احتفل مسرح “البولشوي” الروسي في 28 مارس بمرور 250 عاما على تأسيسه. وعلى مدار قرنين ونصف، صمد هذا الصرح العريق في وجه أربعة حرائق كبرى، وعاصر تحولات سياسية عاصفة من حكم القياصرة إلى عهد البلاشفة، ليغدو المسرح الأبرز في البلاد، وحلما يراود الجميع، حتى أولئك البعيدين عن عالم الأوبرا والباليه الأكاديمي.
قدّم “البولشوي” عبر تاريخه أكثر من 800 عرض، تحول بعضها إلى أحداث وطنية فارقة. وعلى خشبته الأسطورية، صدحت حناجر كبار المغنين، وتمايلت قامات باليه عالمية، فقائمة الأسماء اللامعة التي صنعت مجده لا تكاد تُحصى.
ويُؤرخ ليوم 28 مارس 1776 كفجر ميلاد مسرح البولشوي، حين نال الأمير بيوتر أوروسوف، المدعي العام الإقليمي آنذاك، امتيازا من الإمبراطورة “كاترين الثانية” لإقامة وإدارة العروض المسرحية والحفلات الموسيقية والتنكرية. نجحت فرقة الأمير الصغيرة في أسر قلوب الجمهور، ما منحه الحق الحصري في إدارة كافة الفعاليات الترفيهية في العاصمة، وكان ذلك قبل 98 يوما من إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية.

/ Legion-Media
بعد ستة أشهر فقط من نيل الامتياز الإمبراطوري، شيّد الأمير مبنى خشبيا لـ “مسرح بيتروفسكي” على ضفاف نهر نيغلينكا، لكن النيران التهمته قبيل افتتاحه. ولأن المشروع تطلب استثمارات ضخمة، استعان “أوروسوف” بشريك بريطاني شغوف بالثقافة الروسية يدعى “مادوكس”، منظم حفلات وراقص باليه محترف. بلغت تكلفة البناء حينها 130 ألف روبل فضي، ليفتح المسرح الجديد المكوّن من ثلاثة طوابق من الطوب أبوابه للجمهور في ديسمبر 1780. لاحقا، وبسبب عثرات مالية، اضطر مادوكس لتسليم الإدارة للدولة، ليتحول الصرح إلى “المسرح الإمبراطوري”، قبل أن يحترق مبناه مجددا عام 1805.
ولعقود طويلة، تنقلت عروض الفرقة بين دور النبلاء في موسكو، حتى عام 1808 حين شُيد مبنى جديد في شارع “أربات” بتصميم المهندس “كارل إيفانوفيتش روسي”، لكنه لم يسلم بدوره من حريق عام 1812 الشهير. وبعد عشر سنوات من الدمار، بدأت أعمال الترميم لتنتهي عام 1825، إلا أن لعنة الحرائق لاحقت المبنى مجددا عام 1853، ولم تترك منه سوى الجدران الخارجية. استغرقت ملحمة إعادة الإحياء ثلاث سنوات تحت إشراف كبير مهندسي المسارح الإمبراطورية، ألبرت كافوس، الذي زاد من ارتفاع المبنى وأضاف الأعمدة الشامخة عند المدخل، يتوجها الرواق البرونزي الشهير لعربة “أبولو” من إبداع النحات “بيتر كلودت”.

/ Legion-Media
في أوائل ستينيات القرن التاسع عشر، استأجرت فرقة أوبرا إيطالية مسرح “البولشوي”، حيث كان الإيطاليون يقدمون عروضهم عدة مرات أسبوعيا، مخصصين يوما واحدا فقط للعروض الروسية. وعلى الرغم من أن هذه المنافسة دفعت المغنين الروس لصقل مهاراتهم وتطوير أدواتهم، إلا أن إهمال الإدارة للقدرات الفنية الوطنية أعاق انتشار الفن الروسي آنذاك. وبعد عدة سنوات، خضعت الإدارة لرغبة الجمهور وأعادت تقديم أوبرا “روسلان وليودميلا” و”روسالكا”. وفي عام 1869، شهد المسرح إنتاج أوبرا “فويفودا”، وهي أولى أوبرات الموسيقار بيتر تشايكوفسكي، الذي غدا البولشوي مسرحه الاحترافي الأول ومنطلقه الرئيسي.

خضع المسرح عام 1895 لعملية تجديد شاملة، تُوّجت بتقديم عروض خالدة مثل أوبرا “بوريس غودونوف” لـ موسورجسكي، وأوبرا “عذراء بسكوف” لـ ريمسكي كورساكوف، والتي جسد فيها الأسطورة فيودور شاليابين دور “إيفان الرهيب”.
ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، رسخ البولشوي مكانته كأحد أهم مراكز الثقافة المسرحية والموسيقية في العالم؛ إذ ضمّت قائمة عروضه أروع الأعمال العالمية مثل “فالكيري” و”تانهويزر” و”لا بوهيم”، جنبا إلى جنب أيقونات الأوبرا الروسية مثل “سادكو”، “الديك الذهبي”، “الضيف الحجري”، و”أسطورة مدينة كيتيج الخفية”.

/ Legion-Media
وقد أضفى كبار المغنين الروس، وفي مقدمتهم شاليابين وسوبينوف ونيجدانوفا، رونقا استثنائيا على خشبة المسرح، بينما أبدع فنانون مرموقون مثل فاسنيتسوف وكوروفين وجولوفين في تصميم الديكورات التي أبهرت العالم بجمالياتها.
نجح مسرح “البولشوي” في الحفاظ على كامل فرقته الفنية خلال اضطرابات الثورة والحرب الأهلية، وشهدت عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين بزوغ فجر الأوبرا السوفيتية، حيث عُرضت على خشبته روائع “شوستاكوفيتش” لأول مرة. وخلال سنوات الحرب الوطنية العظمى، نُقل جزء من الفرقة إلى مدينة “كويبيشيف”، حيث استمر العطاء الفني بإنتاج عروض جديدة رغم ظروف الحرب.
تميزت حقبة ما بعد الحرب بعروض استثنائية بتوقيع المخرج يوري غريغوروفيتش، والتي شكلت أحداثا ثقافية دوت أصداؤها عالميا، لا سيما عند تقديم فرقة الباليه عروضها في لندن عام 1956، مما أثار ضجة فنية عالمية جعلت من “باليه البولشوي” ضيفا فوق العادة في أرقى مسارح العالم.

/ Legion-Media
وفي العصر الحديث، خضع المسرح بين عامي 2005 و2011 لعملية ترميم شاملة، أعادت الألق لديكوراته التاريخية الأسطورية مع تزويده بأحدث التقنيات العالمية. واليوم، يواصل البولشوي كتابة تاريخه الحديث بقيادة المايسترو المتميز فاليري غيرغييف. وإذا كان المسرح في القرن التاسع عشر قد تقاسم خشبته مع الإيطاليين، فإنه اليوم يفتح أبوابه لإبداعات “مسرح مارينسكي”، في مشهد يستحضر حقبة الإدارة الإمبراطورية الموحدة للمسارح.
ومن المقرر انطلاق الاحتفالات الكبرى بالذكرى الـ 250 لتأسيس المسرح في ديسمبر المقبل، ويُنتظر أن يكون الحفل الموسيقي الضخم ذروة هذه الاحتفالات. كما سيُقام معرض يضم مقتنيات فريدة، تشمل ألبوم المهندس ألبرت كافوس الذي وثق ترميم المسرح، وعصا المايسترو بيتر إليتش تشايكوفسكي.
وتزامنا مع هذه المناسبة، سيصدر مؤلف “موسوعة مسرح البولشوي الروسي” في ثلاثة مجلدات: يخصص الأول للإدارة وقادة الأوركسترا والجوقات والمصممين، والثاني للأوبرا ونجومها، بينما يركز الثالث على عالم الباليه وأساطيره.
المصدر: روسيسكا غازيتا