+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
في بغداد، لا تعني عبارة “ملاهي ليلية” مجرد أضواء ملوّنة وموسيقى مرتفعة حتى ساعات الفجر. خلف هذه الواجهة، تمتد شبكة معقّدة من الأسئلة عن القانون والدين والمجتمع والاقتصاد والأمن، وعن صورة العاصمة نفسها بين ما تريده السلطة وما يعيشه الناس فعليًا في الشارع. وهكذا يتحول أي نقاش عن عمل الملاهي الليلية إلى اختبار مكشوف لمدى قدرة الدولة على إدارة ملف ترفيهي ـ اقتصادي حساس، من دون دفعه بالكامل إلى أحضان اقتصاد الظل والعلاقات غير الرسمية.
في السنوات الماضية، أخذ المشهد الليلي في بغداد أكثر من شكل. بعض المطاعم والمقاهي تتحول بعد منتصف الليل إلى فضاءات مكتظة بالأراكيل والموسيقى والاختلاط، من دون إعلان صريح عن كونها “ملاهي”. نواد اجتماعية قديمة، نقابية أو مهنية، كانت تقدم الكحول ضمن أطر قانونية أوسع، تعرضت لتشديد متدرج حتى جرى التضييق على نشاطها بشكل كبير. إلى جانب ذلك، ظهرت أماكن مغلقة لا ترفع لافتة واضحة، تقدم الغناء الحي والرقص، وأحيانًا نشاطات غير قانونية مثل القمار أو تداول المخدرات، وتستند في الغالب إلى شبكات حماية معقدة تجعلها عصية على الإغلاق الكامل أو المحاسبة المنتظمة.
هذا التحول لم يكن منفصلًا عن الإطار القانوني المتغير. فمع تفعيل قانون حظر استيراد وبيع وتصنيع المشروبات الكحولية بعد نشره في الجريدة الرسمية، ثم التوجه نحو منع تقديم الكحول في الفنادق والنوادي الاجتماعية، انتقل جزء كبير من دورة الترفيه الليلي من المنطقة شبه القانونية إلى العمل في الظل. ما كان يجري في فضاءات معلنة وتحت أعين الضرائب والرقابة، صار يتحرك في مساحات رمادية، يتبادل فيها المال مع النفوذ، وتضعف قدرة الدولة على ضبط ما يحدث فعليًا داخل تلك الجدران أو حولها.
على الأرض، تتقاطع في الملاهي الليلية أكثر من دائرة أمنية. فهذه الأماكن ليست مجرد مصدر ضوضاء ليلية لسكان الأحياء المجاورة، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى نقاط تمويل مرتبطة بشبكات قمار ومخدرات، أو إلى ساحات نفوذ لجهات حزبية او مسلحة تفرض إتاوات مقابل الحماية، وتستفيد من تدفق المال النقدي في بيئة لا تمر عبر قنوات مصرفية واضحة. في حالات اخرى، تتحول بعض هذه الفضاءات إلى بيئة مثالية للابتزاز، سواء من خلال تصوير الزبائن او استغلال ديون القمار او تسريب معلومات عن حضور شخصيات معينة.
اجتماعيًا، يعكس ملف الملاهي الليلية في بغداد صراع رؤيتين لعلاقة المدينة بالترفيه. تيار محافظ واسع ينظر إلى هذه الفضاءات كرمز للانحلال وتهديد مباشر لـ”السلم المجتمعي” وقيم العائلة والدين، ويربطها بالكحول والرقص واختلاط الجنسين، ويدفع باتجاه الإغلاق التام او تشديد العقوبات. في المقابل، ترى شرائح شبابية ومدينية، إضافة إلى بعض الأقليات الدينية، أن الحياة في مدينة كبيرة تخرج من عقود الحرب والحصار تحتاج متنفسًا حقيقيًا بعد ساعات العمل والازدحام، وأن غياب صيغ ترفيه منظمة يدفع الناس إلى خيارات أسوأ، أو إلى الهجرة المؤقتة نهار العطل نحو مدن اكثر مرونة مثل اربيل والسليمانية حيث القيود أخف بكثير.
في قلب هذا الجدل، يبرز سؤال الاقتصاد. فالملاهي الليلية، مهما كان تقييمها الأخلاقي، تنتج دورة مالية واسعة: وظائف مباشرة لعشرات العاملين، من خدمة ومطبخ وحراسة وسائقين ومجهزي أطعمة ومشروبات، وحركة تجارية غير مباشرة في الأحياء المحيطة من مطاعم وتاكسيات ومحال. وحين تعمل هذه الدورة ضمن إطار قانوني منظم، تستفيد الدولة من الضرائب والرسوم، وتستطيع ربط النشاط الاقتصادي باسم مستثمر محدد وملف ضريبي واضح. لكن حين يُدفع هذا النشاط إلى الظل، تتحول الأرباح إلى رصيد غير مرئي يغذي شبكات نفوذ وسلاح وفساد، من دون أي مردود واضح على الخزينة او على التنمية المحلية.
النساء هن الحلقة الأكثر هشاشة داخل هذه المنظومة. فالكثيرات يدخلن هذا المجال بحثًا عن فرصة عمل في سوق يعاني من البطالة وضعف الفرص، لكنهن يواجهن في المقابل بيئة عالية المخاطر من ناحية التحرش والعنف والابتزاز، ووصمة اجتماعية مضاعفة تلاحق العاملات والزبونات على حد سواء. مجرد ظهور امرأة في فضاء ليلي قد يتحول، في مجتمع محافظ يعيد تعريف “السمعة” بسرعة، إلى مادة للضغط او التشهير او المساومة، خاصة في ظل غياب منظومة حماية قانونية فعالة للعاملين في قطاع الترفيه.
مع تشديد إجراءات حظر الكحول وحملات إغلاق محال الخمور والنوادي، تغير شكل حياة الليل في بغداد بدل أن يختفي. بعض الأماكن أغلقت أبوابها بالكامل، وبعضها غيّر واجهته ليظهر كـ”مطعم عائلي” او “كافيه هادئ”، مع الإبقاء على جزء من النشاط القديم بشكل سري ومحدود لمن يعرف الطريق. في المقابل، ينقل عراقيون كثر تجاربهم حول ما يمكن وصفه بـ”هجرة ليلية” إلى الإقليم، حيث تتوفر الملاهي والنوادي والحانات بشكل معلن ومنظم، وتُمارس الأنشطة نفسها ضمن إطار قانوني مختلف.
امام هذا الواقع المركب، يتقدم طرح ثالث لا يقوم على المنع المطلق ولا على التساهل الكامل، بل على تنظيم صارم وواضح. في هذا السياق، يؤكد الباحث في الشؤون الاجتماعية علي التميمي، اليوم الخميس، أن تنظيم عمل الملاهي الليلية في العاصمة بغداد يمثل خطوة ضرورية لحماية الاستقرار المجتمعي والحفاظ على الطابع الحضاري للمدينة، مشددًا على أهمية عدم السماح بتمركز هذه الأنشطة بالقرب من المناطق السكنية او الفنادق الحكومية الرئيسية التي تستقبل الوفود الرسمية والبعثات الدبلوماسية.
ويقول التميمي، لـ”بغداد اليوم”، ان “التوسع غير المنظم للملاهي الليلية داخل الأحياء السكنية يؤدي إلى آثار سلبية متعددة، من أبرزها الإزعاج الليلي، وزيادة الازدحام المروري، والتأثير على السلم المجتمعي، فضلًا عن ما قد تسببه من ضغط على الخدمات البلدية والأمنية، كما ان قرب هذه الملاهي من التجمعات السكنية يتعارض مع مبادئ التخطيط الحضري السليم الذي يعتمد على الفصل الوظيفي بين الأنشطة الترفيهية والمناطق السكنية”.
ويبين ان “وجود الملاهي الليلية بالقرب من بعض الفنادق الحكومية الرئيسية قد ينعكس سلبًا على صورة العاصمة، خاصة في ظل استقبال تلك الفنادق لشخصيات رسمية وضيوف الدولة، مما يتطلب بيئة منظمة وهادئة تتناسب مع الطابع الرسمي والمؤسسي، كما أن التنظيم المكاني يساهم في تعزيز الانضباط العام ويحافظ على هيبة المؤسسات الرسمية والمرافق الحكومية”.
ويضيف ان “الحل لا يكمن في منع النشاط الترفيهي بشكل مطلق، بل في تنظيمه ضمن ضوابط قانونية ومكانية واضحة، من خلال تخصيص مناطق ترفيهية محددة خارج الكثافة السكنية، وإلزام المستثمرين بالحصول على الموافقات الأصولية وفق معايير بيئية وأمنية وصوتية مدروسة”.
ويتابع التميمي ان “اعتماد معايير تنظيمية حديثة سيسهم في تحقيق توازن بين دعم الاستثمار في القطاع الترفيهي وحماية النسيج الاجتماعي، مع الحفاظ على هوية بغداد كعاصمة ذات طابع حضاري وثقافي”.
بهذا الطرح، يتحول النقاش من سؤال “إغلاق الملاهي او إبقائها” إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن تحويل هذا القطاع من ملف فوضوي يخضع لمعادلات القوة غير الرسمية إلى نشاط معلن ومستقر يعمل ضمن حدود مكانية وزمنية وقانونية محددة، وتحت رقابة مالية وامنية واضحة؟ تنظيم مواقع هذه الأنشطة بعيدًا عن الأحياء السكنية، وربطها بشروط صارمة تتعلق بمستوى الضجيج والالتزام بالقانون ومنع القمار والمخدرات والاستغلال، يمكن أن يفتح الباب أمام نموذج مختلف: ترفيه موجود لكن منضبط، يحد من اقتصاد الظل، ويقلل من فرص استغلال الشباب والنساء، ويحافظ في الوقت نفسه على صورة العاصمة ومساحة عيشها المشترك.
بين من يطالب بالمنع على أساس ديني او أخلاقي، ومن يدافع عن حق الناس في الترفيه، ومن يدفع بواقعية نحو تنظيم صارم، يبدو أن مستقبل الملاهي الليلية في بغداد سيتوقف على اتجاه السياسة العامة للدولة: إما استمرار في لعبة القط والفأر مع اقتصاد الظل، او الانتقال إلى نموذج اعتراف وتنظيم ومحاسبة، حيث لا يكون الليل خارج سلطة القانون، ولا يتحول الترفيه إلى بوابة مفتوحة أمام الفوضى والابتزاز والمال غير المشروع.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم