على أي دستور صوّت العراقيون؟ النص الذي أقرته صناديق الاستفتاء أم “العُرف السياسي”؟



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

“الإبقاء على هذا النهج يعني الإبقاء على دائرة الإخفاق نفسها”. بهذه الجملة يلخّص الباحث في الشأن السياسي والاستراتيجي علي الصاحب مأزق الحكم في العراق منذ 2003؛ مأزقٌ لم ينشأ من نقص القوانين أو غموض النصوص، بل من التحول التدريجي للأعراف السياسية إلى سلطة بديلة تزاحم الدستور وتتفوق عليه في القرارات المصيرية. ومع كل أزمة جديدة، تتكرر النتيجة ذاتها: القواعد المكتوبة تتراجع، بينما تتقدم التفاهمات غير الدستورية لتصوغ شكل الدولة وسياساتها.

ففي كل أزمة سياسية يشهدها العراق بعد عام 2005، يتكرر السؤال ذاته: هل تُدار الدولة بالدستور أم بما تسميه الكتل “الأعراف السياسية”؟ ومع كل تجربة تشكيل حكومة، أو توزيع مناصب عليا، أو أزمة بين بغداد والإقليم، يبدو أن النصوص الدستورية تُستَحضر كشعار فقط، بينما تجري الصفقات الحاسمة في غرف مغلقة تحت عنوان “التوافق” و”الاستحقاق المكوّناتي”. هذا التراكم جعل سؤال المرجعية الفعلية للحكم في العراق سؤالاً ملحاً: من الذي يحكم حقاً، وثيقة الدستور أم تفاهمات الكواليس؟

الصاحب تحدث لـ”بغداد اليوم” وحذر من استمرار تجاهل الدستور العراقي والعمل وفق الأعراف السياسية بين الكتل والأحزاب، معتبراً أن الإبقاء على هذا النهج يعني الإبقاء على دائرة الإخفاق نفسها. الصاحب قال إن “الحذر واجب من استمرار اعتماد الكتل والأحزاب العراقية على ما يعرف بـ(العرف السياسي) في إدارة مؤسسات الدولة واتخاذ القرارات الجوهرية، بدلاً من الالتزام الصارم ببنود الدستور العراقي النافذ، فهذا النهج كان سبباً مباشراً في معظم الإخفاقات والتوترات السياسية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية”. هذا التوصيف لا يتوقف عند حدود النقد العام، بل يفتح الباب على نقاش أعمق حول الطريقة التي جرى بها تعطيل الكثير من المواد الدستورية عملياً لصالح معادلات سياسية عابرة للنص.

منذ إقرار دستور 2005، كان يفترض أن تتحول مؤسسات الدولة إلى مرجعيات ضابطة للعملية السياسية، وأن يكون النص الدستوري هو الحاكم النهائي في تشكيل الحكومات وتوزيع السلطات وضمان الفصل بينها. لكن ما حدث على الأرض كان مساراً مختلفاً؛ حيث تكوّن مع الوقت ما يشبه “دستوراً موازياً” غير مكتوب، يقوم على المحاصصة في توزيع المواقع بين القوى الشيعية والسنية والكردية، وعلى تقاليد تفاوضية تحسم معظم الاستحقاقات خارج القاعة الدستورية. الصاحب يشير إلى هذه الظاهرة بشكل مباشر حين يقول إن “العرف السياسي الذي تبلور بعد عام 2003، خصوصاً في ما يتعلق بالمحاصصة، توزيع المناصب، تشكيل الحكومات، وتحديد المواقع السيادية، أصبح يتغول على النص الدستوري، ويتحول إلى قاعدة ملزمة أكثر من الدستور نفسه، وهو ما يمثل انحرافاً خطيراً عن المسار المؤسسي للدولة”.

عملياً، يمكن قراءة هذا “التغول” في كل محطة مفصلية تقريباً. الدستور لا ينص على أن رئاسة الجمهورية حصة للكرد، أو رئاسة الوزراء حصة للشيعة، أو رئاسة البرلمان حصة للسنة، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام تشكيل الكتلة الأكبر والتنافس البرلماني الحر. ومع ذلك، تحولت هذه المواقع بمرور الوقت إلى ما يشبه “حقوقاً مكتسبة” للمكوّنات، تُدار وفق صفقات مغلقة لا علاقة لها بما ينتجه صندوق الاقتراع من تحالفات عابرة للهويات. هذا النمط لم يعد عرفاً سياسياً مرناً، بل أصبح قاعدة صلبة تتقدّم في التطبيق على أي نص، وهو ما جعل أي مراجعة للدستور أو تعديل لآلياته أمراً شكلياً أمام واقع راسخ في إدارة السلطة.

الصاحب يرى أن الإصرار على إدارة الدولة بمنطق التوافقات غير الدستورية أنتج بنية حكم هشّة، ويقول في هذا الإطار إن “الإصرار على إدارة الدولة بمنطق التوافقات السياسية غير الدستورية أدى إلى إنتاج حكومات ضعيفة، وقرارات مرتبكة، ومؤسسات غير مستقلة، فضلاً عن تمزيق مبدأ الفصل بين السلطات، بحيث أصبحت القوى السياسية هي اللاعب الأول والأخير في كل ما يتعلق بعمل السلطة التنفيذية، وأحياناً التشريعية والقضائية أيضاً”. هذه ليست ملاحظة نظرية، بل يمكن رصدها في مشاهد متكررة: حكومات لا تتشكل إلا بعد شهور طويلة من المساومات، وزراء يُختارون وفق توازنات حزبية لا وفق معايير مهنية، سلطات رقابية وبرلمانية تتراجع أمام صفقات تمرير القوانين والموازنات، وقضاء يتعرض لضغوط متكررة كلما اقترب من ملف حساس يمسّ مراكز النفوذ.

من نتائج هذا المسار أن مفهوم “دولة المؤسسات” بقي معلقاً في الخطاب أكثر من تجسده في الواقع. آليات تعيين رؤساء الهيئات المستقلة، وإدارة ملف الدرجات الخاصة، وتسمية رؤساء الأجهزة الأمنية والاقتصادية، غالباً ما جرى التعامل معها كاستحقاقات تفاوضية، تُقسّم كما تُقسم الوزارات، بغض النظر عن النصوص التي افترضت استقلال هذه المواقع عن المزاج الحزبي. بهذا المعنى، تحوّل الدستور إلى خلفية شكلية، بينما تصدّرت “التفاهمات” واجهة القرار.

الصاحب يلخص هذا الانحراف بقوله إن “أبرز النتائج السلبية لهذا النهج تمثلت في تعطيل بناء دولة المؤسسات عبر تجاوز الآليات الدستورية في تشكيل الحكومات وتعيين المسؤولين، وتكريس المحاصصة وتقاسم النفوذ على حساب الكفاءة المهنية والمعايير القانونية، وإضعاف الرقابة البرلمانية بسبب اعتماد الصفقات السياسية بدلاً من المحاسبة الدستورية، وترسيخ الأزمات وعدم الاستقرار نتيجة تضارب العرف السياسي مع النصوص الدستورية الواضحة، وتراجع ثقة المواطنين بالدولة وفقدان الأمل بإجراءات إصلاحية حقيقية”.

هذه السلسلة من النتائج ليست منفصلة عن المزاج الشعبي؛ فالتظاهرات التي شهدتها البلاد في أكثر من محطة، خصوصاً في 2015 و2019، كانت تعبيراً عن شعور واسع بأن الدولة تدار وفق مصالح أحزاب لا وفق قواعد قانونية عامة. حين يشعر المواطن أن المناصب العليا موزعة مسبقاً، وأن القوانين تُفصّل على مقاس قوى بعينها، وأن التعيينات الكبرى لا تمر عبر باب الكفاءة، فإن ثقته في جدوى المشاركة وفي إمكان إصلاح النظام من الداخل تتآكل تدريجياً. وهذا ما يعبّر عنه الصاحب حين يربط بين استمرار حكم الأعراف السياسية وبين “تراجع ثقة المواطنين بالدولة وفقدان الأمل بإجراءات إصلاحية حقيقية”. فحين تتكرر الأزمات من تشكيل حكومة إلى أخرى، ومن دورة انتخابية إلى التالية، دون تغيير حقيقي في نمط إدارة الدولة، تصبح العملية السياسية نفسها أمام امتحان شرعية مستمر.

