+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
تتصاعد، منذ سنوات، الأسئلة حول أعداد العمالة الأجنبية في الحقول النفطية العراقية، في وقت يواجه فيه البلد بطالة مرتفعة بين الشباب، خصوصًا في المحافظات النفطية. وبينما تتحدّث القوانين والتعليمات عن أولوية تشغيل العراقيين، تكشف الأرقام والتصريحات عن واقع مختلف، يتجاوز فيه عدد العمال الأجانب في الحقول حاجز 100 ألف عامل، مع كلفة مالية كبيرة وضغط اجتماعي متزايد.
أكثر من 100 ألف عامل أجنبي في الحقول النفطية
قال المحلّل الاقتصادي هيثم الخزعلي، في حديثه لـ”بغداد اليوم”، إنّ “أعداد العمالة الأجنبية العاملة في الحقول النفطية العراقية، باستثناء حقل الرميلة، تجاوزت حاجز 100 ألف موظّف وعامل، بحسب تصريحات صادرة عن أحد أعضاء مجلس النواب”.
وبيّن الخزعلي أنّ “هذه الأعداد الكبيرة تشمل مناصب عليا وتقنية في الصناعات النفطية، على الرغم من أنّ القوانين العراقية تُلزم الشركات العاملة في البلاد بتشغيل ما لا يقلّ عن 80 إلى 85 بالمئة من العمالة العراقية، إلّا أنّ تطبيق هذه القوانين لا يتمّ بشكل حرفي على أرض الواقع”.
وأشار إلى أنّ بعض نوّاب البصرة تحدّثوا عن أرقام ضخمة لكلفة هذه العمالة، وصلت في بعض التصريحات إلى الحديث عن نصف مليار دولار يوميًا، موضّحًا أنّ “هذا الرقم مبالغ فيه”، لكنّه في الوقت نفسه يشدّد على أنّ “العبء المالي للعمالة الأجنبية كبير، ويستدعي معالجات واقعية وجادّة، خصوصًا في ظلّ ضغط الموازنة وارتفاع كلف الرواتب والدعم”.
وبحسب تقديرات اقتصادية متداولة، فإنّ مجموع العمالة الأجنبية في سوق العمل العراقي عمومًا، بما فيها النفط والإنشاءات والخدمات، قد يصل إلى مئات الآلاف، مع فروقات واضحة في الأجور لصالح الأجانب، ما يعني خروج مليارات الدولارات سنويًا على شكل تحويلات إلى الخارج، في بلد يعتمد أساسًا على عائدات النفط لتمويل إنفاقه العام.
قوانين تمنح الأولوية للعراقيين… وواقع يروي قصة مختلفة
على مستوى النصوص، تبدو الصورة مختلفة. فالعقود النفطية والتعليمات الحكومية التي أُقِرّت في السنوات الأخيرة تنصّ بوضوح على أنّ حصة العمالة العراقية في المشاريع يجب أن لا تقلّ عن 80 بالمئة، بل إنّ بعض العقود تحدّثت عن نسبة 85 بالمئة في بعض الحقول والمشاريع. كما تصدر بين حين وآخر تعليمات من وزارة العمل ووزارة النفط تؤكّد أولوية تشغيل العراقيين وتقييد استقدام العمالة الأجنبية.
لكنّ التطبيق على الأرض يظهر فجوة واسعة بين النص والواقع. تقارير ميدانية وشكاوى من محافظات الجنوب، ولا سيّما البصرة، تتحدّث عن وجود أعداد كبيرة من العمّال الأجانب في مواقع حسّاسة داخل الحقول، في الوقت الذي يعمل فيه الكثير من العراقيين في أعمال خدمية مساندة، أو يبقون خارج الحقول تمامًا. هذا الاختلال لا يقتصر على عدد العاملين، بل يشمل نوعية الوظائف؛ فكلّما ارتفع المستوى التقني والراتب، زادت احتمالية أن يكون شاغل الوظيفة أجنبيًا، بحسب ما يرصده ناشطون ومتابعون للملف.
جزء من المشكلة يعود إلى طبيعة العقود وآليات الرقابة؛ إذ يمكن للشركة الأجنبية أن تستقدم عددًا كبيرًا من الفنيين والخبراء تحت عناوين مختلفة، من دون وجود نظام رقابي صارم يراجع بدقّة نسب تشغيل العراقيين في كلّ مستوى وظيفي. كما أنّ ضعف الشفافية في نشر البيانات التفصيلية حول تركيبة القوى العاملة يسهم في تعميق الشكوك حول الأرقام المعلنة وحدود الالتزام الفعلي بالنِّسَب المقرّرة.
لماذا تلجأ الشركات إلى الأجانب بدل تدريب العراقيين؟
السؤال الذي يردّده الشارع البصري والعراقي عمومًا هو: لماذا لا يتمّ استبدال هذه الأعداد الكبيرة من العمّال الأجانب بعراقيين، على الأقل في جزء كبير من الوظائف، ما دام البلد يعاني من بطالة واسعة وكوادر متخرّجة في مجالات الهندسة والجيولوجيا والتقنيات النفطية؟
هيثم الخزعلي يشير إلى عدّة عوامل متداخلة تفسّر هذا الواقع. أوّلها أنّ “بعض الشركات الأجنبية تشترط في عقودها تشغيل فرقها الفنّية الخاصة، ولا سيّما في الاختصاصات الدقيقة، بحجّة أن هذه الفرق متكاملة ومتدرّبة على العمل معًا في حقول عدّة حول العالم، ما يعطيها مرونة وسرعة أكبر في تشغيل المشاريع”.
العامل الثاني يرتبط بوجود قصور حقيقي في بعض المهارات التقنية الدقيقة داخل السوق المحلية. فالعراق يمتلك أعدادًا كبيرة من الخريجين في الاختصاصات النفطية، لكنّ جزءًا منهم لم يحصل على تدريب عملي كافٍ في الحقول والمصافي، كما أنّ فجوة السنوات الماضية من الحروب والعقوبات جعلت تراكم الخبرة في بعض المجالات التقنية أبطأ مما هو مطلوب.
العامل الثالث ذو طابع تعاقدي ورقابي؛ إذ إنّ صياغة بعض العقود لم تُربَط من البداية ببرامج إلزامية لنقل المعرفة وتدريب الكوادر العراقية على يد الفرق الأجنبية، بل اكتفت بذكر نسب تشغيل عامة للعراقيين، من دون آليات تفصيلية لمراقبة التنفيذ ولا عقوبات واضحة عند الإخلال بها.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الأبعاد المرتبطة بشبكات المصالح؛ فوجود عمالة أجنبية كبيرة يفتح الباب لعقود ثانوية متعلّقة بالإسكان والنقل والإطعام والخدمات، وهي مجالات لطالما ارتبطت بكيانات وشركات محلية لها صلات بأطراف سياسية أو اقتصادية نافذة، ما يجعل ملف العمالة جزءًا من شبكة أعقد من مجرّد قرار فنّي.
أجور أعلى ومزايا أكبر… من يدفع الكلفة؟
بحسب ما يوضّحه الخزعلي، فإنّ “العمالة الأجنبية تتقاضى في الغالب أجورًا أعلى من العمالة العراقية، إلى جانب حصولها على مزايا إضافية كالتأمين والسكن والغذاء، ما يشكّل عبئًا ماليًا مضاعفًا”.
في المقابل، يبقى العامل العراقي – حين يُشغَّل – في كثير من الحالات ضمن شريحة الأجور الأدنى، مع فرص أقلّ في الوصول إلى مواقع القرار الفنّي والإداري داخل الحقول. نتيجة ذلك، تخرج نسبة كبيرة من الكلف التشغيلية على شكل تحويلات مالية إلى الخارج، بينما لا تتحوّل الخبرة إلى رصيد ثابت داخل البلد.
هذه الكلفة لا تُقاس بالأرقام وحدها؛ فالمعادلة التي يراها الشاب العاطل عن العمل في البصرة أو ميسان أو ذي قار بسيطة للغاية: الحقول في أرضه، العائدات تُحتسب باسم “إيرادات العراق”، لكنّ الوظائف النوعية تذهب إلى أجانب، فيما يبقى هو أمام خيار البطالة، أو العمل في أعمال خدمية قاسية بأجور محدودة، أو الهجرة إن استطاع إلى خارج البلاد.
معالجة تدريجية لا مغامرة ارتجالية
رغم كل هذه الاختلالات، يحذّر الخبراء من التعامل مع ملف العمالة الأجنبية بعقلية القرار الفجائي أو الشعاراتية السياسية؛ فالصناعة النفطية تقوم على تشغيل متواصل ومعقّد، وأيّ خطوة غير مدروسة لاستبدال الكوادر الأجنبية فورًا قد تعرّض بعض الحقول لمخاطر تشغيلية أو تعاقدية.
الخزعلي يدعو إلى مسار إصلاح تدريجي يقوم على عدّة خطوات متكاملة، أوّلها “تضمين بنود تدريب وتأهيل الكوادر العراقية ضمن العقود المبرمة مع الشركات الأجنبية، لتمكينهم من شغل الوظائف التقنية المتقدّمة في قطاع النفط”. ويشدّد على ضرورة أن تكون هذه البنود واضحة ومحدّدة زمنيًا، مع ربط جزء من مستحقات الشركات بمستوى تنفيذ برامج التدريب ونِسَب إحلال العراقيين في المواقع الفنّية.
الخطوة الثانية تتمثّل في إنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة للكوادر العراقية المؤهّلة في مجالات النفط والغاز، وربطها بعقود الشركات والوظائف المتاحة في الحقول، بحيث لا يُسمَح باستقدام عامل أجنبي لوظيفة معيّنة إلّا بعد التأكّد من عدم وجود بديل عراقي مؤهّل لها، مع نشر هذه المعايير بشفافية للرأي العام.
أمّا الخطوة الثالثة فتتعلّق بتشديد الرقابة على نسب العمالة العراقية داخل كل حقل ومشروع، من خلال فرق تفتيش مشتركة بين وزارة النفط ووزارة العمل والحكومات المحلية، وفرض غرامات أو جزاءات حقيقية على الشركات التي تُخالِف النِّسَب المتفق عليها، بدل الاكتفاء بالتنبيهات الشكلية.
بين الحاجة التقنية والحقّ في العمل: أيّ معادلة ممكنة؟
في النهاية، لا يمكن إنكار أن جزءًا من العمالة الأجنبية في الحقول النفطية جاء لسدّ فجوات حقيقية في الخبرة والتقنية، لكن استمرار هذا الواقع لعقود من دون استراتيجية واضحة لنقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية يحوّل “الحاجة المؤقتة” إلى تبعية دائمة.
السؤال المطروح اليوم ليس إن كانت هناك حاجة إلى خبرات أجنبية في بعض المفاصل، بل: كيف يمكن تحويل هذه الحاجة إلى فرصة لتأهيل العراقيين، بدل أن تكون بابًا مستمرًا لخروج الأموال والفرص إلى الخارج؟ وكيف يمكن إعادة صياغة العقود والآليات بحيث يصبح كلّ خبير أجنبي جزءًا من برنامج تدريب ونقل خبرة، لا منافسًا دائمًا للعراقي على وظيفته في بلده؟
ما يطرحه الخزعلي، وغيره من الخبراء، يذهب في هذا الاتجاه: لا دعوة إلى قطيعة كاملة مع العمالة الأجنبية، بل إلى تنظيمها ضمن إطار واضح يجعلها مرحلة انتقالية نحو صناعة نفطية يقودها العراقيون في أغلب مستوياتها، من الحفر إلى الإدارة. بين بطالة الشباب، وتحدّيات الموازنة، وضغوط الشارع في المحافظات المنتجة، تبدو إعادة فتح هذا الملف، بشجاعة وهدوء في آن واحد، جزءًا من أيّ حديث جدي عن إصلاح اقتصادي حقيقي، لا عن مجرّد أرقام في بيانات أو وعود على الورق.
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم