+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
في الأيام الأخيرة تضجّ منصات التواصل الاجتماعي بأخبار متداولة عن “قطع السلة الغذائية”، أو “إيقافها بعد رمضان”، أو “تقليص مفرداتها” بشكل واسع، ما أثار قلق شريحة كبيرة من المواطنين الذين يعتمدون على هذه السلة بوصفها إحدى ركائز الأمن المعيشي. وبين صور لجداول مزعومة، ومقاطع لمواطنين يشتكون من نقص بعض المواد، وتعليقات تتحدث عن “رفع الدعم” و”إنهاء البرنامج”، وجد الناس أنفسهم أمام مشهد مرتبك لا يحسمه إلا الموقف الرسمي والتحليل الهادئ.
في مقابل هذا الضجيج، تشدد الجهات الحكومية المعنية، وفي مقدمتها وزارة التجارة، على أنّ السلة الغذائية مستمرة، وأنّ الخزين متوفر، ولا يوجد أي قرار بإيقافها أو إلغائها، مع التأكيد على استمرار توزيع مفرداتها عبر منافذ الوكلاء وبالجداول المعتمدة. البيانات الرسمية تتحدّث عن استمرار تجهيز المواد الأساسية، وتحذّر في الوقت نفسه من الانجرار وراء الأخبار التي تُنشر بلا مصدر واضح على مواقع التواصل، والتي تروّج لفكرة “إيقاف السلة” أو “حذف موادها بالكامل” من دون الاستناد إلى قرارات حكومية فعلية.
في خلفية هذا الجدل تقف مجموعة من الإجراءات الحكومية التي استُخدمت، أحيانًا، خارج سياقها. الحديث عن “ترشيد الدعم”، أو “إعادة تنظيم آلية التوزيع”، أو “ربط الاستفادة بمستوى الدخل”، تحوّل على المنصات الرقمية إلى إثبات على “نيّة رفع السلة”، رغم أنّ جوهر هذه الخطوات، بحسب ما يرد في التصريحات الرسمية، يدور حول إعادة توجيه الدعم باتجاه الفئات الأشدّ فقرًا، وليس إعلانًا عن إنهاء البرنامج. تقليص عدد السلات السنوية في بعض المقترحات، أو مراجعة معايير الشمول، لا يعنيان إلغاء السلة، بل محاولة لجعلها أكثر استهدافًا وأقل هدرًا، مع بقاء مبدأ الدعم قائمًا.
السلة الغذائية، في صورتها الحالية، ليست مجرّد صندوق مواد يوزَّع بين الحين والآخر، بل واحدة من أهم أدوات الاستقرار المعيشي التي تعوّد عليها العراقيون منذ عقود. فمنذ سنوات الحصار والحروب، شكّلت الحصة التموينية وما تطوّر عنها لاحقًا إلى نموذج السلة الغذائية خط دفاع أساسيًا أمام ارتفاع الأسعار وتقلبات الأسواق، ووفّرت حدًّا أدنى من الأمن الغذائي لملايين الأسر ذات الدخل المحدود. ورغم الانتقادات المتكررة لنوعية بعض المواد أو انتظام التوزيع، ظلّت هذه السلة بالنسبة إلى شرائح واسعة ضمانة ملموسة في مواجهة موجات الغلاء العالمية وانخفاض القدرة الشرائية.
في هذا السياق، يرى كثير من المتابعين أنّ أي حديث عن “رفع السلة” يُستقبل تلقائيًا على أنّه مساس مباشر بقوت الفئات الهشّة، ولذلك تتحوّل الشائعة في هذا الملف بسرعة إلى حالة قلق عام، خصوصًا عندما تتزامن مع ارتفاع أسعار بعض السلع في السوق أو نقص مؤقت في مفردات بعينها بسبب مشكلات لوجستية أو تعاقدية. ضعف التواصل الإعلامي أحيانًا، وغياب الشرح التفصيلي المسبق لبعض القرارات، يتركان فراغًا تملؤه التأويلات، فتختلط بين إجراءات تنظيمية، وبين قرارات غير موجودة أصلًا عن إيقاف أو إلغاء.
الخبير الاقتصادي احمد عبد ربه يؤكد، في حديثه لـ”بغداد اليوم”، أنّ نقطة البداية في قراءة المشهد يجب أن تكون واضحة وحاسمة، فيقول إنّ “السلة الغذائية مستمرة ولن تتوقف، ولا توجد أي مشكلة في تجهيزها أو توزيع مفرداتها، وهي تمثل اليوم أحد أهم أدوات الاستقرار المعيشي في البلاد. فهذه السلة تسهم بشكل مباشر في الحفاظ على أسعار المواد الأساسية داخل الأسواق، وتحدّ من حالات الارتفاع غير المبرر، لأنها توفّر بديلًا مضمونًا يخفف الضغط عن المواطنين ويمنع الاحتكار والمضاربة”.
ويمضي عبد ربه موضحًا أنّ استمرار العمل بالسلة الغذائية “يعكس التزام الدولة بتأمين الأمن الغذائي، خصوصًا في ظل التقلبات الاقتصادية وارتفاع الأسعار عالميًا، إذ تؤدي دورًا مهمًا في حماية القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود، وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية لكل أسرة”. من هذا المنظور، فإنّ أي مساس جوهري بالسلة سيكون له ثمن اجتماعي واقتصادي مرتفع، وهذا ما يجعل الجهات الرسمية حريصة على نفي ما يُثار حول الإيقاف أو القطع الشامل، والتركيز بدلًا من ذلك على فكرة إعادة الضبط والتنظيم.
لكنّ الخبير لا يتوقف عند حدود الدفاع عن استمرار البرنامج، بل يفتح الباب أمام نقاش إصلاحي أوسع، فيقترح “أن يجري توجيهها بشكل أكثر دقة نحو العوائل المشمولة بشبكة الحماية الاجتماعية والعوائل الفقيرة وذات الدخل المحدود، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين، وتحقيق عدالة أكبر في التوزيع، فضلًا عن تقليل الهدر وتعظيم الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه المبادرة”. بهذا الطرح، تصبح السلة الغذائية أداة دعم ذكية، لا منفعة عامة مبعثرة توزَّع بالتساوي بين من يحتاج ومن لا يحتاج، فتضيع الموارد ويتراجع أثر البرنامج في حماية الأضعف.
ويشير عبد ربه إلى أنّ “الدعم حين يكون موجّهًا ومدروسًا، يكون أكثر فاعلية واستدامة، ويسهم في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة بالإجراءات الحكومية، مع الحفاظ على توازن السوق وحماية الأسعار من التقلبات”. فالمواطن، كما يوضح، لا يريد فقط استمرار السلة من حيث المبدأ، بل يريد أن يشعر بأنّ هذه السلة تُدار بعدالة وشفافية، وأنّ المواد تصل إليه في وقتها وبجودة مقبولة وكميات معقولة، وأنّ الدولة، في المقابل، لا تهدر المال العام في دعم لا يفرّق بين الغني والفقير.
في الخلاصة، تظهر الصورة على النحو الآتي: السلة الغذائية قائمة ولم يصدر قرار بإلغائها أو وقفها، لكنّ الدولة تسعى، تحت ضغط الأوضاع المالية والاقتصادية، إلى إعادة تنظيم آليات الدعم وتوجيهه. وبين ضجيج الشائعات، وحرص الحكومة على طمأنة الشارع، يقف ملف السلة في نقطة حساسة، تجعل أي نقص في التوضيح الرسمي وقودًا لموجة جديدة من الأخبار المتداولة. المسار الأكثر عقلانية، كما يراه الخبراء، هو الجمع بين ضمان استمرار السلة بوصفها صمام أمان معيشي، وبين تطويرها لتصبح أكثر عدالة واستهدافًا، بحيث تبقى أداة حماية حقيقية للفقراء، لا مادة إضافية لسجالات مواقع التواصل.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات