+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
خلال الأشهر الماضية، تكررت الأخبار القصيرة عن ضبّاط في أجهزة استخباراتية أو أمنية عُثر عليهم ميتًا في منازلهم أو داخل مقار عملهم. الصياغة تكاد تكون واحدة: خبر مقتضب، سبب اجتماعي أو عائلي، إشارة إلى فتح تحقيق، ثم لا شيء. لا مؤتمر صحفي، لا تقرير رسمي يشرح، ولا رواية مكتملة تصل إلى الرأي العام، بل وحتى عند سؤال الأجهزة الأمنية المختصة لا تحصل على على أي تعليق. ومع تكرار هذا النمط، لم يعد السؤال محصورًا في كل حالة على حدة، بل اتجه أكثر نحو فهم الصورة العامة: هل نحن أمام ظاهرة داخل المؤسسات الأمنية الحساسة في العراق، أم مجرد تزامن لحوادث فردية؟ والأهم من ذلك، ماذا تقول هذه الحالات عن طريقة إدارة الدولة لأجهزتها التي تمسك بالملفات الأكثر حساسية؟
صورة ظاهرة بلا اسم رسمي
على المستوى العلني، لا تعترف أي جهة رسمية بوجود “ملف” مستقل بعنوان وفيات ضبّاط الاستخبارات. كل حالة تُقدَّم بوصفها حادثة خاصة، لها ظروفها العائلية والنفسية، ويُترك الانطباع بأن الأمر انتهى عند هذا الحد. لكن بالنسبة للمتابع، هناك ملامح نمط تتكرر: ضابط أو منتسب يعمل في جهاز سيادي، خبر سريع عن وفاته، احتمال قوي بأن يكون السلاح المستخدم سلاح خدمة، تصريحات أولية غائمة، ثم صمت طويل.
هذا التكرار من دون سرد كامل يغذي شكوك الشارع، خصوصًا في بلد جرّب أكثر من مرة أن تُلبس بعض الاغتيالات لباس “الانتحار” أو “الحادث العرضي”. ومع ذلك، من الصعب القفز مباشرة إلى استنتاجات حاسمة دون فهم كيف تنظر الأجهزة نفسها إلى هذه الحوادث، وما هي المعايير التي تضبط طريقة التعامل معها إعلاميًا وإجرائيًا.
كيف تفكر المؤسسة من الداخل؟
الخبير في الشؤون الاستراتيجية علي الجبوري يقدّم مدخلًا مهمًا لفهم منطق المؤسسة الأمنية في التعامل مع هذه القضايا. يقول في حديثه لـ”بغداد اليوم” إن “مثل هذه الحوادث في الأجهزة الاستخباراتية غالبًا ما تُعامل بسرية شديدة نظرًا لحساسية العمل وطبيعة المعلومات التي يتعامل معها الضابط، لذلك، يتم في كثير من الأحيان تقديم الحادث على أنه حادث اجتماعي لحماية أمن المؤسسة والمصالح الوطنية”.
هذا التوصيف يوضح أن نقل الحادثة من خانة “واقعة داخل جهاز سيادي” إلى خانة “مشكلة اجتماعية” لا يأتي فقط من رغبة في التخفيف عن العائلة أو تجنب الجدل، بل من تصوّر راسخ لدى هذه الأجهزة بأن فتح الملف إلى العلن قد يكشف خطوط عمل، أو يربك عناصر أخرى، أو يتيح لجهات خصمة استغلال حادثة فردية لضرب ثقة الجمهور بالمؤسسة ككل.
ويضيف الجبوري جانبًا آخر يساعد في تفسير الصمت بعد البيان الأول، إذ يوضح أن “التغطية الإعلامية المحدودة وعدم الإعلان عن التحقيقات الرسمية قد يكون ناتجًا عن رغبة الجهاز في الحفاظ على ثقة كوادره، ومنع أي استغلال سياسي أو أمني للحدث، ومتابعة مثل هذه الحوادث تتطلب وقتًا كبيرًا للتأكد من الوقائع، خاصة إذا كانت مرتبطة بضغط نفسي أو تهديدات خارجية أو داخلية، وهو ما قد يفسر سبب عدم صدور أي بيان رسمي”.
بهذا المعنى، ما يبدو من الخارج “تعتيمًا متعمّدًا” يُقرأ من الداخل كجزء من إجراءات احترازية: تقليل الكلام، حصر المعلومات، ترك التحقيق يسير بعيدًا عن الضوضاء، ثم اتخاذ قرار بشأن ما يُعلن وما لا يُعلن. لكن هذا المنطق، مهما كانت دوافعه مفهومة داخل الجهاز، يخلق مشكلة مختلفة على مستوى الثقة العامة.
الضغط النفسي والمهني: عامل حقيقي لا يمكن تجاهله
جزء من النقاش العام يذهب بسرعة إلى فرضية “التصفية المقنّعة”، لكن خبراء وأطباء يؤكدون أن كلفة العمل في الأجهزة الاستخباراتية وحدها كافية لتفسير عدد من الحالات من دون الحاجة إلى سيناريوهات اغتيال في كل مرة. الضابط الذي يعمل في هذا الحقل يتعرض لضغوط متراكمة: ساعات عمل طويلة، احتكاك دائم بملفات عنف وتهديد، إحساس مستمر بأن حياته وحياة عائلته يمكن أن تكون هدفًا، وفي الوقت نفسه ضغوط معيشية لا تختلف كثيرًا عن باقي الموظفين في دولة تعاني من أزمات اقتصادية وخدمية، وفوق هذا كله ثقافة اجتماعية ومؤسسية لا تشجع على طلب المساعدة النفسية، بل تنظر غالبًا إلى هذه الخطوة كعلامة ضعف أو تهديد للمستقبل الوظيفي.
في هذا السياق، يصبح من الممكن تفسير بعض الحالات بوصفها انهيارات فردية تحت ضغط لا يُرى، وليس بالضرورة جزءًا من مخطط قتل. الجبوري نفسه يشير إلى هذه النقطة حين يقول إن “أي حادثة انتحار داخل الأجهزة الاستخباراتية تثير القلق، لكنها لا تعكس بالضرورة خللًا أمنيًا في المؤسسة، وإنما قد تكون نتيجة تراكم الضغوط النفسية والمهنية على الضبّاط الذين يتعاملون مع ملفات حساسة ومعقدة، والتحقيقات قد تظل سرية لأسابيع أو أشهر، قبل أن يتم الإعلان عن النتائج النهائية، خصوصًا إذا ارتبطت بأمن الدولة أو بحماية هوية أشخاص متورطين في ملفات أمنية حساسة”.
لكن الاعتراف بوزن هذا العامل لا يلغي الحاجة إلى سؤال آخر: إذا كانت الضغوط النفسية جزءًا من طبيعة العمل، فما هي برامج الحماية والدعم التي توفرها الدولة لمن يعملون في هذه البيئات؟ هل توجد سياسات واضحة للكشف المبكر عن الإنهاك، أم تُترك الأمور لتقدير الضابط نفسه حتى يقع الانهيار؟ وهل هناك مراجعة مؤسسية حقيقية بعد كل حالة، أم يظل التعامل معها فرديًا؟
الملفات الحساسة وشبكات المصالح: لماذا يتضخم الشك؟
الشق الأكثر حساسية في هذا الملف يتعلّق باحتمال تداخل بعض هذه الوفيات مع صراعات مصالح وملفات فساد أو تهريب أو نفوذ. بعد 2003، لم تعد الأجهزة الأمنية تعمل فقط في حقل مكافحة التنظيمات المتطرفة والجرائم المنظمة، بل وجدت نفسها في كثير من الأحيان على تماس مباشر مع شبكات اقتصادية وسياسية: عقود تسليح وتجهيز، منافذ حدودية، خطوط تهريب نفط وبضائع، مكاتب اقتصادية لقوى متنفذة.
في مثل هذه البيئة، الضابط الذي يملك معلومات مفصلة عن مسارات المال والسلاح، أو يحتفظ بوثائق حساسة، أو يقرر التعاون مع جهة رقابية أو قضائية، يمكن أن يتحوّل إلى نقطة توتر حقيقية. حتى لو لم تتوفر أدلة علنية على أن حالات محددة ارتبطت بهذا النوع من الصراع، فإن وجود هذا السياق وحده يكفي لرفع مستوى الشك في كل حادثة جديدة، خصوصًا عندما تغيب الشفافية ولا تتوفر للرأي العام رواية قضائية نهائية.
التجارب السابقة لعبت دورها هنا؛ فالعراقيون يتذكرون حوادث جرى تقديمها رسميًا على أنها “انتحار”، ثم ظهرت لاحقًا تسريبات أو تلميحات من أطراف مختلفة تفيد بأن الضحية كان يعمل على ملفات حساسة أو يعيش تحت تهديد. هذه الذاكرة تجعل من الصعب على الجمهور أن يتعامل مع كل بيان جديد بثقة كاملة، وتدفعه إلى ملء الفراغ بالممكن والمتخيَّل معًا.
مشكلة الشفافية: متى يصبح الصمت جزءًا من المشكلة؟
النقطة المركزية التي تخرج من كل هذا النقاش هي أن غياب الشفافية المنهجية في التعامل مع وفيات الضبّاط داخل الأجهزة السيادية يساهم في تعميق الفجوة بين المؤسسة والمجتمع. لا أحد يطالب هذه الأجهزة بنشر كل تفاصيل عملها أو كشف مصادرها وطرقها، فهذا يناقض طبيعة عملها، لكن هناك مستوى آخر من المعلومات يمكن أن يُقدَّم من دون تعريض الأمن الوطني للخطر: خلاصة تحقيق، تحديد واضح لما إذا كانت هناك شبهة جنائية أو لا، توصيات مهنية لمنع التكرار، إعلان أي إجراءات إدارية أو قانونية اتُّخذت إذا ثبت وجود تقصير أو اختراق.
بغياب هذا المستوى، تتحوّل عبارة “فتح تحقيق” إلى صيغة إنشائية أكثر من كونها وعدًا فعليًا بالحقيقة، ويتعامل الجمهور مع كل حادثة جديدة بوصفها حلقة في سلسلة طويلة من الملفات التي تبدأ بضجة صغيرة وتنتهي بصمت كامل. هذا النمط لا يضر سمعة الأجهزة فقط، بل ينعكس على معنويات الضبّاط أنفسهم، الذين يحتاجون إلى شعور بأن مؤسستهم ستحميهم أحياءً وأمواتًا، وبأن موت زميل لهم لن يُختزل في سطر غامض يختفي بعد أيام من منصات الأخبار.
ما الذي يمكن تغييره؟
تحويل هذا الملف من مادة للجدل إلى نقطة إصلاح يتطلّب مقاربة ثلاثية متوازية. الأولى داخلية، تبدأ بمراجعة شروط العمل في الأجهزة الحساسة، ووضع برامج واضحة للرعاية النفسية والدعم الاجتماعي، وتدريب القادة على رصد مؤشرات الإنهاك والضغط قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، وتوفير قنوات آمنة يمكن للضابط عبرها الإبلاغ عن تهديدات يتعرض لها من داخل المؤسسة أو خارجها.
المقاربة الثانية قضائية – رقابية، تقوم على إشراك جهات تحقيق مهنية يمكن أن تمنح نتائجها قدرًا من المصداقية، حتى لو لم تُعلن كل التفاصيل. وجود بصمة واضحة للادعاء العام، أو لجان مستقلة في الحالات الأكثر تعقيدًا، يمكن أن يخفف من الشكوك ويمنح العائلات والرأي العام إحساسًا بأن الملف لا يُدار حصريًا داخل دائرة مغلقة.
المقاربة الثالثة تتعلق بطبيعة التواصل مع المجتمع. يمكن للدولة أن تعتمد سياسة واضحة تقوم على نشر بيانات متابعة لهذه القضايا بعد انتهاء التحقيق، لا تكتفي بإعادة تكرار الرواية الأولى، بل تضيف إليها ما يؤكد أو يصحح أو يوسع الفهم، من دون المساس بالخطوط الحمراء الأمنية. على المدى البعيد، بناء هذا التقليد قد يكون أكثر فائدة للمؤسسة من الصمت الكامل، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي الذي تحتاجه حتى تؤدي مهامها في بيئة سياسية واجتماعية معقدة مثل العراق.
خلاصة الأمر أن وفيات ضبّاط الاستخبارات، سواء كانت ناتجة عن ضغوط فردية قاسية أو عن صراعات أوسع، لم تعد مجرد حوادث هامشية. طريقة تعامل الدولة معها ستبقى اختبارًا مهمًا لجدية الحديث عن إصلاح المنظومة الأمنية وبناء دولة تحترم حياة من يحرسون أمنها، كما تحترم حق المجتمع في أن يعرف، بقدر ما تسمح به ضرورات السرية، ماذا يحدث داخل مؤسسات يُفترض أنها موجودة لحمايته لا لتركه أسير التخمينات الدائمة.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم