+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
يبدو أنّ العراق يعيش مفارقة جديدة في مسار تشكيل سلطاته الدستورية: البرلمان ينعقد، الجلسات تُحدد، الجداول تُنشر، لكنّ الفقرة الأثقل دستوريًا – انتخاب رئيس الجمهورية – تظل خارج الورقة الرسمية. آخر جداول الأعمال المعلنة لجلسات مجلس النواب تضمنت ترديد اليمين لنواب بدلاء وتشكيل اللجان الدائمة، لكنّها خلت من أي إشارة إلى التصويت على رئيس جديد للجمهورية، رغم أنّ الاستحقاق بات متأخرًا عن روحية التوقيتات الدستورية، وفي ظل انسداد واضح بين القوى السياسية.
في المشهد الإقليمي والدولي، يُنظر إلى انتخاب رئيس الجمهورية بوصفه الحلقة التي ستفتح الباب لتكليف رئيس الوزراء وحسم شكل الحكومة المقبلة، وسط صراع شيعي-شيعي على رئاسة الحكومة، وضغط أمريكي معلن على ترشيح نوري المالكي، وخلاف كردي – كردي على مرشح الرئاسة بين حزبي الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني.
وسط هذه التعقيدات، يتحول غياب فقرة انتخاب الرئيس من جدول أعمال البرلمان من مجرّد تفصيل إجرائي إلى عنوان لأزمة أعمق تتعلق بشكل التوافقات، وحدود التدخلات، وقدرة النظام السياسي على احترام استحقاقاته في المواعيد المفترضة.
غياب الفقرة يثير القلق ويعمّق حالة الانسداد
أكد عضو مجلس النواب أحمد الشرماني، اليوم السبت (14 شباط 2026)، أنّ غياب فقرة انتخاب رئيس الجمهورية عن جدول أعمال جلسات المجلس يشكّل نقطة جدل وقلق بين الأوساط السياسية والشعبية، مشيرًا إلى أنّ هذا التجاهل يعكس حالة من الانسداد السياسي وعدم التوافق بين القوى البرلمانية حول اختيار الرئيس الجديد.
وقال الشرماني، لـ”بغداد اليوم”، إنّ “تأجيل أو إهمال انتخاب رئيس الجمهورية في جدول الأعمال قد يؤدّي إلى تفاقم الأزمة السياسية، ويزيد من حالة عدم الاستقرار، خصوصًا في ظل الحاجة الماسّة لاستكمال المؤسّسات الدستورية بما يضمن سير عمل الدولة بشكل طبيعي”.
وبيّن أنّه “على جميع الكتل السياسية تحمّل مسؤولياتها الوطنية والعمل على إدراج هذه الفقرة الحيوية في جدول الأعمال بأسرع وقت، لتفادي أي فراغ دستوري قد ينعكس سلبًا على الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد”.
وأضاف أنّ “استمرار تجاهل هذه النقطة قد يؤدّي إلى فقدان الثقة بين مؤسّسات الدولة، فمن الضروري وجود حل عاجل يحقّق توافقًا واسعًا بين القوى السياسية ويجنّب العراق أي تعطيل مؤسّسي”.
وختم الشرماني قوله إنّ “البرلمان هو الإطار الشرعي الأهم لإدارة الشأن الوطني، ومن الضروري أن يتم التعامل مع القضايا الدستورية الحسّاسة بجدّية ومسؤولية بعيدًا عن أي حسابات حزبية”.
البعد الدستوري: استحقاق مؤجّل أم خرق صامت لروح الدستور؟
الدستور العراقي يربط بين انتخاب رئيس مجلس النواب ثم انتخاب رئيس الجمهورية خلال مهلة محدّدة، تمهيدًا لتكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة. ورغم أنّ الواقع السياسي بعد 2005 شهد أكثر من مرّة تجاوزًا فعليًا لهذه المدد، إلا أنّ تكرار مشهد التأجيل جعل “التوقيت الدستوري” يبدو أقرب إلى توصية مرنة منه إلى التزام صارم.
اليوم، ينعكس هذا التأخير على شكل أسئلة حادّة:
-إلى متى يمكن للبرلمان أن يواصل إدارة جلسات “ثانوية” من دون أن يضع انتخاب الرئيس على الطاولة؟
-ما الحدّ الفاصل بين التأجيل السياسي المقبول وبين الوقوع في فراغ دستوري يهدّد شرعية بقيّة الخطوات؟
-وهل يؤدي استمرار هذا النمط إلى تعميق سابقة خطيرة تجعل الدستور نصًّا قابلًا للتعليق في كل أزمة سياسية؟
الشرماني يضع إصبعه على هذه النقطة حين يتحدّث عن “فراغ دستوري” محتمل، فالرئيس – وإن كانت صلاحياته محدودة بالمقارنة مع رئيس الوزراء – هو الضامن الشكلي لتسليم السلطة وتكليف الحكومة، وأي تعطيل في انتخابه يتحوّل عمليًا إلى تعطيل لباقي السلسلة الدستورية.
البعد السياسي: رئاسة الجمهورية رهينة تفاهم كردي وضغوط شيعية ودولية
الملفّ لا يقف عند حدود “تقصير إداري” في إعداد جدول الجلسات؛ بل يعكس صراعًا مفتوحًا على الرئاسات. منصب رئيس الجمهورية ما يزال محور تجاذب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يدفع بترشيح شخصية قريبة منه للمنصب، والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يدعم مرشحًا آخر، في مشهد يعيد إنتاج تنافس الدورات السابقة ولكن في بيئة أكثر توترًا، لأنّ الرئاسة هذه المرّة مرتبطة مباشرة بمعركة رئاسة الحكومة وترشيح نوري المالكي.
تأجيل إدراج فقرة انتخاب الرئيس في جدول الجلسة يمنح القوى السياسية – ولا سيما الكردية والشيعية – المزيد من الوقت لمقايضة الملفات:
-الكرد يسعون إلى تثبيت مكاسب في الإقليم والملفّات النفطية والمالية مقابل التفاهم على اسم الرئيس.
-قوى شيعية رئيسية تستخدم ورقة الرئاسة لتمهيد الطريق أمام مرشحها لرئاسة الحكومة في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية.
في هذا السياق، يصبح “غياب الفقرة” أداة تفاوض بحدّ ذاته: ما دام الاتفاق غير مكتمل، لا تُدرج جلسة الانتخاب، وما دام موعد الجلسة غير محسوم، تبقى كل الخيارات مفتوحة للمساومة والضغط والابتزاز السياسي المتبادل.
البعد الكردي والسنّي: الرئاسة بوّابة إلى ما بعدها
تأجيل انتخاب الرئيس لا يعني فقط تأجيل اختيار شخصية كردية جديدة للقصر الرئاسي؛ بل يعني عمليًا تأخير الحسم في ملفات أخرى تهمّ العرب السنّة والكرد معًا.
بالنسبة للكتل السنّية، حسم ملف رئيس الجمهورية يمثّل خطوة ضرورية لتثبيت موقعها في التفاهمات المقبلة حول رئاسة البرلمان والحقائب السيادية، وضمان عدم العودة إلى معادلة اختزال القرار السنّي بيد طرف واحد كما حدث في تجارب سابقة. استمرار ضبابية ملف الرئاسة يعني استمرار ضبابية ما بعده.
أمّا داخل البيت الكردي، فإنّ عدم التوافق بين الحزبين الرئيسيين على مرشح واحد للرئاسة يعكس أزمة أعمق في إدارة الشراكة بين أربيل والسليمانية؛ فكل مرّة يتقدّم فيها حزب بمرشحه الخاص خارج التفاهم التقليدي (رئيس الجمهورية لطرف، ورئيس الإقليم للطرف الآخر) تتحوّل الرئاسة إلى ساحة اختبار لميزان القوى الكردي – الكردي، ثمّ الكردي – الاتحادي داخل بغداد.
البعد الشعبي: ثقة تتآكل كلّما تأجّل الاستحقاق
من زاوية الشارع، لا تبدو الكثير من التفاصيل التقنية مهمّة: المواطن يرى برلمانًا يُفترض أنّه جديد، يمرّ بجلسة بعد أخرى، فيما تبقى الرئاسات غير محسومة، والملفّات المعيشية ضاغطة، وسعر الدولار والخدمات والوظائف لا تنتظر تفاهمات الكتل.
الشرماني يلتقط جزءًا من هذا المزاج حين يحذّر من “فقدان الثقة بين مؤسّسات الدولة” إذا استمر تجاهل فقرة انتخاب الرئيس. فحين يتحوّل الاستحقاق الدستوري إلى ورقة مؤجلة في كل أزمة، يتوسع الشعور بأنّ النظام السياسي يُدار وفق منطق التوافقات المغلقة لا وفق منطق النصوص والمهل.
استمرار هذا الانطباع، خصوصًا بعد تجارب سابقة من الانسداد الممتد في تشكيل الحكومات، قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الرفض الشعبي، سواء عبر العزوف عن المشاركة السياسية أو عبر الاحتجاج في الشارع، ما يزيد من هشاشة النظام بدل أن يمنحه استقرارًا.
سيناريوهات مفتوحة: بين جلسة حاسمة وتسوية مؤلمة
إزاء هذا المشهد يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة في حال استمر غياب فقرة انتخاب الرئيس عن جداول الجلسات:
-تسوية كردية سريعة تفرض إدراج الفقرة: تتوصّل القوى الكردية إلى اتفاق نهائي على مرشح واحد، تحت ضغط داخلي وإقليمي، فيُدرج بند الانتخاب في أقرب جلسة، ويتمّ اختيار الرئيس ضمن صفقة شاملة تشمل رئاسة الحكومة وتقاسم الحقائب.
-استمرار التأجيل وتضخّم الفراغ: تستمر الجلسات من دون فقرة الانتخاب، وتتكرّر سابقة تجاوز المهل الدستورية، ما يعمّق الانسداد ويزيد الضغوط، ويفتح الباب أمام احتمالات تدخل قضائي أو تصعيد سياسي.
-كسر معادلة المحاصصة التقليدية: في حال تعذّر التوافق الكردي – الكردي أو رفض قوى أخرى السير مع أيّ من المرشحين المطروحين، قد تُطرح أسماء بديلة أو مستقلّة، بما يعني عمليًا إعادة التفاوض على قواعد توزيع الرئاسات الثلاث بين المكوّنات، وربما فتح نقاش أوسع حول شكل النظام السياسي نفسه.
إن غياب فقرة انتخاب رئيس الجمهورية عن جدول أعمال مجلس النواب ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل مؤشّر على أزمة عميقة في التوافقات، وامتحان جديد لقدرة الطبقة السياسية على احترام استحقاقاتها الدستورية.
تحذيرات أحمد الشرماني تعكس جانبًا من القلق داخل البرلمان نفسه، لكنّ السؤال الأوسع يبقى: هل يتعامل المجلس مع هذه التحذيرات بوصفها دعوة للاستعجال في حسم الاستحقاق، أم أنّ الفقرة ستبقى معلّقة إلى أن تكتمل صفقات ما وراء الكواليس؟
في كل الأحوال، كل يوم يمرّ من دون إدراج انتخاب الرئيس في جدول الجلسات يعمّق شعور العراقيين بأنّ الدولة تُدار بمنطق إدارة الأزمة لا بمنطق بناء المؤسّسات، وأنّ النصّ الدستوري ما زال أضعف من ميزان القوى السياسي على أرض الواقع.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم