قراءة في أبعاد زيارة محافظ البنك المركزي لأربيل وآفاق الاستقرار المالي بين المركز والإقليم » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بقلم: فينوس بابان كاتبة وباحثة سياسية

يعيش العراق اليوم في مطلع عام 2026 لحظة فارقة بين طموحات البناء وشبح الانسداد السياسي. فبينما تحاول القوى السياسية في بغداد فك شفرة تشكيل الحكومة الجديدة بعد مخاض انتخابي عسير تبرز العلاقة بين العاصمة الاتحادية وإقليم كوردستان كأهم ترمومتر لقياس قدرة الدولة على البقاء ككيان موحد وقوي. إن استقرار العراق لا يُقرأ اليوم من خلال تسوية الخلافات العابرة فحسب بل من خلال بناء جسور وظيفية تحول التعددية الإدارية إلى قوة استراتيجية شاملة.

الواقع الراهن وتناقضات المسار الدستوري

يمر العراق بحالة من الاستقرار الهش؛ فمن جهة هناك نهضة عمرانية ومشاريع استراتيجية كبرى ومن جهة أخرى نجد فجوات في تطبيق الدستور أدت إلى تباين في المواقف بين بغداد وأربيل. إن تأخير تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي واللغط المستمر حول مستحقات رواتب موظفي الإقليم يمثلان الخرق الدستوري الأكبر الذي يهدد السلم المجتمعي. هذه التناقضات لم تعد مجرد نصوص قانونية بل تحولت إلى عوائق ذهنية تمنع الدولة من استثمار كامل طاقتها.

إي-بسولة.. بروتوكول الثقة الرقمية وبناء السيادة المشتركة

وسط هذا الضجيج السياسي جاءت المبادرة النوعية لرئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني بإطلاق مشروع إي-بسولة E-Psule للوصل الإلكتروني وبحضور لافت لمحافظ البنك المركزي العراقي السيد علي العلاق. لم يكن هذا الحدث مجرد تحديث تقني بل كان منصة لإعلان سيادي عن ولادة لغة تخاطب مالية موحدة بين بغداد وأربيل حملت رسائل بالغة الأهمية.

لقد وضع السيد مسرور بارزاني النقاط على الحروف برؤية دبلوماسية ثاقبة؛ حين أشار إلى أن إي-بسولة هي وثيقة شفافية يقدمها الإقليم للمركز وللمجتمع الدولي. رسالته كانت حازمة إننا نؤسس لبيئة مالية لا تقبل التأويل ونزيل بالتقنية كل الذرائع التي كانت تُستخدم لعرقلة استحقاقات شعبنا مؤكدين أن نجاح الإقليم في الرقمنة هو قوة وسند للنظام المالي الاتحادي.في المقابل حملت كلمات السيد علي العلاق اعترافاً مؤسسياً صريحاً حيث لم يرَ في رقمنة الإقليم استقلالاً مالياً بل ركيزة للسيادة الوطنية. فقد أكد أن انسجام أنظمة الإقليم مع معايير البنك المركزي هو المسار الوحيد لتحقيق الشمول المالي وحماية الاقتصاد العراقي معتبراً تجربة الإقليم مختبراً ناجحاً يُحتذى به لتعزيز الثقة بين السلطات النقدية والمالية.

أزمة تشكيل الحكومة ومخاوف الفراغ

تكمن المخاوف الحقيقية في أن يؤدي الانسداد في بغداد إلى إضعاف الموقف الوطني أمام التحديات الإقليمية. إن العراق سيكون آمناً فقط إذا تحول الإقليم من طرف يُطلب منه التنازل إلى شريك يُطلب منه الإسهام في الحل. إن أي محاولة لإضعاف المركز المالي أو الأمني للإقليم هي بالضرورة إضعاف لخاصرة الدولة العراقية بينما التكامل الأمني بين الجيش والبيشمركة هو الضمانة الوحيدة لمنع عودة التنظيمات الإرهابية في مناطق الفراغ.

الرؤية التحليلية.. تغيير التقنية الذهنية

يشير الخبراء والباحثون إلى أن العائق الأكبر أمام عراق قوي ليس نقص الموارد بل أزمة الثقة. إن الانتقال من عقلية اللعبة الصفرية حيث يرى البعض أن قوة الإقليم هي ضعف للمركز إلى عقلية المنفعة التبادلية هو المخرج الوحيد. إن نموذج الإقليم في جذب الاستثمار الأجنبي وبناء المؤسسات الرقمية يجب أن يُنظر إليه كـ رأس جسر تعبر من خلاله الدولة نحو الحداثة الاقتصادية.

رسالتنا الختامية إن قوة العراق ليست في خضوع طرف لآخر بل في شراكة الأقوياء؛ حيث بغداد هي العمق الدستوري والسياسي وأربيل هي المحرك التنموي والتقني. لقد نجحت إي-بسولة في خلق لغة مشتركة قدمت فيها أربيل الشفافية الرقمية مقابل نيل الثقة السيادية من بغداد. فلنجعل من هذا التعاون التقني بداية لعهد الجمهورية الرقمية المستقرة ولنبرهن للعالم أن العراق قوي بتنوعه ومنيع باتحاده الدستوري.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *