+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
منذ أسابيع، يسمع العراقيون على نحو شبه يومي خطابات وتصريحات نارية من البيت الأبيض، يلوّح فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب النظام الإيراني و”تغيير قواعد اللعبة” في الشرق الأوسط. في الجهة المقابلة، يؤكّد خبراء أمنيون وسياسيون أنّ إسقاط النظام الإيراني بالكامل ما يزال سيناريو بالغ التعقيد، وأنّ مؤسّسات القرار في واشنطن نفسها تتحرك تحت سقف “خطوط حمراء” تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
بين رئيس متقلّب المزاج يرسل رسائل تهديد علنية، ومراكز قرار تتحرك بحسابات باردة، يتشكّل سؤال عراقي ثقيل: ماذا لو ذهبت الأمور، لأي سبب، إلى أبعد ممّا تُخطّط له العقول البيروقراطية في واشنطن وطهران؟ وأين يقف العراق من سيناريو اهتزاز عميق في إيران، سواء انتهى بسقوط النظام أو بانكشاف حدودها أمام أخطر أذرع تنظيم داعش، ولاية خراسان؟
نظام يصعب إسقاطه.. لكن لا أحد يحتكر المستقبل
الخبير في الشؤون الأمنية صادق عبد الله يشخّص، في حديثه لـ”بغداد اليوم”، حقيقة بنيوية قبل مناقشة أي سيناريو متطرف. يقول إن “النظام الإيراني رسّخ، على مدى أكثر من أربعة عقود، سيطرته عبر منظومة أجهزة أمنية قوية ومتنفذة، إضافة إلى بناء عقائدي متماسك، ما يجعل سيناريو الانهيار أو السقوط أمراً بالغ الصعوبة”.
هذه الجملة لا تبرّئ النظام ولا تصفه بالقوة الأخلاقية، بل تشير إلى شبكة متداخلة من الأجهزة الأمنية والحرس الثوري والاستخبارات والولاءات العقائدية، جعلت من طهران مركز ثقل يصعب تفكيكه بضربة واحدة أو بقرار سريع. لذلك، تبدو رهانات “السقوط السريع” أو “الانهيار التلقائي” أقرب إلى الخطاب السياسي منها إلى القراءة المهنية للواقع.
لكنّ الصعوبة ليست مرادفًا للاستحالة. التاريخ القريب في المنطقة أثبت أنّ الأنظمة الصلبة قد تتعرض، بفعل تراكم الأزمات والضربات والاحتجاجات، لاهتزازات عميقة تفتح الباب أمام تحوّلات غير محسوبة، وهو ما يجعل تجاهل هذا الاحتمال ضربًا من المغامرة، خصوصًا بالنسبة لدولة مجاورة مثل العراق.
البيت الأبيض وخطوط النار المكشوفة
وفق قراءة عبد الله، تتحرك مؤسّسات القرار في الولايات المتحدة تحت إدراك واضح لكلفة الذهاب إلى خيار إسقاط النظام الإيراني بالقوّة. يوضح الخبير الأمني أنّ “البيت الأبيض يدرك أن المضي بخيار إسقاط النظام سيقود إلى فوضى عارمة لن تبقى ضمن الجغرافيا الإيرانية، بل ستمتد إلى دول الجوار، ولاسيما منطقة الخليج، ما يحولها إلى بؤرة جحيم، خاصة مع امتلاك إيران قدرات عسكرية كبيرة، تشمل مواقع نووية وترسانة صاروخية واسعة، بعضها ذو طابع ستراتيجي”.
هذا التوصيف يرسم، بشكل غير مباشر، ثلاثة حدود لا ترغب واشنطن في تجاوزها:
-ألّا تتحول إيران إلى ساحة فوضى شاملة تمتد نارها إلى دول الجوار.
-ألّا يُمسّ أمن الطاقة في منطقة تشكّل ثلث إمدادات العالم تقريبًا.
-ألّا تُستفزّ الترسانة الصاروخية والقدرات النووية الإيرانية إلى مستوى يخرج الصراع عن السيطرة.
لذلك، يميل صانع القرار الأمريكي – في القراءة التي يقدّمها عبد الله – إلى خيار “التقييد” بدل “الإسقاط”: ضغوط اقتصادية قاسية، مفاوضات عنيدة، ومحاولات لتحجيم البرنامجين النووي والصاروخي ودور طهران الإقليمي، لا فتح مواجهة شاملة هدفها تغيير النظام رأسًا على عقب.
ويضيف عبد الله أنّه “في حال فشل المفاوضات، قد تُنفذ ضربات محدودة ومدروسة، لكنها لن تصل إلى مستوى المواجهة الشاملة، لأن كلفتها ستكون مرتفعة على الطرفين”، مؤكّدًا أن “هناك ضغطًا إقليميًا ودوليًا واضحًا يمنع الذهاب نحو إسقاط النظام الإيراني، لما يحمله من تداعيات خطيرة، وتجارب الحروب في المنطقة لا تزال ماثلة في الأذهان”.
غير أنّ هذه الحسابات، مهما بدت متماسكة على الورق، تبقى معرضة دائمًا لعامل المفاجأة؛ فوجود رئيس يهدّد يوميًا بضرب النظام، ويعبّر علنًا عن رغبته في “تغيير الواقع الإيراني”، يجعل الفجوة بين تقديرات المؤسّسات وخطاب البيت الأبيض عنصر قلق إضافيًا بالنسبة لدول الجوار.
إذا اهتزّ الجدار الشرقي.. ما الذي يتغيّر في العراق؟
حتى لو لم يصل الصدام إلى مستوى “إسقاط النظام”، فإنّ اهتزازًا عميقًا في الداخل الإيراني – بفعل ضربات قوية أو احتجاجات واسعة أو صراع داخلي – سيكون كافيًا لتحريك المياه الراكدة على الحدود العراقية – الإيرانية وفي قلب المشهد السياسي العراقي.
العراق، بحكم الجغرافيا والاقتصاد والسياسة، مرتبط بإيران عبر ثلاثة مستويات رئيسية:
-الشبكة السياسية والأمنية داخل العراق: على مدى سنوات، تشابكت قوى حزبية وفصائل مسلّحة وشخصيات دينية مع المركز الإيراني، سواء عبر تمويل مباشر أو دعم سياسي أو غطاء عقائدي. أي ارتباك في طهران سينعكس مباشرة على هذه الشبكة، وقد يدفع بعض أطرافها إلى: صراع داخلي على الزعامة والتمثيل، والبحث عن حليف خارجي بديل، أو شدّ الحبل أكثر مع الدولة العراقية لفرض وقائع جديدة على الأرض.
-الحدود الطويلة والمعقّدة: الحدود بين العراق وإيران ليست خطًا جغرافيًا صامتًا؛ هي شريان تجاري وطاقة وزيارات دينية، تمرّ عبره البضائع والغاز والزائرون، وأحيانًا التهريب بكل أنواعه. اهتزاز منظومة السيطرة في إيران، حتى من دون سقوط النظام، قد يحوّل هذه الحدود إلى: ممرّ للنزوح والفارين من مناطق الاضطراب، وقناة لاستغلالها من شبكات تهريب السلاح والبشر والمخدرات، وثغرة يمكن لجماعات متطرّفة أو شبكات مافياوية أن تتسلل خلالها.
-ملف الطاقة والاقتصاد اليومي: العراق يعتمد بدرجات مختلفة على الغاز والكهرباء القادمين من إيران، وعلى التبادل التجاري عبر الحدود. أيّ اضطراب واسع في إيران سينعكس حتمًا على: استقرار تجهيز الكهرباء في العراق، وحركة السلع وأسعارها في المحافظات الحدودية والأسواق الكبرى. في هذا الإطار، يصبح سؤال “ماذا لو سقط النظام الإيراني؟” أقلّ أهمية من سؤال “ماذا لو اهتزّ بقوة، ولو من دون سقوط؟”.
ولاية خراسان.. حين يلتقي اهتزاز إيران مع أخطر أذرع داعش
بعيدًا عن الصراع الأمريكي – الإيراني المباشر، يطلّ عامل ثالث يزيد الصورة تعقيدًا: تنظيم داعش – ولاية خراسان، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أخطر أذرع التنظيم على مستوى التهديد الخارجي. هذا الفرع، المتركّز بين أفغانستان وباكستان، أثبت قدرته على تنفيذ هجمات دموية داخل أفغانستان وخارجها، ووصل بالفعل إلى العمق الإيراني عبر عمليات تبنّاها أو نُسبت إليه في أكثر من مناسبة.
في سيناريو اهتزاز داخلي حاد داخل إيران، أو انشغال أجهزتها في مواجهة اضطرابات واسعة أو ضربات عسكرية، تصبح الحدود الشرقية الإيرانية مع أفغانستان أكثر هشاشة. طول هذه الحدود وطبيعتها الجغرافية الوعرة يتيحان لولاية خراسان استغلال أيّ فراغ أمني، سواء عبر:
-تسلل مجموعات صغيرة باتجاه العمق الإيراني لتنفيذ هجمات نوعية.
-أو بناء شبكات تهريب جديدة تستخدم الطرق التقليدية لتهريب المخدرات والبضائع والأشخاص، لكن مع هدف عملياتي مختلف هذه المرة.
