مخاض جنيف 2026.. العراق والشرق الأوسط بين أنياب الحشود وحبال الدبلوماسية » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

فينوس بابان – كاتبة وباحثة سياسية

طبول الحرب في جنيف

لم يسبق للشرق الأوسط أن عاش لحظة حبس أنفاس كما يعيشها اليوم 16 فبراير 2026. المشهد منقسم إلى واقعين متناقضين مياه الخليج وبحر العرب تغلي بحشود حاملات الطائرات الأمريكية (يو إس إس جيرالد فورد وأبراهام لينكولن) التي ترسم طوقاً نيرانياً حول المنطقة وفي المقابل تفتح جنيف أبوابها غداً الثلاثاء لجولة مفاوضات حاسمة بين واشنطن وطهران. هذا المقال يحلل أبعاد هذه المواجهة الصامتة وتأثيراتها العميقة على العراق وإقليم كوردستان والعالم.

شروط الاشتباك الدبلوماسي

تجاوزت المفاوضات هذه المرة مرحلة جس النبض لتصل إلى وضع الشروط القاسية على الطاولة وهي شروط وجودية لكل طرف؛ حيث تشترط واشنطن تصفير التخصيب تماماً ونقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج إيران فوراً مع تفكيك منظومات الصواريخ البالستية وكبح جماح النفوذ الإقليمي بهدف إبرام صفقة القرن النووية في غضون شهر أو اللجوء لخيارات عسكرية جاهزة. وفي المقابل تلوح طهران بمخزونها النووي كأداة ضغط وتطالب برفع شامل للعقوبات البنكية والنفطية والحصول على ضمانات قانونية تمنع الانسحاب الأمريكي مستقبلاً معتبرة برنامجها الصاروخي حقاً سيادياً خارج النقاش.

التفاوض تحت النار

تزامن المفاوضات مع إرسال حاملة الطائرات الثانية ليس صدفة؛ بل هو لفرض التفاوض تحت النار وإفهام طهران أن الخيار العسكري جاهز في حال فشل جنيف ولتأمين الشركاء في الخليج والعراق من أي رد فعل انتقامي قد يطال المصالح الحيوية.

حكمة إقليم كوردستان

في الوقت الذي تتصاعد فيه لغة التهديد يبرز إقليم كوردستان كنموذج للاستقرار والحكمة الدبلوماسية. لم يكتفِ قادة الإقليم بحماية منطقتهم بل تحولوا إلى وسطاء تهدئة إقليميين حيث تجلت حكمة الرئيس مسعود بارزاني ونيجيرفان بارزاني في الحفاظ على توازن دقيق يجنب الإقليم ويلات الصراع مع التأكيد على لغة الحوار بدلاً من التصعيد.

دور رجل الإطفاء

لم يتوقف دور أربيل عند الحدود؛ بل قادت حراكاً دبلوماسياً أثمر عن تفاهمات تاريخية في الملف السوري حيث ساهمت أربيل في تقريب وجهات النظر وتخفيف حدة التوتر في الشمال السوري مما منع انفجاراً إقليمياً كان وشيكاً وأثبت أن أربيل هي بيضة القبان للاستقرار في المنطقة.

سيناريوهات المستقبل العالمي

تتأرجح المنطقة والعالم بين مسارين وتأثيراتهما ستغير وجه التاريخ الحديث؛ ففي سيناريو الانفراجة الكبرى ونجاح المفاوضات سيشهد العالم استقرار أسعار الطاقة وهبوط برنت إلى 60-65 دولاراً وانتعاش الأسواق المالية بينما تبدأ إقليمياً مرحلة التكامل الاقتصادي وانتهاء الحروب بالوكالة. أما في سيناريو الانفجار والقطيعة وفشل المفاوضات فسيحدث قفزة جنونية للنفط فوق 120 دولاراً وركود اقتصادي عالمي يهدد سلاسل التوريد وتتحول المدن إقليمياً إلى ساحات لتصفية الحسابات واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

هزات الاقتصاد العراقي

الاقتصاد المعلق في العراق يعيش لحظات حرجة؛ إذ تشير الإحصائيات لعام 2026 إلى أن سعر الدولار يرتجف اليوم عند حاجز 1,550 – 1,600 دينار. والتحرك المتوقع يشير إلى أن نجاح جنيف سيهبط بالدولار إلى 1,350 دينار فوراً (انتعاش بنسبة 15%) بينما فشلها قد يقفزه إلى 1,750 دينار مما يدفع ملايين العراقيين تحت خط الفقر نتيجة الغلاء الفاحش.

خارطة السيادة الناجزة

بناءً على هذا المشهد المعقد نوصي صانع القرار العراقي (في بغداد وأربيل) بتبني استراتيجية الاستباق الوطني والتي ترتكز على تحصين الجبهة الاقتصادية بالبدء فوراً بتنويع سلة العملات الأجنبية وتقليل الارتهان الكلي لمنصة الدولار عبر تفعيل اتفاقيات المقايضة السلعية لضمان تدفق الغذاء والدواء. كما يجب تعميم نموذج أربيل الدبلوماسي لتقديم العراق كـ منطقة محايدة إيجابية واستثمار الحكمة الدبلوماسية الناجحة في الملف السوري لتكون ركيزة لمبادرة أمن الخليج والجوار بالتوازي مع تحقيق الاستقلال الطاقي الاستراتيجي عبر مشاريع الربط الكهربائي وتطوير حقول الغاز لإنهاء الارتهان الجغرافي.

خلاصة المخاض التاريخي

إن التاريخ لن يرحم المترددين؛ فإما أن يستثمر العراق هذا المخاض ليكون شريكاً في صناعة السلام أو يظل ساحة تُكتب فيها فصول الصراع بدم المواطنين وأموالهم. السيادة الحقيقية ليست شعاراً بل هي قدرة الدولة على حماية خبز مواطنيها وأمن مدنها في لحظات الانكسار العالمي العظمى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *