في السادس عشر من فبراير عام 1976، خرجت أول شاحنة من خط التجميع في مصنع “كاماز” للسيارات، ليكون ذلك إيذانا بميلاد عملاق صناعي روسي.
كانت تلك الشاحنة، المبنية على النموذج “ZIL-170″، أول مركبة إنتاجية تحمل اسم ” كاماز-5320″، وهي اليوم تستريح في قاعة أحد المتاحف كشاهد صامت على عقود من الابتكار والعمل الدؤوب. لم تكن تلك البداية مجرد حدث عابر في تاريخ الصناعة، بل شرارة انطلقت منها مسيرة حافلة بالإنجازات، أثمرت عن إنتاج أكثر من مليوني شاحنة، فرضت نفسها بقوة في الأسواق الروسية والعالمية، كما خطت اسمها بأحرف ساطعة على حلبات سباقات الرالي الدولية، لا سيما في “رالي داكار”، حيث توجت باللقب تسع عشرة مرة حتى عام 2022، متجاوزة كل المنافسين.
اليوم، تنتج كاماز تشكيلة واسعة من المركبات التجارية والخاصة، تشمل الشاحنات المسطحة، وشاحنات الجر، والقلابات، إلى جانب مركبات متخصصة كالرافعات، وكاسحات الثلوج، وشاحنات جمع القمامة، والمقطورات نصفية. غير أن الطموح لا يتوقف عند حدود المركبات التقليدية، فقد انخرطت الشركة بجدية في تطوير شاحنات ذاتية القيادة تُنتج بكميات كبيرة، لتواكب بذلك ثورة النقل الذكي عالميا. في عام 2017، حققت كاماز إنجازا لافتا بوصفها أول شركة صناعية روسية تطلق إنتاجا تسلسليا للحافلات الكهربائية، التي سرعان ما أصبحت مشهدا مألوفا في شوارع موسكو وعدد من المدن الروسية الأخرى، في خطوة تعكس الالتزام بالاستدامة والتحول نحو الطاقة النظيفة.
على الصعيد التكنولوجي، شهد تاريخ كاماز تطورا مطردا يعكس قدرتها على التجديد ومواكبة المتغيرات. في عام 1981، دُشنت المرحلة الثانية من المصنع، حيث خرجت النسخة العسكرية من شاحنة “كاماز-4310″، إلى جانب الشاحنتين القلابتين ” كاماز-55112 و55115″.
مع أواخر الثمانينيات، بدأت مرحلة جديدة مع الجيل الثاني من الشاحنات التي زُودت بمحركات توربوديزل وكبائن محسّنة، ثم جاء العقد الأول من الألفية ليشهد ظهور طرازات بمحركات تعمل بالبنزين. أما العقد الثاني من الألفية، فكان محطة فارقة بامتياز، إذ قدمت كاماز كبائن معاد تصميمها، ودخلت في شراكة استراتيجية مع شركة دايملر لإنتاج شاحنة “كاماز 5490″، التي مثلت نقلة نوعية على مستوى الأداء والتصميم.

لم تتوقف الشركة عن مواصلة التطوير، ففي عام 2019، دخلت مرحلة جديدة كليا مع الإنتاج التسلسلي لشاحنة “كاماز 54901” من الجيل الخامس K5، وهي شاحنة أعيد تصميمها بالكامل، بدءا من هيكلها ومحركها وصولا إلى أنظمتها الإلكترونية، وبيئة العمل، والحلول الرقمية المتكاملة. لمواكبة هذه القفزة النوعية، شُيد في مدينة “نابريجني تشلني” في تترستان، مصنع حديث لهياكل الكبائن يعتمد تقنيات دايملر، وباستثمارات ضخمة من “كاماز”، ليكون منشأة إنتاجية آلية تجمع بين الكفاءة والابتكار.
تميز كاماز لا يقوم فقط على إنجازاتها التكنولوجية والصناعية، بل يمتد إلى إرث ريادي فريد تجسده مشاركات فريق “كاماز ماستر” في سباقات الرالي الدولية، حيث استطاع الفريق أن يحوّل شاحنات الإنتاج العادية إلى وحوش سباق لا تُقهر. في عام 1996، حقق الفريق أول انتصار له في “رالي داكار”، الذي كان يُعرف آنذاك بـ”رالي باريس-داكار”، ومنذ ذلك التاريخ توالت الانتصارات ليصل رصيده إلى تسعة عشر فوزا، وهو رقم قياسي لم تحققه أي علامة تجارية أخرى في فئة الشاحنات. لم تقتصر إنجازات الفريق على داكار، بل امتدت إلى رالي طريق الحرير الدولي، حيث توج بالمركز الأول عشر مرات، إضافة إلى تصدره بطولة روسيا للراليات بانتظام.

ما يميز فريق “كاماز ماستر” أيضا هو اعتماده على تصميم وتطوير شاحنات السباق داخليا، دون الاستعانة بمصادر خارجية. في أوائل التسعينيات، صمم الفريق شاحنتي “كاماز 49250” و”كاماز 49251″، اللتين قادتا الفريق في أولى مشاركاته الاحترافية. في عام 1994، كشف الفريق عن شاحنة “كاماز 49252″، التي شكلت ثورة حقيقية في عالم سباقات الشاحنات، إذ زودت بمحرك وسطي بقوة 750 حصانا، وعجلات ضخمة بقياس 25 بوصة، لتجمع بين السرعة الفائقة والقدرة الاستثنائية على التحمل في أصعب التضاريس.
في خضم هذا الزخم التكنولوجي والرياضي، تبقى الشاحنة الأولى “كاماز-5320” حاضرة في الذاكرة كأيقونة ورمز. تقف هذه المركبة اليوم في متحف الشركة، وقد قضت معظم حياتها متنقلة بين المعارض، إذ لم تُستخدم في العمل الميداني سوى مرة واحدة، وتحديدا في موسم حصاد الحبوب. لم يمر الزمن عليها بسهولة، فقد ظهر الصدأ على سطح كابينتها الأصلية وتآكل مظهرها، ما استدعى استبدالها بأخرى مختلفة عن التصميم الأولي، لتبقى الهوية الأصلية حاضرة في الهيكل والروح لا في التفاصيل.
اللافت أن أفراد الطاقم الذين قادوا هذه الشاحنة في رحلتها الأولى ما زالوا على قيد الحياة، أما الأشخاص الذين التُقطت لهم صور داخل كابينتها في تلك الأيام الأولى، فقد تجاوزوا الخامسة والسبعين من العمر، ليشكلوا بذلك جسرا بشريا نادرا بين ماضٍ صناعي عريق وحاضر يتجدد بلا توقف.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
“مرحبا بالغريب”!
شهد شهر فبراير عام 1869، اكتشاف أكبر كتلة ذهبية صلبة في العالم في ولاية فيكتوريا الأسترالية، سُميت في وقت لاحق “أهلا بالغريب”.
هل أصل “البيتزا” فرعوني؟
في 9 فبراير من كل عام، تحتفل مطاعم متخصصة في عدد من البلدان بيوم البيتزا، ذلك الطبق العالمي الذي يجمع بين البساطة والطعم اللذيذ، ويحمل في تاريخه رحلة ابتكار إلى القمة.
خطوط جوية على أجنحة الحرب!
في الخامس من فبراير من عام 1919، شهد عالم النقل تحولا تاريخيا بافتتاح أول شركة طيران ركاب منتظمة في العالم على الأراضي الألمانية.
تأبين نهر ميت في أوروبا!
في ليلة 30 يناير عام 2000، شهدت بلدة بايا ماري الرومانية كارثة بيئية هائلة. أطلق مصنع حوالي مائة ألف متر مكعب من محاليل السيانيد السامة في رافد نهر سومش، يصب في نهر تيسا.