخ الفن الروسي في القرن العشرين.

ويحاول المشروع، وفق منتجيه، الابتعاد عن التعامل مع الطليعة الروسية باعتبارها مجرد أسماء شهيرة أو لوحات باهظة الثمن، والتركيز بدلا من ذلك على قيمتها الفنية وعلى التجارب الإنسانية التي كانت وراء ظهور هذا الفن.

 جوائز قبل العرض في موسكو

وصلت “أمازونيات الطليعة الروسية” إلى موسكو بعد مشاركتها في عدد من المهرجانات المتخصصة وحصولها على جوائز، من بينها الجائزة الرئيسية لأفضل مسلسل ويب في مهرجان “بيويف لمسلسلات الويب” الدولي في الأرجنتين، وجائزة أفضل تصميم أزياء في مهرجان “أبوليا ويب فست” الإيطالي في سبتمبر2026.

كما حظي المشروع بتقدير في مهرجان “أوريجينال بلاس” للأفلام الوثائقية، حيث نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة، تقديرا لأسلوبه البصري والسردي الذي اختاره صناع العمل.

وكانت مشاركة المشروع في مهرجان “بيلوت” الروسي في يونيو الماضي محطة أخرى قبل وصوله إلى جمهور موسكو، حيث عرضت هناك الحلقة المخصصة لأولغا روزانوفا ضمن المسابقة الخاصة بالأعمال الوثائقية.

 الطليعة.. حين يصبح الفن حياة

لا يكتفي “أمازونيات الطليعة الروسية” بتذكير المشاهد بأسماء أربع فنانات، بل يحاول إعادة النظر في الصورة التي استقرت عن الطليعة الروسية نفسها.

فخلف التجارب الفنية الجريئة، كانت هناك نساء يعشن حياتهن وسط علاقات شخصية وتحولات اجتماعية وصراعات فنية، ويبحثن في الوقت نفسه عن لغتهن الخاصة. ومن خلال الرسائل والصور والوثائق، يحاول الفيلم الاقتراب من هذه المسافة بين العمل الفني وصاحبه، وبين اللوحة والحياة التي سبقتها.

ويبدأ عرض حلقات المسلسل على منصة ستارت في 30 سبتمبر، بعد عرضه الخاص في سينما “خودوجيستفيني” بموسكو.

المصدر: إيزفيستيا



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *