+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
منذ أن بدأت أبواب بعض أسواق بغداد تُغلق واحداً تلو الآخر احتجاجاً على القرارات الحكومية المتعلقة بالتعظيم الضريبي وإجراءات الجمارك، بدأ سؤال ثقيل يدور في أذهان العراقيين: هل تبقى الأزمة محصورة بين الدولة والتجار، أم أنّ كرة الإضرابات يمكن أن تتدحرج إلى الشارع وتتحوّل إلى تظاهرات مطلبية واسعة، خصوصاً إذا ارتفعت الأسعار وتعطّلت الموانئ والمنافذ لفترة أطول؟
في الشكل، ما يجري اليوم يبدو كتحرك مهني قادته شرائح من التجار اعتراضاً على ما يرونه “قفزة مفاجئة” في الرسوم والتكاليف المرتبطة بالتعريفات الجمركية والضرائب، دون تدرّج يسمح للسوق بالاستيعاب.
إغلاق المحال في عدد من الأسواق المركزية، ورفع اللافتات الاحتجاجية، والتلويح بتوسيع الإضراب إلى محافظات أخرى، كلّها مؤشرات على أنّ الأزمة لم تعد مجرّد نقاش تقني حول رقم هنا أو نسبة هناك، بل تحوّلت إلى حالة قلق معلنة داخل مفاصل التجارة.
لكنّ خطورة المشهد لا تقف عند حدود التجار. فكلّ يوم إضافي من الإغلاق يعني:
-تأخّر دخول بضائع جديدة إلى السوق.
-ضغطاً متزايداً على السلع المتوافرة.
-استعداداً نفسياً لدى المواطن لتقبّل موجة أسعار أعلى.
هنا، يتحوّل الإضراب من ورقة تفاوض إلى محرّك اجتماعي إذا لم يُحتوَ في الوقت المناسب.
ثنائية التاجر والمواطن.. من يدفع الفاتورة في النهاية؟
القرارات الحكومية الأخيرة بخصوص تعظيم الضرائب والرسوم، كما يراها كثير من المختصين، تحمل وجهين في آن واحد: وجهٌ يقول إنّها محاولة لتقليص هوامش الربح العالية التي راكمها بعض التجار خلال السنوات الماضية، مستفيدين من ضعف الرقابة ومرونة المنافذ. ووجهٌ آخر يحذّر من أنّ أي زيادة مفاجئة في الكلف ستنتقل – بحكم طبيعة السوق – إلى سلة المواطن في نهاية المطاف.
هذه المعادلة يلخّصها المحلل السياسي محمد أبو النواعير عندما يشير إلى أنّ تعظيم الضرائب قد يحدّ من الأرباح المبالغ فيها لدى شريحة واسعة من التجار، لكنه في الوقت ذاته يضرب استقرار العملية التجارية ويخلق تصدّعاً في تناغم السوق.
بحسب أبو النواعير، هناك محوران سيتحمّلان العبء:
-طبقة التجار ورجال الأعمال، نتيجة تراجع الأرباح المعهودة وتغيّر قواعد اللعبة.
-المواطن، الذي سيصبح ساحة لتفريغ أوجه الصراع بين الدولة وطبقة التجار، عبر ارتفاع الأسعار وتقلّب توفر السلع.
بهذا المعنى، كلّما طال أمد الإضراب وتعطّلت حركة البضائع، كلّما اقترب المواطن من قلب الأزمة، وتحوّل من متفرّج إلى طرف مباشر في المعادلة.
أزمة حقيقية بلا حراك واسع الآن
في ظل هذه الأجواء، يلتقط أبو النواعير خيطاً مختلفاً؛ فهو لا ينكر حجم الأزمة ولا آثارها، لكنه يستبعد في الوقت الراهن سيناريو تظاهرات واسعة أو إضرابات منظمة على مستوى الشارع العراقي.
يقول أبو النواعير في تصريحه لـ”بغداد اليوم” إنّ “للموضوع جانبين يجب التأمل فيهما؛ الأول يتمثل في أن تعظيم الضرائب قد يسهم في تقليص هامش الربح العالي لدى أغلبية التجار، إذ إن أي مسح واقعي بسيط لتقييم الأرباح المتحققة سيكشف عن هوامش ربح مرتفعة جداً، أسهمت في اتساع الفوارق الاقتصادية بين طبقات المجتمع”.
ويضيف أنّ “قرار تعظيم الضرائب، ورغم ما قد يحمله من أهداف مالية، جاء بشكل مفاجئ وغير تدريجي، ما تسبب بأزمة وتصدع واضح في تناغم العملية التجارية داخل الأسواق المحلية”.
كما يوضح أنّ “الضرر الناجم عن هذه الإجراءات سينعكس على محورين رئيسيين؛ المحور الأول يتمثل بتضرر طبقة التجار ورجال الأعمال نتيجة تدني سقوف الأرباح المعهودة، فيما يتمثل المحور الثاني بانتقال جزء كبير من هذا الضرر إلى كاهل المواطن، الذي سيكون ساحة لتفريغ أوجه الصراع بين الدولة وطبقة التجار”.
ويشير أبو النواعير إلى أنّ البعض قد يرى في تعظيم الضرائب فائدة تتعلق بزيادة الإيرادات الضريبية وتعزيز خزينة الدولة وتقوية الاقتصاد، “إلا أن المتخصصين في الشأن الاقتصادي يدركون أن الصدمات والقرارات المفاجئة تقوض أحد أهم شروط النمو الاقتصادي، وهو الاستقرار والانسيابية الهادئة”.
وعن احتمالية خروج مظاهرات أو حدوث إضرابات احتجاجية يؤكد بالقول: “لا أعتقد أن تشهد المرحلة الحالية تظاهرات، رغم حالة التذمر القائمة، كون الجميع يدرك حساسية المرحلة والحاجة إلى حلول أكثر تدرجاً وتوازناً”. بهذا الطرح، تبدو الصورة أقرب إلى غضب مكتوم يترقب ما ستفعله الحكومة، لا إلى شارع جاهز للانفجار الفوري.
سيناريو معاكس.. متى يمكن أن تنقلب الكفّة باتجاه الشارع؟
مع ذلك، تبقى هناك احتمالات أخرى لا يمكن تجاهلها إذا استمرت الأزمة على حالها أو تعمّقت أكثر. السيناريو المعاكس لقراءة أبو النواعير يقوم على اجتماع ثلاثة عناصر أساسية:
-استمرار الإضرابات وتعطّل الموانئ والمنافذ لفترة أطول: كلّ يوم إضافي من تعطّل الاستيراد يعني نقصاً متزايداً في المعروض، وارتفاعاً تدريجياً في الأسعار، وتوسّع رقعة المتضرّرين من التجار الصغار إلى الحرفيين وأصحاب المهن المرتبطة بحركة البضائع.
-موجة غلاء تطال السلع الأساسية لا الكماليات فقط: إذا انتقلت آثار القرارات من الأجهزة الكمالية والسلع غير الضرورية إلى الغذاء والدواء والمواد الأساسية، فإنّ مساحة التذمّر ستخرج من دائرة “النخب التجارية” إلى الشرائح الفقيرة والمتوسطة، وهنا تبدأ إمكانيات تشكّل حراك أوسع.
-دخول الفاعل السياسي على خط الأزمة: أي طرف سياسي أو اجتماعي معارض يمكن أن يستثمر حالة التململ لرفع السقف، وتحويل شعارات التجار من “خفض الرسوم” إلى “رفض السياسات الاقتصادية” وربما إلى مطالب سياسية أشمل. عند هذه النقطة تصبح السيطرة على مسار الاحتجاج أكثر صعوبة، وتتحوّل كرة الضرائب والجمارك إلى كرة نار سياسية.
إذا تلاقت هذه العناصر مع شعور عام بأنّ الحكومة لا تستجيب ولا تعدّل مسارها، يصبح احتمال التظاهرات المطلبية أكثر واقعية، خصوصاً في المدن التي تملك ذاكرة احتجاجية نشطة وتجربة سابقة في النزول إلى الشارع.
ما بين ضبط إيقاع الإصلاح ومنع انفلات الشارع
المعادلة الدقيقة اليوم لا تتعلق بإلغاء القرارات أو الإبقاء عليها كما هي، بل بكيفية إدارة الإيقاع بين هدف الدولة في تعظيم إيراداتها وتنظيم سوقها، وبين قدرة المجتمع على تحمّل الصدمات.
من زاوية عملية، يمكن قراءة مخرج من أربع نقاط رئيسية:
-التدرّج الزمني في التنفيذ: إعادة جدولة تطبيق التعرفات والضرائب على مراحل، وتحديد فترات انتقالية واضحة، تمنح السوق فرصة للتكيّف وتخفّف من وقع الصدمة.
-استثناءات مدروسة للسلع الأساسية: حماية سلة الفقراء والطبقات المتوسطة من أي قفزات حادّة في الأسعار، عبر استثناء بعض السلع أو تخفيض نسب الرسوم عليها، يخفف بشكل مباشر من احتمالات تحوّل الأزمة إلى غضب شعبي واسع.
-حوار مؤسسي مع ممثلي التجار وغرف التجارة: نقل الملف من مستوى التصريحات المتبادلة والإضرابات المفتوحة إلى طاولة حوار ذات جدول واضح ومخرجات معلنة، يساعد على تفكيك عناصر التوتر ويمنح التجار شعوراً بأنّهم جزء من صناعة القرار لا مجرد متلقّين له.
-خطاب شفاف للرأي العام: توضيح أهداف القرارات، وحجم الإيرادات المتوقعة، وأوجه إنفاقها، مع الاعتراف الصريح بالأخطاء في طريقة التنفيذ إن وجدت، يعيد جزءاً من الثقة المفقودة ويحدّ من قدرة الشائعات على توجيه الشارع.
كرة في منتصف الطريق.. إلى أين يمكن أن تتدحرج؟
في ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ الكرة اليوم لا تزال في منتصف الطريق: من جهة، هناك قراءة مثل قراءة الدكتور محمد أبو النواعير، تعوّل على وعي الشارع بحساسية المرحلة، وعلى إمكانية إنتاج حلول أكثر تدرجاً وتوازناً تمنع الانفجار. ومن جهة أخرى، هناك واقع اقتصادي واجتماعي هشّ، يجعل أي تأخير في المعالجة وأي استمرار في الإضرابات وتعطّل الموانئ أرضية خصبة لتطوّر الأمور وراء حدود ما تتوقعه الحكومة أو التجار.
بين هذين المسارين، تبدو اللحظة الراهنة لحظة اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة الإصلاح الاقتصادي من دون إشعال الشارع، وقدرة التجار على الدفاع عن مصالحهم من دون تحويل المواطن إلى درع بشري في معركة الأرقام والرسوم.
الخيارات ما زالت مفتوحة، لكن المؤكد أنّ استمرار إغلاق الأسواق وتعطّل حركة البضائع وارتفاع الأسعار، من دون حلول حقيقية، قد يجعل السؤال عن التظاهرات المطلبية في القادم من الأيام أقلّ افتراضاً وأكثر قرباً من الواقع.
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم