“موت الثقة” بين واشنطن وطهران.. صراع خفي يتجاوز الطاولة الدبلوماسية » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بغداد اليوم – خاص
تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها دائرة مغلقة من التفاهمات المتقطعة والانقطاعات المتكررة، حيث لا تكمن المعضلة الأساسية في غياب الاتفاقات، بل في غياب الثقة التي يمكن أن تمنح تلك الاتفاقات حياة أطول من عمر الإدارات السياسية، حيث أن كل خطوة تفاوضية جديدة تُولد محمّلة بذاكرة خطوات سابقة لم تكتمل أو انهارت في منتصف الطريق، ما جعل مسار التسويات أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاستقرار.

وفي ظل هذا الإرث المتراكم من الشكوك المتبادلة، يزداد الحديث عن صعوبة بناء اتفاقات طويلة الأمد، خاصة مع ارتباط الملفات النووية والعقوبات والأمن الإقليمي بحسابات داخلية وإقليمية ودولية متشابكة، تجعل من أي تفاهم جديد اختباراً حقيقياً لإرادة الطرفين قبل أن يكون مجرد نص سياسي على الورق، الخبير المختص في الشؤون الاستراتيجية جاسم الغرابي أوضح، اليوم الجمعة ( 5 حزيران 2026 )، أزمة الثقة بين الولايات المتحدة وإيران والتي أصبحت واحدة من أكبر العقبات أمام أي مسار تفاوضي جديد، مؤكداً أن الاتفاقات السابقة لم تفقد قيمتها القانونية والسياسية بالكامل، لكنها فقدت جزءاً مهماً من قدرتها على إنتاج الثقة المتبادلة نتيجة التجارب المتراكمة خلال السنوات الماضية.

وقال الغرابي، لـ”بغداد اليوم”، إن “انسحاب واشنطن من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني 2018 شكل نقطة تحول مفصلية في نظرة طهران إلى الالتزامات الأمريكية، إذ عزز قناعة لدى صناع القرار الإيراني بأن أي تفاهم قد يبقى رهينة للتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة وتبدل الإدارات الحاكمة، الأمر الذي يجعل الضمانات السياسية التقليدية أقل فاعلية من السابق”.

وبين أن “إيران تنظر حالياً إلى أي التزام أمريكي من زاوية الاستمرارية الزمنية وليس فقط من زاوية المضمون، ولذلك أصبحت أكثر حرصاً على البحث عن ضمانات عملية وقابلة للتنفيذ تضمن استدامة الاتفاقات بغض النظر عن نتائج الانتخابات الأمريكية أو التحولات الداخلية في واشنطن”.

وأضاف أن “أي اتفاق مستقبلي يحتاج إلى آليات أكثر صلابة، تشمل ترتيبات قانونية دولية واضحة، وجدولاً زمنياً متبادلاً لتنفيذ الالتزامات، وآليات للتحقق والرقابة، إضافة إلى إجراءات تجعل كلفة الانسحاب الأحادي مرتفعة سياسياً واقتصادياً على أي طرف يقرر التخلي عن التزاماته”.

وتابع أن “القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تستطيع لعب دور مهم في توفير الضمانات والمتابعة الفنية والسياسية، إلا أن قدرتها على فرض الالتزام تبقى محدودة ما لم تتوافر إرادة حقيقية لدى واشنطن وطهران للحفاظ على الاتفاقات وعدم توظيفها ضمن حسابات الصراع الداخلي أو التنافس الإقليمي”.

وأكد الغرابي أن “أزمة الثقة تنعكس بصورة مباشرة على ملفات البرنامج النووي والعقوبات والأمن الإقليمي، حيث تؤدي إلى إبطاء المفاوضات ورفع سقف المطالب المتبادلة، كما تجعل كل طرف أكثر حذراً في تقديم التنازلات خشية عدم حصوله على المقابل المتوقع أو فقدانه لاحقاً”.

وتابع قوله: إن “المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تبدو في المرحلة الحالية أقرب إلى أداة لإدارة الصراع واحتواء التوترات ومنع التصعيد، أكثر من كونها مساراً يقود إلى تسوية نهائية وشاملة، وذلك بسبب استمرار فجوة الثقة وارتباط العديد من الملفات بعوامل إقليمية ودولية معقدة تتجاوز الملف النووي وحده”.

يشار الى أن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران شهدت تحولات حادة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، وهو ما عمّق فجوة الثقة بين الجانبين وأدى إلى إعادة صياغة مقاربة كل طرف تجاه التفاوض، فبينما ترى واشنطن أن الضغوط والعقوبات أدوات لإعادة التوازن، تعتبر طهران أن الالتزامات الدولية أصبحت أقل استقراراً مع تغيّر الإدارات الأمريكية.

هذا التباين في الرؤية انعكس بشكل مباشر على مسار المفاوضات، التي باتت تدور في إطار إدارة التوتر أكثر من السعي إلى تسوية شاملة، في ظل تشابك الملفات النووية والأمنية والإقليمية، ودخول أطراف دولية متعددة على خط التأثير في مسار العلاقة بين الطرفين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *