+A
-A
بغداد اليوم – متابعة
تشكل العلاقات بين الجمهورية الإيطالية والمملكة الأردنية الهاشمية نموذجًا متقدمًا للشراكة المتوازنة بين أوروبا والعالم العربي، شراكة تقوم على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة لأمن المنطقة واستقرارها، وعلى إدراك عميق لأهمية الحوار في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية.
لقد تطورت هذه العلاقة عبر عقود من التعاون الدبلوماسي والتنسيق السياسي، حتى أصبحت اليوم ركيزة مهمة في معادلة التواصل الأوروبي – العربي.
تجمع البلدين قناعة مشتركة بأن الاستقرار في الشرق الأوسط ليس خيارًا بل ضرورة دولية.
إيطاليا، بحكم موقعها في قلب المتوسط وعضويتها الفاعلة في الاتحاد الأوروبي، تنظر إلى الأردن كشريك استراتيجي معتدل يتمتع برؤية متوازنة في إدارة الأزمات الإقليمية. والأردن، بدوره، يرى في إيطاليا بوابة مهمة نحو أوروبا وشريكًا داعمًا لجهوده في تعزيز التنمية والاستقرار، خصوصًا في ظل التحديات الإقليمية المعقدة التي تواجه المنطقة.
على الصعيد الاقتصادي، شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في حجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة، مع اهتمام متزايد من الشركات الإيطالية بقطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية والصناعات الغذائية والسياحة في الأردن. كما يمثل الأردن منصة مهمة للشركات الإيطالية الراغبة في الانفتاح على أسواق المنطقة، في ظل ما يتمتع به من استقرار تشريعي وموقع جغرافي استراتيجي.
إن تعميق التعاون الاقتصادي لا ينعكس فقط على الأرقام التجارية، بل يخلق فرص عمل ويعزز نقل التكنولوجيا والخبرات، ويؤسس لشراكات طويلة الأمد تخدم مصالح الشعبين.
وشهدت العاصمة الإيطالية روما مؤخرًا حدثًا بارزًا يعكس عمق التعاون بين الأردن وإيطاليا، حيث نظمت جمعية فارنيزينا بالتعاون مع وكالة التجارة الإيطالية عرضًا تقديميًا خاصًا بالأردن، شاركت فيه وكيلة وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية لورا تريبودي، فيما مثل الجانب الأردني وزيرة التخطيط والتعاون الدولي زينة طوقان ووزير الاستثمار طارق أبو غزالة، بحضور أكثر من خمسين شركة وجمعية أعمال إيطالية، وممثلين عن مؤسسات كبرى مثل CDP وSACE وSIMEST.
وأكدت ماريا تريبودي أن “المبادرة تمثل خطوة مهمة لتعزيز العلاقات بين البلدين، وأن الحكومة الإيطالية تسعى لضمان قدرة شركاتها على الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة في الأردن، خصوصًا مع اقتراب انعقاد مؤتمر الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والأردن في البحر الميت، المقرر في 21 أبريل/نيسان”.
وأضافت أن “الأردن يحظى بأهمية استراتيجية واقتصادية متزايدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما يجعله شريكًا محوريًا في جهود تعزيز الاستقرار والتنمية”.
وتبرز إمكانات التعاون في مجالات عدة تشمل البنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة وتحلية المياه والصناعة والتقنيات المتقدمة. ويكتسب هذا التعاون بعدًا إضافيًا بفضل الموقع الجغرافي للأردن، الذي يشكل مركزًا إقليميًا في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، ما يمنح الشركات الإيطالية فرصًا حقيقية للمساهمة في مشاريع تنموية مستدامة.
إن هذه المبادرة تؤكد أن الشراكة الأردنية الإيطالية ليست مجرد تعاون مؤقت، بل هي رؤية استراتيجية طويلة الأمد لصناعة الاستقرار وتعزيز التنمية في قلب منطقة تشكل ملتقى القارات.
ومن خلال التزام الحكومة والقطاع الخاص في البلدين، يمكن لهذه الشراكة أن تصبح نموذجًا يُحتذى به في بناء جسور اقتصادية واستثمارية بين أوروبا والعالم العربي، بما يخدم مصالحهما المشتركة ويعزز موقع الأردن كمركز اقتصادي إقليمي.
وفي المجال الثقافي، تتجلى خصوصية العلاقة الإيطالية الأردنية في الاهتمام المشترك بالتراث والحضارة. فإيطاليا، صاحبة الإرث الروماني والنهضة الأوروبية، تجد في الأردن أرضًا غنية بالتاريخ والحضارات المتعاقبة، من البتراء إلى جرش ووادي رم. التعاون في مجال حماية المواقع الأثرية وتبادل الخبرات في إدارة التراث يشكل جسرًا حضاريًا يعمّق التفاهم بين الشعبين، ويعزز السياحة الثقافية كأحد أعمدة التنمية المستدامة.
أما في ميدان التعليم والتبادل الأكاديمي، فقد ساهمت الاتفاقيات الجامعية والمنح الدراسية في بناء جسور بين الشباب الإيطالي والأردني، ما يعزز ثقافة الحوار والانفتاح ويؤسس لأجيال جديدة تؤمن بالتعددية والتعايش. هذا الاستثمار في الإنسان هو الضمانة الحقيقية لاستمرارية العلاقات وتطورها، لأن العلاقات بين الدول لا تقوم فقط على المصالح، بل على المعرفة المتبادلة والثقة.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني في هذه الشراكة، حيث لعبت إيطاليا دورًا داعمًا لجهود الأردن في استضافة اللاجئين وتعزيز صمود المجتمعات المحلية، وهو ما يعكس التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
إن هذا التعاون الإنساني يؤكد أن العلاقة بين البلدين ليست مجرد تنسيق رسمي، بل تضامن فعلي في مواجهة التحديات المشتركة.

