+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
في بلدٍ تهتزّ عملته بين فترة وأخرى، وتتصاعد فيه مخاوف الناس من التضخّم وضياع قيمة المدّخرات، يتحوّل الذهب إلى ملاذ نفسي قبل أن يكون ملاذًا اقتصاديًا. في أسواق إقليم كردستان وباقي محافظات العراق، بات مشهد الازدحام أمام محال الصاغة أمرًا اعتياديًا؛ عرائس يحاولن تأمين “مهر محترم”، وعوائل تبني ذهب البنات “سِتر للمستقبل”، ومدّخرون صغار يهربون من تقلّبات الدينار إلى لمعان السبيكة والخاتم والسوار.
لكن مع ارتفاع الأسعار، ظهر نوع جديد من التعاملات: عربون لحجز الذهب، دفعات مؤجّلة، أقساط على أشهر، ودفاتر “أمانات” تُفتح بين الصائغ والمشتري، في ظلّ جهل واسع بالحكم الشرعي الدقيق، واستغلال واضح من بعض أهل المصلحة لهذه الفجوة. بين الحاجة إلى التحوّط المالي، والخوف من الوقوع في الربا، وجد كثير من العراقيين أنفسهم في منطقة رمادية عنوانها: هل ما نفعله حلال أم حرام؟
شيركاوي: ما يجري في الأسواق يدخل في المحظورات الشرعية الواضحة
الدكتور عبد الله شيركاوي، المتحدث باسم اتحاد علماء الدين الإسلامي في كردستان، يضع الأمور في إطار حادّ وصريح. يقول في تصريح خاص لـ”بغداد اليوم”: “شهدنا الكثير ممّا يحدث في الأسواق في إقليم كردستان والعالم من حيث الإقبال على الذهب، وهو ما أدّى إلى رفع أسعاره نتيجة زيادة الطلب. ومع ذلك، ظهرت تعاملات حالية تشمل دفع مقدمات كعربون أو دفعات أقساط لاحقة لحجز كمية الذهب المراد شراؤها وعدم تفويتها، واستلام كامل الأموال لاحقًا، وهذا يُعد من المحظورات الشرعية الواضحة”.
ويضيف أنّ الشرع الإسلامي وضع ضوابط صارمة لبيع الذهب بالنقود أو بالذهب لمنع الوقوع في التعاملات الربوية، ومن أهم هذه الضوابط: وجوب التقابض الفوري كما ورد في الحديث الصحيح، أي يدًا بيد.
وعليه – كما يوضح شيركاوي – يجب أن يتم استلام الذهب وتسليم الثمن كاملًا في نفس مجلس العقد. ولا يجوز بأي حال التأجيل في الاستلام أو التسليم، أو فصل أحدهما عن الآخر، فبمجرد الافتراق بين المشتري والبائع دون تقابض، تقع المعاملة في المحظورات الشرعية.
ما يفعله كثير من الناس اليوم – دفع “مقدّم” لحجز الذهب على سعر اليوم، مع استكمال المبلغ بعد أسبوع أو شهر، ثم استلام الذهب لاحقًا – لا يدخل في باب البيع الشرعي المعتبر، بل هو أشبه بعقد معلّق على ثمن غير مقبوض، وسعر غير مستقر، وذهب لم يُقبض بعد، وكلّ ذلك يفتح باب الربا والنزاع.
المجلس الأعلى للفتوى يحسم: بيع الذهب بالقرض بالدينار العراقي “غير جائز شرعًا”
هذا الجدل لم يبقَ في حدود الوعظ الفردي، بل وصل إلى أعلى جهة إفتائية في الإقليم. فقد أصدر المجلس الأعلى للفتوى فتوى مفصّلة بعد توارد أسئلة كثيرة من المواطنين، نصّها:
قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (سورة النحل: 43)
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
بعد صدور فتوى المجلس الأعلى للفتوى رقم (163) بتاريخ 23/12/2025، تم توجيه عدّة استفسارات من المواطنين إلى المجلس، بهدف توضيح الحكم الشرعي وإصدار الفتوى الرسمية بشأن:
-بيع الذهب بالقرض بالدينار العراقي، بمعنى أنّ المال غير موجود أو لم يُستكمل بعد.
-إمكانية العمل بهذه الفتوى اعتمادًا على الحساب بالكيل والوزن.
-جواز عقد المعاملة بالقرض.
وجاء الجواب الرسمي كالآتي: بيع الذهب بالقرض بالدينار العراقي غير جائز شرعًا، لأنّه يدخل في باب الربا المحظور. فالشراء والبيع في الذهب والفضة يجب أن يكون يدًا بيد، وإلا وقع حكم الربا.
واستشهدت الفتوى بقول النبي ﷺ: “الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ”، لكن الفتوى لم تغلق الباب أمام المحتاج، بل أوضحت:
-يجوز شرعًا لمن يحتاج إلى شراء الذهب ولا يملك المبلغ نقدًا أن يأخذ دينارًا بالقرض ثم يشتري الذهب به لاحقًا، بشرط أن يكون القرض منفصلًا عن عقد البيع، بلا زيادة مشروطة ولا منفعة للمُقرِض.
-أو يقترض ذهبًا بالمقدار ذاته ثم يعيده بالكمية نفسها لاحقًا، من غير زيادة، ومن غير ربط ذلك بسعر اليوم أو الغد.
كما أكّد المجلس أنّ الفتاوى التي تعتبر الذهب والفضة مجرّد “سلعة حسابية” لا تجري عليها أحكام الربا فتاوى ضعيفة، ولا يجوز العمل بها، لأنّ نصوص الشرع صريحة في إلحاق النقدين (الذهب والفضة) بأحكام خاصة، تختلف عن سائر السلع.
بهذا تكون الجهة الإفتائية قد قطعت الطريق على كل المحاولات الالتفافية التي يحاول بعض التجّار أو الوسطاء تسويقها بعبارات من قبيل: “هذه ليست معاملة ربوية، هذا مجرد حجز”، أو “سجّلنا لك الذهب في الدفتر”، أو “ثبتنا السعر، والباقي على راحتك”.
كيف يستغل بعض تجّار الذهب جهل الناس بالحكم الشرعي؟
في الواقع، المشكلة ليست في النصّ الشرعي بقدر ما هي في جهل الناس وتلاعب بعض أهل السوق. كثير من المواطنين لا يسألون قبل الإقدام على هذه المعاملات؛ بعضهم يظنّ أنّ “العربون” أو “دفتر الحساب” يحلّ الإشكال، وبعضهم يطمئن إلى أنّ “الناس كلّها تفعل نفس الشيء”، فيسير مع التيار.
من جهة أخرى، بعض تجّار الذهب يستغلّون هذه الفجوة عبر:
-الترويج لصيغ “حجز الذهب” مقابل مبلغ بسيط، مع استكمال الباقي لاحقًا، مع أنّ العقد الشرعي لم يكتمل أصلًا.
-تدوين كميات الذهب في دفاتر أو رسائل “واتساب” بوصفها “أمانات”، مع بقاء الذهب في حوزة الصائغ واستمرار تقلّب الأسعار.
-اللعب على المصطلحات: فيسمّي الربح الإضافي “أجور صياغة”، أو “فرق سعر”، أو “تعويض تأخير”، بينما هو في الحقيقة زيادة على مبلغ غير مقبوض، تدخل في باب الربا الواضح.
هذه الصيغ – مهما تنوّعت أسماؤها – تجمعها نقطة واحدة خطيرة: لا يوجد تقابض حقيقي كامل في مجلس العقد، بل يوجد وعد غير منجز، وثمن غير مقبوض، وذهب غير مسلّم، وسعر متقلّب يُبنى عليه الربح والخسارة.
البعد الاقتصادي والاجتماعي: خوف مشروع، وطريق خاطئ لمعالجته
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الخوف الحقيقي الذي يعيشه الناس من انهيار قيمة الدينار، أو من تقلّبات الأسواق، أو من صعوبة ادّخار مبالغ كبيرة في البنوك. الذهب، في ثقافة العراقيين، ليس زينة فقط؛ هو “مهر”، و”سترة”، و”ضمان”، و”أرشيف أمان” داخل البيت.
حين ترتفع الأسعار بسرعة، يتسابق الناس لحجز ما يستطيعون قبل أن يقفز السعر أكثر، فيندفعون إلى صيغ التقسيط والعربون والحجز، ظنًّا أنّهم يحمون أنفسهم من الغلاء، بينما هم في الحقيقة:
-يضعون أموالهم في معاملات غير منضبطة شرعًا.
-يعرّضون أنفسهم لنزاعات مستقبلية لو اختلفوا مع الصائغ على السعر أو الوزن أو التصميم.
-يساهمون، من حيث لا يشعرون، في تغذية موجة المضاربات والاحتكار في سوق الذهب، إذ يمنحون بعض التجّار قدرة على “حجز” كميات افتراضية من الذهب على الورق، دون أن يغادر الذهب واجهات المحال.
من جهة أخرى، فإنّ ضعف الثقة بالقطاع المصرفي وقلّة الأدوات الادّخارية الشرعية والمضمونة، يدفع الناس دفعًا نحو الذهب والعقار، ولو بطرق غير صحيحة. وهنا يصبح الفراغ المؤسّسي والرقابي جزءًا من المشكلة، لا مجرّد سياق محايد.
ما البدائل الشرعية والواقعية أمام المواطن؟
فتوى المجلس الأعلى للفتوى، وشرح الدكتور شيركاوي، لا يكتفيان بحكم “لا يجوز”، بل يفتحان أمام الناس أبوابًا مباحة يمكن من خلالها الجمع بين الحفاظ على المدّخرات، والالتزام بأحكام الشرع، وأهمها:
-الفصل التام بين القرض والبيع: من احتاج إلى الذهب ولا يملك ثمنه كاملًا، يمكنه أن يأخذ قرضًا نقديًا حلالًا (من شخص أو جهة لا تشترط زيادة ولا منفعة)، ثم يذهب بعد ذلك إلى السوق ويشتري الذهب نقدًا، يدًا بيد. هنا يكون عقد القرض شيئًا، وعقد البيع شيئًا آخر، ولا ربط بينهما في السعر أو المنفعة.
-الاقتراض بالذهب نفسه، لا بالدينار: من كان له قريب أو صديق يملك ذهبًا، يمكنه أن يقترض منه مقدارًا محددًا، ثم يعيده بمثله وزنًا ونوعًا لاحقًا، من غير زيادة. هذه الصيغة تحافظ على القيمة، وتبقى داخل دائرة ما أجازه الشرع، ما دامت خالية من أي شرط ربوي.
-تأجيل الشراء إلى حين اكتمال المبلغ: وهو خيار قد يبدو صعبًا في ظلّ ارتفاع الأسعار، لكنّه أكثر أمانًا للدين والذمّة من صيغ ظاهرها “حل وسط”، وباطنها مخالفة صريحة لشروط التقابض. يمكن للمواطن أن يدّخر في صورة نقد أو سلع أخرى مباحة، إلى أن يكتمل المبلغ، ثم يشتري الذهب مباشرة.
-الضغط باتجاه صيغ تمويل شرعية منظّمة: هنا يأتي دور البنوك والمؤسّسات المالية الإسلامية لتقديم صيغ مرابحة منضبطة، تشتري فيها الجهة المموّلة الذهب لنفسها أولًا، ثم تبيعه للمواطن بثمن معلوم، مقسّط، بعد أن يدخل الذهب في ملكية الجهة المموّلة حقيقةً، لا على الورق فقط. هذه الصيغ تحتاج إلى رقابة شرعية حقيقية، لكنّها قد تكون مخرجًا مشروعًا إذا تمّت بشروطها الدقيقة.
البعد الديني والأخلاقي: ليس كل ما يطلبه السوق حلالًا
القضية في جوهرها ليست “تفصيلًا فقهيًا صغيرًا”، بل امتحان لضمير المجتمع في منطقة حساسة تجمع بين المال والدين. حين تصبح عبارة “الكل يسوي هيچ” مبرّرًا لتجاوز النصوص الصريحة، فإنّ المجتمع يتحرك خطوة إلى الوراء في احترام الحلال والحرام.
الشرع حين شدّد في مسألة الذهب والفضة و”يدًا بيد” لم يكن يضيّق على الناس عبثًا، بل كان يقفل أبواب الربا والنزاع والظلم قبل أن تُفتح. اليوم، ومع تطوّر الأدوات، تتغيّر الأسماء، لكنّ الجوهر غالبًا يبقى نفسه:
-زيادة على مبلغ لم يُقبض.
-سعر يتغيّر بين عقد وآخر.
-منفعة مضمونة لتاجر على حساب حاجة محتاج.
وكلّما زاد صمت الناس، واتّسع جهلهم، ازدادت شهوة الاستغلال عند بعض التجّار، لأنّهم يدركون أنّ الزبون لن يسأل عن الحكم، ولن يراجع عقده، ما دام “الذهب طلع من المحل وبس”.
فقه واضح وسوق مرتبكة
رسالة الدكتور عبد الله شيركاوي، وفتوى المجلس الأعلى للفتوى، واضحة لا لبس فيها: بيع الذهب بالدَّين، أو بالعربون مع تأجيل التسليم أو الثمن، أو بالقرض بالدينار العراقي مع عدم التقابض الفوري، كلّه يدخل في دائرة المحظورات الشرعية.
الطريق المباح موجود: إمّا قرض نقدي منفصل ثم شراء نقدي، أو اقتراض ذهب بمثله، أو انتظار اكتمال المبلغ. يبقى السؤال الأهم: هل سيعيد الناس النظر في عاداتهم الشرائية، ويسألون قبل أن يوقّعوا؟ وهل ستتوقّف محال الذهب عن تسويق صيغ مشبوهة تستند إلى جهل الزبائن؟
ما بين حرص المواطن على حفظ ماله، وواجب التاجر في اتّقاء الربا، ودور الجهات الإفتائية في البيان، يتحدّد شكل السوق؛ إمّا سوقًا تستر الربا بأسماء جديدة، أو سوقًا تحترم النص الشرعي، وتحفظ أموال الناس وديونهم في آن واحد.
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم