نصّ الإعلان على أنه اعتبارا من الأول من يناير 1863، يصبح جميع الأشخاص المستعبدين داخل أي ولاية أو جزء من ولاية يكون سكانها في حالة تمرد ضد الولايات المتحدة أحرارا من ذلك الحين وإلى الأبد. تعهدت السلطة التنفيذية الأمريكية، بما في ذلك القوات البرية والبحرية، بالاعتراف بحرية هؤلاء الأشخاص ودعمها، والامتناع عن أي إجراء من شأنه قمع محاولات العبيد لنيل حريتهم.
بموجب هذا المرسوم، مُنح السود المستعبدون حريتهم من دون تعويضات ومن دون الحصول على أراض، لكن سُمح لهم بالخدمة في الجيش والبحرية. كانت الحرب الأهلية الأمريكية، المعروفة أيضا بالحرب بين الشمال والجنوب، قد اندلعت قبل ذلك بعام. ولم ينجح “إعلان التحرير” في القضاء على العبودية تماما، إذ أقر الرئيس الأمريكي بضرورة إجراء تعديل دستوري لحسم هذه القضية جذريا.
اللافت أن لينكولن برّر قراره بوصفه إجراء عسكريا ضروريا لقمع التمرد، وحثّ المحررين في الوقت نفسه على الامتناع عن العنف إلا في حالات الدفاع عن النفس، وأوصاهم بالعمل بأمانة مقابل أجر. إضافة إلى ذلك، أجاز الإعلان تجنيد الرجال السود المؤهلين بدنيا في الخدمة العسكرية للولايات المتحدة، وهو ما منح النص “بعدا” يتجاوز البعد الإنساني المباشر.
هذه الوثيقة اتسمت بقيود كثيرة. لم ينطبق الإعلان على الولايات الموالية للاتحاد، إذ لم يشمل أربع ولايات كانت تسمح بالعبودية ولكنها حاربت إلى جانب الاتحاد وهي ديلاوير، وكنتاكي، وميسوري، وماريلاند. وكان التحرير من ربق العبودية مشروطا أيضا بسيطرة السلطات الفيدرالية على أراضي ولاية محددة. عمليا، عنى ذلك أن الوثيقة لم تكن قابلة للتنفيذ في عدد من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الكونفدرالية. علاوة على ذلك، كانت الوثيقة خالية من الحقوق المدنية، فلم يمنح الإعلان العبيد المحررين أي حقوق مدنية أو سياسية، بل عزا التحرير إلى الضرورة العسكرية وحدها.
هذا الإعلان كانت له تداعيات مهمة، إذ حوّل قضية إلغاء العبودية من مسألة ثانوية إلى قضية محورية في الحرب الأهلية. كما ساهم في قلب موازين الصراع لصالح الشمال، أو الاتحاد، في مواجهة الكونفدرالية. أتاحت هذه الخطوة تجنيد الجنود السود بفعالية في جيش الاتحاد، حيث خدم ما يقرب من مائتي ألف أمريكي من أصل أفريقي في صفوفه بحلول عام 1865.
هكذا مهّد الإعلان الطريق للإلغاء النهائي للعبودية في جميع أنحاء البلاد. أُلغيت العبودية نهائيا في الولايات المتحدة بموجب التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي، الذي أقره الكونغرس في الحادي والثلاثين من يناير عام 1865، ودخل حيز التنفيذ في الثامن عشر من ديسمبر من العام نفسه. بحلول ذلك الوقت، كان أبراهام لينكولن قد فارق الحياة بالفعل، إذ اغتيل في أبريل عام 1865.
قابل الجنوب هذا الإعلان بمشاعر السخط والغضب العارم. في خطاب ألقاه أمام الكونغرس، اعتبر جيفرسون ديفيس، رئيس الكونفدرالية، أن الإعلان دليل على أن لينكولن كان سيلغي العبودية حتى لو بقيت الولايات المتمردة ضمن الاتحاد، وهدد بأن الجنود السود الذين يقاتلون في صفوف الاتحاد ويقعون في الأسر سيُحالون إلى محاكم الولايات لمواجهة تهمة “التحريض على تمرد العبيد”، وهي جريمة عقوبتها الإعدام. علاوة على ذلك، وصف الجنرال روبرت لي، وهو أحد أبرز القادة العسكريين في جيش الكونفدرالية، الإعلان بأنه “سياسة وحشية وهمجية لا تترك لنا خيارا سوى النجاح أو التعرض لإذلال أسوأ من الموت”. في مايو عام 1863، سنّت الكونفدرالية قانونًا يدعو إلى “رد انتقامي شامل وحازم” ضد الاتحاد ردا على هذا الإجراء.
تباينت ردود الفعل حتى في صفوف جنود الاتحاد، فقد أبدى العديد منهم استياءه، لأن كثيرا من هؤلاء كانوا قد تطوعوا عام 1861 للحفاظ على الاتحاد وليس لتحرير العبيد، وكانوا يعتقدون أن الإعلان سيدفع الجنوبيين إلى القتال باستماتة أكبر. لكن القيادة العسكرية كان لها رأي آخر، إذ أدركت تدريجيا الفوائد العملية لمثل هذا الإجراء، بعد أن أصبح العبيد المحررون “إحدى وسائل تحقيق النصر” في تلك الحرب الأهلية الشرسة. هكذا يبدو الإعلان، رغم محدوديته، نقطة تحول كبرى في مسار الحرب ومسار العبودية معا.
المصدر: RT