في خلفية هذا المشهد، يقف الدستور العراقي كنص صُمم ليكون المرجعية العليا لإدارة الدولة وتنظيم العمل السياسي، لكنه لم يحصل في التطبيق على المكانة نفسها. الصاحب يؤكد أن “الدستور العراقي صمم ليكون المرجعية العليا لإدارة الدولة وتنظيم العمل السياسي، لكن التعامل معه على أنه نص ثانوي قابل للتجاوز كلما اتفقت القوى السياسية على بديل عنه، كان سبباً جوهرياً في تكرار الأزمات وتراجع الأداء الحكومي”. هذه المفارقة تظهر بوضوح في كل مرة تُطرح فيها فكرة تعديل الدستور: بدلاً من الذهاب إلى تفعيل مواده المعطلة أو مراجعة نقاط الخلل عبر آليات دستورية واضحة، يجري القفز مباشرة إلى تفاهمات سياسية تنتج حلولاً مؤقتة للأزمة الراهنة، من دون أن تعالج أصل المشكلة.

التحدي الأكبر هنا لا يتعلق بالنصوص بقدر ما يتعلق بالإرادة السياسية التي تتعامل مع الدستور كخيار لا كإلزام. فالدول التي نجحت في تثبيت أنظمتها الديمقراطية فعلت ذلك عبر جعل الدستور خطاً أحمر لا تعلو عليه تفاهمات اللحظة ولا اتفاقات غرف التفاوض. أما في الحالة العراقية، فغالباً ما تُقدّم “اعتبارات التوازن السياسي” على الالتزام الدستوري، بحجة الحفاظ على الاستقرار أو منع العودة إلى الصراع، ما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأزمات نفسها كلما تبدلت موازين القوى بين الكتل.

لهذا يشدد الصاحب في ختام حديثه على أن “الدول لا تدار بالأعراف الهشة، بل بالقانون والدستور، وإذا لم تنتقل العملية السياسية في العراق من حكم التوافقات إلى حكم المؤسسات، فإن الإخفاقات ستستمر والدولة ستبقى تدور في الحلقة نفسها بلا تقدم حقيقي”. هذه الخلاصة تختصر مساراً كاملاً امتد لأكثر من عقدين، وتضع أمام الطبقة السياسية خياراً واضحاً: إما العودة الجادة إلى الدستور كمرجع عملي في تشكيل الحكومات وتوزيع السلطات وضبط العلاقة بين المكونات، وإما استمرار الرهان على أعراف سياسية ثبت أنها تنتج استقراراً مؤقتاً فوق أرضية رخوة، سرعان ما تنكشف عند كل أزمة جديدة.

بين نص دستوري واضح وواقع سياسي يتشكّل وفق التفاهمات، تتكرّس فجوة تزداد اتساعاً مع كل دورة سياسية جديدة. فالدولة تعمل على أساسين متوازيين لا يلتقيان: إطار قانوني صُنع ليحكم المؤسسات، وإطار عرفي تتمسك به القوى لحماية موازين نفوذها. وفي ظل هذا الازدواج، يبقى الدستور خارج دائرة الفعل، بينما تتحول الأعراف إلى قاعدة منظمة لإنتاج الحكومات وتوزيع المواقع وإدارة الخلافات، حتى أصبحت جزءاً ثابتاً من بنية الحكم، لا تبدو ملامح تراجعها قريبة ما لم يحدث تغيير جوهري في طريقة إدارة الدولة.

تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *