قصة “هروب” قطار من سائقه!


قبل ربع قرن، تابعت أمريكا بأسرها بقلق وترقب بالغين مشهد قاطرة الديزل الجامحة رقم “CSX 8888″، التي كانت تحمل على متن عرباتها مواد كيميائية سامة.

اندفعت القاطرة على القضبان بسرعة كبيرة من دون سائق، وأسفر خروجها عن مسارها عن تسرب أكثر من عشرة آلاف لتر من مادة الفينول، ما أسفر عن كارثة بيئية خطيرة.

تألف القطار “المجنون” من سبع وأربعين عربة شحن، منها خمس وعشرون عربة فارغة، واثنتان وعشرون عربة محملة بالكامل. كانت اثنتان من عربات الصهاريج محملتين بالفينول المنصهر، وهي مادة كيميائية شديدة السمية تدخل في صناعة البلاستيك، والإيبوكسي والأدوية.

في الحادية عشرة والنصف من صباح ذلك اليوم، كُلف مهندس ومساعده بنقل قطار الشحن هذا من مسار إلى آخر. جرى ربط القاطرة بالعربات، لكن دون الامتثال لجميع القواعد المتبعة، وكان الخطأ الأول بشريا بطبيعته. عند الربط، لم تُثبت خراطيم خط الفرامل بإحكام. ثم حدث خطأ ثان فيما كان المساعدان يضبطان مفاتيح التحويل ويعطيان المهندس التعليمات عبر جهاز اللاسلكي. هكذا بدأ القطار بالتحرك، لكن المهندس انقطع عن الاتصال في اللحظة الحاسمة، إذا غادر كابينة القيادة إلى خارج القطار ليضبط مفتاح التحويل يدويا، والذي كان في وضع خاطئ.

كان من المفترض، وفق اللوائح، ألا يغادر المهندس القطار، لكنه نزل لضبط المفتاح المسؤول عن التحويل، ما يعني أن الأنظمة لم تُطبق فعليا. كان هناك موظفو الإرسال، والمحصلون، ومجموعة كبيرة من الأشخاص المفترض أن يضمنوا سير الأمور بسلاسة، لكن في تلك اللحظة الحرجة لم يكن هناك من يساعد المهندس. لم تكن المسافة كافية لإيقاف القطار، وكانت القضبان مبتلة من المطر، لذلك قرر المهندس ألا ينتظر المكابح، ونزل من القطار أثناء سيره على أمل أن يتمكن من الصعود إليه لاحقا بعد إكمال المهمة. كانت سرعة القطار حينها ثلاثة عشر كيلومترا في الساعة.

كان المهندس قد ضغط على المكابح مسبقا، إلا أن النظام لم يتح له الوقت الكافي لتفعيلها، فبدلا من التوقف، بدأ القطار في زيادة سرعته. أدرك السائق خطورة الموقف وحاول اللحاق بالقطار “الهارب”، ونجح في التعلق به، لكنه جُرّ لمسافة أربعة وعشرين مترا ثم سقط، بينما واصل القطار المحمل بالمواد الكيميائية سيره مكتسبا سرعة أكبر بلغت اثنين وثمانين كيلومترا في الساعة.

بلغ الأمر حد أن عمال المحطة أسرعوا بسيارة خلف القطار الجامح على أمل القفز إلى كابينة القيادة، لكن القطار تسارع إلى ثلاثين كيلومترا في الساعة ولم يفلحوا في كبحه.

الأدهى أن محاولة إخراج القطار عن مساره باستخدام جهاز محمول باءت بالفشل، إذ قذفت قوة القطار بالجهاز خارج القضبان. كما فشلت محاولة الشرطة إيقاف القاطرة بفتح صمام خاص بهدف إفراغ خزانات الوقود.

من محاسن الصدف، أن قطارا آخر من الطراز نفسه كان يسير في الاتجاه المعاكس، يقوده مهندس خبير يدعى جيسي نولتون ومساعده تيري فورسون. أوحى هذا القطار بفكرة محفوفة بالمخاطر: جرى فصل قاطرته عن العربات، وتحويل مساره إلى الاتجاه الصحيح عند خط جانبي، ثم انتظروا. ما إن مرّ القطار الجامح حتى انطلقت القاطرة خلفه، وبعد فترة لحقت به بسرعة تجاوزت ثمانين كيلومترا في الساعة، وارتبطت بالعربة الأخيرة.

عندها بدأ المهندس بالضغط على المكابح بحذر، فانخفضت السرعة إلى ثمانية عشر كيلومترا في الساعة. كان المشرفون على الخطة ينتظرون المساعدة عند معبر آخر، حيث قفز مهندس آخر اسمه جاك هوسفيلد إلى قاطرة القطار الجامح وتمكن من فصل نظام الجر. في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، توقف القطار الجامح أخيرا بعد أن قطع أكثر من مائة كيلومتر في ساعتين فقط.

تبين أن الحادث نجم عن سلسلة من الأخطاء الفادحة: فبينما كان المهندس يحاول تشغيل المكابح الديناميكية للقاطرة، قام عن غير قصد بضبط دواسة الوقود على أقصى قوة. جرى أيضا تشغيل مكابح القطار المستقلة، لكنها لم تكن كافية لإيقافه، حيث كانت مكابح الهواء في عربات الشحن مفصولة. أدى اجتماع هذه الأخطاء الإجرائية إلى تعطيل ميزات السلامة مثل “جهاز الإنذار”.

سُجِّلت هذه الحادثة المثيرة والخطيرة في تاريخ السكك الحديدية الأمريكية باسم “المجانين الثمانية”، وأعيد تمثيل مغامرة القطار الجامح لاحقا عام 2010 في فيلم بعنوان “خارج عن السيطرة”.

المصدر: RT



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *