غياب محاسبة “واجهات داعش السياسية” جعلها تشعر بالحصانة- عاجل » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

مع كلّ موجة توتّر تضرب الشرق الأوسط، يعود العراق إلى الواجهة بوصفه الساحة الأكثر حساسية في حسابات اللاعبين الكبار. أساطيل أمريكية تقترب من مياه المنطقة، رسائل نارية بين واشنطن وطهران، إعادة ترتيب للأوراق في سوريا، ونقل آلاف السجناء من عناصر تنظيم داعش من مخيمات الشمال السوري إلى السجون العراقية؛ كلّ ذلك يجعل أيّ خلل أمني أو سياسي في بغداد مرشّحًا للتحوّل إلى شرارة تهزّ الداخل والإقليم معًا.

في قلب هذا المشهد، تبرز أسئلة ثقيلة: هل يتّجه العراق إلى جولة جديدة من “الحرب بالوكالة” بين القوى الإقليمية والدولية؟ هل أغلقت البلاد فعلًا ملفّ داعش، أم أنّ امتدادات التنظيم، ومن يقف وراءه من واجهات سياسية ودينية وإعلامية، ما تزال قادرة على إعادة إنتاج الخطر إذا اختلطت أوراق الأمن بالسياسة من جديد؟ وكيف يمكن للدولة أن تدير ملفّ السجناء العائدين من سوريا، وتمنع تحوّله إلى ثغرة أمنية أو ورقة ابتزاز سياسي على حساب أمن المحافظات التي دفعت الثمن الأكبر سابقًا؟

عن هذه الأسئلة، وعن دور “الواجهات السياسية” التي وفّرت غطاءً للتيارات المتطرّفة قبل صعود داعش ثم حاولت إعادة تدوير نفسها بعد الهزيمة العسكرية للتنظيم، تحدّث المحلّل السياسي سيف الهاشمي في حوار خاص مع “بغداد اليوم”، متناولًا تعقيدات المشهد الإقليمي، وخطر تسييس ملفّ السجناء، وحدود مسؤولية الدولة والقوى السياسية والمجتمع في منع تكرار سيناريو السنوات السوداء.

بداية.. كيف تقرأون المشهد الإقليمي اليوم في الشرق الأوسط، مع كل ما نراه من تصعيد عسكري وحديث عن حوارات في الوقت نفسه؟

الهاشمي: المشهد في الشرق الأوسط اليوم معقّد إلى درجة لا تسمح بأي تنبؤ بسيط بما سيحصل في الأيام المقبلة. نحن أمام مشاكل مركّبة على مستويين؛ مستوى الإقليم ككل، ومستوى كل دولة على حدة. إذا أخذنا سوريا نموذجًا، فما يجري هناك الآن ليس مجرد أحداث متفرّقة، بل “ترتيب أوراق” لمرحلة قادمة؛ تنازلات في جانب مقابل مكاسب في جانب آخر، وإعادة توزيع للأدوار بين اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين.

الأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين إيران وأمريكا. نرى إدارة الرئيس دونالد ترامب تحرّك أساطيل كبيرة ومميّزة نحو المنطقة، وفي الوقت ذاته تفتح باب الحوارات. هذا التناقض الظاهري – الجمع بين التصعيد العسكري والحديث عن التفاوض – يثير الريبة؛ لأنّه يعكس عقلية سياسية تتعامل مع المنطقة بوصفها ساحة ضغط متعدّد الأدوات، لا بوصفها منظومة دول لها سيادة وحسابات داخلية معقّدة.

اللافت أيضًا أنّنا شهدنا في أكثر من محطة مواقف سعودية وتركية وإيرانية متقاربة أو متقاطعة في رفض كثير من سياسات ترامب، التي بدت أحيانًا أقرب إلى القرارات الانفعالية المتأثرة بلوبيات صهيونية، منها إلى أن تكون سياسات مدروسة محكومة برؤية إستراتيجية. حين نلاحظ سلوك هذه الإدارة، نكاد لا نجد احترامًا حقيقيًا للبروتوكولات والمواثيق الدولية، أو لآليات العمل الجماعي عبر الأمم المتحدة. هناك تعامل مع أمريكا بوصفها “المهيمن الوحيد” الذي يحقّ له أن يأمر دول الشرق الأوسط بالانصياع، بعيدًا عن أي غطاء قانوني دولي.

وسط هذا التعقيد، أين يقف العراق؟ وهل ما زال مهدّدًا بأن يكون ساحة حرب بالوكالة كما حصل سابقًا؟

الهاشمي: العراق موجود في قلب هذه المعادلة، شاء من شاء وأبى من أبى. موقعه الجغرافي، وثقله السكّاني، ووزنه الاقتصادي في ملفّات النفط والغاز والتجارة، كلّها عوامل تجعله محورًا أساسيًا في أيّ ترتيبات تخصّ الشرق الأوسط. السؤال الأخطر بالنسبة لنا اليوم ليس فقط: كيف تتصارع أمريكا وإيران أو غيرهما؟ بل: هل سيبقى العراق يخوض الحروب بالوكالة عن الآخرين؟

لدينا شعب منهك من الحروب، واقتصاد مهدّد عند كل موجة توتّر، وبنى تحتية بدأت الآن فقط تحاول اللحاق بما وصلت إليه بلدان أخرى، بينما تُفرَض علينا حسابات صراع لا نملك فيها – حتى الآن – قرارًا وطنيًا مستقلًا بالكامل. المواطن العراقي اليوم يبحث عن استقرار حقيقي، لا عن دور “الملعب المفتوح” الذي يتصارع عليه الآخرون.

تحدّثتم عن أنّ “أخطر ملف” على العراق اليوم هو ملف نقل سجناء داعش من سوريا إلى العراق. لماذا ترونه أخطر الملفات؟

الهاشمي: هذا الملف يحمل وجهين في آن واحد. من جهة، هو خطوة إيجابية ومهمّة جدًا للدولة العراقية ولضحايا الإرهاب؛ لأنّ أغلب هؤلاء السجناء ارتكبوا جرائمهم على الأرض العراقية، وبالذات في المناطق السنيّة، وهم مطلوبون بالحقّ العام وبالحقّ الشخصي لأهالي الضحايا، من قتل وذبح وتهديد وتهجير خلال السنوات السوداء التي تمدّد فيها التنظيم.

نقل هؤلاء إلى العراق يعني أنّ لدينا فرصة حقيقية لاستكمال التحقيقات، وكشف مصير عشرات الجرائم التي أُغلق ملفّها ظاهريًا بسبب اختفاء الفاعلين في الأراضي السورية. من الناحية الأمنية البحتة، هذه خطوة متقدّمة؛ لأنّ العراق يمسك بمجاميع مطلوبة عراقيًا ودوليًا، وتحديدًا مطلوبة للعدالة العراقية قبل غيرها.

لكن الوجه الآخر – وهو الذي أعتبره الأخطر – يرتبط بسيناريوهات المستقبل، لا بالحاضر فقط. الخطر لا يأتي من وجودهم خلف القضبان الآن، بل من احتمال حصول تطوّر عسكري كبير في المنطقة: حرب بين أمريكا وإيران، أو بين أمريكا ودولة أخرى في الإقليم، أو خرق أمني لمراكز احتجاز هؤلاء السجناء، بسبب هجوم منظم أو ضعف في إجراءات الحماية. عندها سنكون أمام تهديد مباشر وحقيقي بعودة الخطر نفسه، وربما بشكل أعنف.

ماذا لو وقع خرق أمني أو تطوّر عسكري مفاجئ؟ ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك للمناطق التي عانت سابقًا من سيطرة داعش؟

الهاشمي: إذا حدث – لا قدّر الله – أيّ خرق أمني في مراكز احتجاز هذه المجاميع، أو تزامن توتّر إقليمي كبير مع هجمات تستهدف السجون أو المعسكرات التي يُحتجَز فيها عناصر داعش، فسيجد العراق نفسه أمام موقف بالغ الحرج.

المناطق السنّية ستكون الأكثر تهديدًا؛ لأنّ هذه المجاميع تعرف جغرافيّة تلك المحافظات بشكل دقيق، وقد استولت عليها سابقًا، وتملك شبكات علاقات وخبرات ميدانية هناك. نحن لا نتحدّث عن “غرباء” يدخلون أرضًا جديدة، بل عن عناصر سبق أن حكموا هذه المدن بالقوّة، ويعرفون تضاريسها وتفاصيلها الاجتماعية. أيّ انهيار في ملفّ الاحتجاز أو سوء إدارة لهذا الملف يمكن أن يتحوّل إلى إعادة إنتاج كاملة لظروف عامي 2013–2014، مع كلّ ما يحمله ذلك من كوارث على الأهالي وعلى الدولة معًا.

لهذا، التعامل مع هذا الملف يجب ألا يكون روتينيًا؛ نحن بحاجة إلى أعلى درجات التحوّط الأمني، إلى جانب مسار قضائي واضح وشفّاف يضمن الحقوق، ويمنع في الوقت نفسه أيّ استغلال لهذا الملف سياسيًا أو أمنيًا.

لننتقل إلى السؤال الأخطر: كثيرون يتحدّثون عن “واجهات سياسية” وفّرت الغطاء للتيارات المتطرّفة التي انتهت بتنظيم داعش. كيف تقرأون دور هذه الواجهات اليوم؟ وهل اختفت فعلًا؟

الهاشمي: بصراحة، داعش لم ينبت من فراغ. قبل أن تظهر الرايات السود على أسطح المباني، كان هناك من يصنع الأرضية الاجتماعية والسياسية والفكرية التي تسمح لهذا النوع من التنظيمات أن ينمو. “الواجهات السياسية” التي تتحدّث عنها لم تكن مجرد أسماء في البرلمان أو شخوصًا في الفضائيات؛ كانت شبكة من أحزاب، وشخصيات، ومنابر دينية، وقنوات إعلامية، وأحيانًا منظمات مجتمع مدني، تبنّت – بشكل مباشر أو غير مباشر – خطابًا يشرعن التطرّف، أو يبرّر العنف، أو يوفّر حماية سياسية وإعلامية للمتطرّفين.

في لحظة ما، رأينا كيف تحوّلت مطالب احتجاجية مشروعة في بعض المحافظات إلى منصّة يجري من خلالها تلميع شخصيّات متطرّفة، ومنحها صفة “القيادة الممثّلة لمكوّن معيّن”. رأينا أشخاصًا يهاجمون الدولة ليل نهار، ويتغاضون في الوقت نفسه عن سلوك الجماعات المسلّحة في مدنهم، بل يدافعون عنها تحت عناوين “الثوار” و”أبناء العشائر”. رأينا من يتدخّل لإخراج موقوفين متّهمين بالإرهاب، أو يضغط لتعطيل عمليات أمنية حساسة، أو يرفع سقف الخطاب الطائفي إلى درجة جعلت الشارع مهيّئًا نفسيًا لقبول المغامرة المسلّحة.

اليوم، كثير من هذه الواجهات لم تختفِ؛ بعضها غيّر اللغة فقط، لا القناعات، وأعاد تسويق نفسه بملفّات جديدة وشعارات “معتدلة”. هناك أسماء خرجت من الباب الأمني لتعود من النافذة السياسية أو الإعلامية. الخطر أنّ غياب المحاسبة الجادّة على مرحلة ما قبل داعش وما بعدها جعل هذه الواجهات تشعر أنّها قادرة على إعادة إنتاج نفسها في كلّ دورة، من دون أن تتحمل مسؤولية الدم الذي سُفك حين كانت تغطّي التطرّف أو تبرّره أو تصمت عنه.

هل تعتقدون أنّ خطاب هذه الواجهات تغيّر فعليًا بعد 2014، أم أنّنا أمام إعادة تدوير بأسماء وشعارات مختلفة؟

الهاشمي: ما أراه هو مزيج من الأمرين، لكنّ الغالب هو “إعادة التدوير”. نعم، هناك من راجع نفسه، وهناك أصوات أدركت أنّ اللعب على حافة التطرّف والطائفية قاد المجتمعات إلى كارثة. لكن في المقابل، هناك جزء غير قليل من الطبقة السياسية والإعلامية أعاد إنتاج نفسه بشعار “محاربة التطرّف”، بينما هو لم يقطع صلته بالبنية التي غذّت هذا التطرّف أصلًا.

بعض القنوات التي كانت تستضيف أصوات التحريض ليلًا ونهارًا، عادت اليوم بخطاب “وحدة وطنية” لكنّها لا تزال تمنح المساحة لمن يبرّر العنف حين يتوافق مع مصالحه. بعض الشخصيات التي شاركت في صناعة بيئة التمرّد المسلّح تعود اليوم بوصفها “زعماء اعتدال” أو “ممثّلي مكوّن”، وتفاوض على حصص ومواقع، بلا أيّ اعتراف حقيقي بمسؤولياتها الأخلاقية والسياسية عمّا حدث.

الأخطر أنّ هذه الواجهات قد تحاول مرة أخرى استثمار أيّ توتّر مسلّح أو ملف حسّاس – مثل ملف سجناء داعش – للضغط السياسي أو لإعادة حشد الشارع، كما حصل عام 2013 حين تحوّلت منصّات الاحتجاج في بعض المناطق من فضاء لمطالب مشروعة إلى سلّم صعدت عليه التيارات المتطرّفة. من دون بناء ذاكرة جمعية نقدية لما جرى، ومن دون قرارات واضحة تفصل بين “التمثيل السياسي” و”التغطية على العنف”، سنظلّ في دائرة إعادة تدوير الأشخاص والخطابات نفسها.

في ضوء هذا، كيف يمكن للعراق أن يتجنّب تكرار سيناريو “الحرب بالوكالة” وصعود التطرّف من جديد؟ ما المطلوب من الدولة والقوى السياسية؟

الهاشمي: المطلوب أوّلًا أن تعلن الدولة، بوضوح لا لبس فيه، أنّ أمن العراقيين – في كلّ المحافظات ومن كلّ المكوّنات – خط أحمر لا يخضع لمساومات السياسة القصيرة الأمد. إدارة ملف سجناء داعش، وإدارة الملف الأمني في المحافظات التي عانت سابقًا من سيطرة التنظيم، يجب أن تكون ضمن رؤية وطنية، لا ضمن حسابات “من يربح من هذا الملف ومن يخسر”.

ثانيًا، على الحكومة أن تنأى بنفسها عن صناعة “زعامات طارئة” لمكوّنات معيّنة، تحت عنوان التوازن أو التمثيل. هذه السياسة أنتجت في السابق واجهات سياسية استثمرت معاناة بيئاتها لتكريس نفوذها، ثمّ تركت تلك البيئات وحيدة في مواجهة داعش. الدولة يجب أن تكون راعية للمواطن، لا راعية لزعامات تُصنَع في غرف التفاوض ثم تُفرَض على الناس.

ثالثًا، هناك حاجة إلى حماية حقيقية للخطاب العام من العودة إلى لغة التحريض والكراهية. ما نسمعه اليوم من بعض السياسيين الذين يفتعلون الإشكالات ويقفون حجر عثرة أمام تشكيل الحكومة، يمكن – إذا تُرك بلا ردّ – أن يتحوّل مرة أخرى إلى خطاب يستغلّه المتطرّفون لضرب المدنيين الأبرياء، كما حصل قبل 2014.

أخيرًا.. ما رسالتكم للمجتمع، خصوصًا في المناطق التي كانت مسرحًا لجرائم داعش؟

الهاشمي: رسالتي أن لا يسمح الناس بتكرار اللعبة نفسها. التجربة التي مرّت بها المحافظات السنيّة بالذات كانت قاسية إلى حدّ لا يحتمل التكرار، ومن الظلم أن يدفع الجيل نفسه الثمن مرتين. الانتماء إلى الوطن يجب أن يكون أقوى من الانجرار وراء أيّ خطاب تعبئة يدّعي الدفاع عن “المكوّن” بينما يجرّه إلى محرقة جديدة.

على المجتمع أن يراقب خطاب من يقدّم نفسه ممثّلًا له: هل يدافع عن الدولة والقانون والحقوق، أم يغامر بدم الناس ليرفع من رصيده في التفاوض؟ وعلى الدولة، في المقابل، أن تحمي هذه البيئات من الاستغلال، وأن تثبت – بالفعل لا بالقول – أنّها دولة لجميع العراقيين، لا ساحة صراع بين الواجهات القديمة التي أعادت تدوير نفسها بشعارات جديدة.

عندها فقط يمكن القول إنّ ملفّ داعش، وسجناء داعش، والواجهات التي غذّت داعش، أصبح جزءًا من تاريخ نتعلّم منه، لا خطرًا معلقًا فوق رؤوس العراقيين في كلّ أزمة إقليمية جديدة.

كتابة: فريق التحرير



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *