تركتُ النافذةَ عارية،
لِلعصافير،
لِلمطر،
وللقطِّ الأسود
الذي كان يعدُّ البيتَ ملكًا له.
وتركتُ فنجانَ القهوة
على حافة الطاولة،
يخفتُ بخاره
مثل حديثٍ انطفأ
قبل أن يبلغَ نهايته.
كنتِ تضحكين،
فتختلُّ الملاعق،
ويغوصُ السكرُ في القاع
كَسِرٍّ صغير.
ذاتَ مساء
رأيتُ الساعةَ تراقبكِ؛
ومنذ رحيلكِ
وهي تؤجلُ عقاربها.
حين كنتِ تمرّين،
كانت الأشجارُ تنحني قليلًا،
ويقتربُ الحمامُ من الزجاج
دون خوف.
ثم مضيتِ،
بِحذرٍ يشبه الاعتذار،
كيلا توقظي الكراسي.
بعدكِ
صارت المرآةُ تشكُّ في وجهي،
والمعطفُ عند الباب
يشيخُ واقفًا.
وجدتُ وشاحكِ ذات صباح
فلمْ ألمسه؛
خشيتُ أن تخرجَ منه
رائحةُ غيابكِ.
وضعتُ كرسيًا فارغًا
إلى جواري،
لا انتظارًا لكِ،
بل كي لا تتسعَ الغرفة
أكثر.
وفي كتابٍ قديم
عثرتُ على وردةٍ يابسة.
لا أعرفُ من دسّها هناك؛
ربما أنتِ،
وربما الربيعُ
ترك قلبه بين الصفحات.
في الّليل
كان القمرُ وحده في المطبخ،
يشربُ الحليب
ويعدّد ما يخلّفه العُشاق:
مفتاحًا،
أغنيةً مبتورة،
ونصفَ حلمٍ
لا يجدُ سريرًا.
وفي الصباح
سمعتُ خطاكِ في الممَر،
فتوقفتُ عن التنفُّس.
كان الصوتُ للريح،
لكنني لم أعاتبها.
فتحتُ الخزانة،
وجدتُ ثوبًا لكِ
ما زال يحتفظُ بانحناءة الجسد،
كأن الغياب
لم يتعلّمْ بعدُ
كيف يمحو الأشياء.
على الرفِّ
كأسٌ لم ألمسْها،
وحيدةٌ منذ شهور،
تلمعُ كلما مرَّ الضوءُ بها،
كأنها تذكرتْ شفتيكِ.
حتى النباتاتُ
توقفتْ عن النمو؛
كانت تمدُّ أوراقها نحو الباب
ثم تعودُ خائبة.
وفي آخر النهار
جلستُ إلى الطاولة،
وكتبتُ اسمكِ على ورقة،
ثم تركتُ الحبرَ يجف.
حين عدتُ إليها
لم أجد اسمكِ،
وجدتُ بقعةً زرقاء
تشبه نافذةً
على شيءٍ لا أستطيعُ بلوغه.
أغلقتُ النافذةَ أخيرًا،
وتركتُ فيها شقًّا صغيرًا.
ليس انتظارًا لكِ؛
فقط
كي يجدَ الغيابُ
طريقَه إلى الخارج.