إذا أضيف إلى هذا المشهد طول الحدود العراقية – الإيرانية وتشابكها، ووجود بيئات هشّة في بعض المناطق العراقية سبق أن استثمرها داعش في تجربته السابقة، يظهر سيناريو أكثر خطورة: تغوّل ولاية خراسان داخل إيران، ثم محاولة تمدّدها غربًا باتجاه العراق، مستفيدة من أيّ ثغرات أمنية أو سياسية على الجانبين.
الخطر لا يتوقف عند انتقال مقاتلين جدد عبر الحدود فحسب؛ فالعراق يحمل أصلًا عبئًا ثقيلًا يتمثل في آلاف المعتقلين من عناصر داعش داخل سجونه، بينهم قيادات عقائدية وتنظيمية ذات خبرة عابرة للحدود. في لحظة اضطراب إقليمي عميقة، يمكن أن تتشكل شبكة مهدِّدة من ثلاث طبقات:
-قيادة ميدانية وأيديولوجية في ولاية خراسان تبحث عن مسار جديد نحو الغرب.
-حدود إيرانية – عراقية قد تفقد جزءًا من صلابتها إذا انشغلت طهران بملفات داخلية أو خارجية ملتهبة.
-خزّان بشري من المعتقلين الدواعش داخل العراق، يشكّل هدفًا مغريًا لأي محاولة هروب أو إعادة تنظيم، إذا فشلت الدولة في تحصين منظومة السجون.
من هذه الزاوية، يتجاوز ملفّ إيران كونه صراعًا بين واشنطن وطهران، ليصبح جزءًا من خريطة تهديد أوسع، يكون فيها العراق ممرًا أو ساحة محتملة لتقاطع مشروعين خطيرين: مشروع الفوضى الناتجة عن اهتزاز نظام إقليمي كبير، ومشروع تنظيم متطرّف يُعيد توزيع ثقله من خراسان إلى الشرق الأوسط كلما سنحت له الفرصة.
على خلاف الحدود الغربية مع سوريا التي شهدت خلال السنوات الماضية حضورًا عسكريًا كثيفًا، وانتشارًا للقواعد، ونقاط مراقبة مشتركة مع التحالف الدولي، تبدو الحدود الشرقية مع إيران أقلّ تحصينًا واكتمالًا من حيث منظومات الرصد والتنسيق الدولي.
في هذه المنطقة، تتداخل قرى وعشائر وامتدادات اجتماعية بين الجانبين، وتتحرك منذ سنوات شبكات تهريب للوقود والبضائع والبشر، بعضها يعمل تحت أنظار الدولة وبعضها الآخر خارج سيطرتها. أيّ اهتزاز كبير داخل إيران أو على تخومها مع أفغانستان لن يعني فقط احتمال تسرّب عناصر من ولاية خراسان باتجاه العمق الإيراني، بل يفتح أيضًا احتمال الحركة بالعكس: مقاتلون أو مطلوبون يعبرون من إيران إلى الأراضي العراقية تحت غطاء التهريب، أو عبر استغلال حاملي الجنسيات المزدوجة والوثائق المزورة في بيئة حدودية لا تُدار دائمًا بالصرامة نفسها التي شهدناها على الجبهة الغربية.
وفوق تهديد داعش وولاية خراسان، لا يمكن تجاهل وجود عصابات ومجاميع مسلّحة أخرى تنشط أصلًا على طول الشريط الحدودي الشرقي: شبكات مخدّرات، وتهريب سلاح، وتشكيلات صغيرة مرتبطة أحيانًا بأحزاب أو فصائل نافذة. في لحظة سقوط مفترض، أو حتى ضربات عسكرية واسعة تضعف قبضة الدولة الإيرانية على أطرافها، فإنّ هذه الشبكات ستكون أوّل المستفيدين من الفراغ، وستحوّل الحدود إلى ممرّ مفتوح لكل أنواع التدفقات غير الشرعية. هنا يتضاعف الخطر على العراق: ليس فقط من جهة تسلّل عناصر متطرّفة، بل من جهة ارتقاء هذه العصابات إلى مستوى “وسطاء” بين تنظيمات عابرة للحدود وبيئات هشّة داخل العمق العراقي، بما يحوّل الشريط الشرقي إلى جبهة أمنية واقتصادية في آن واحد، بدل أن يبقى مجرّد خطّ جغرافي صامت على الخرائط.
جبال حمرين.. حين تُعالَج “الخاصرة الرخوة” بدل تركها مفتوحة
ولا تبدو الصورة واحدة في كل الجبهات. ففي الوقت الذي تُثار فيه المخاوف من هشاشة الحدود الشرقية مع إيران، يقدّم ملف سلسلة جبال حمرين مثالًا مغايرًا على إمكانيّة تحويل “الخاصرة الرخوة” إلى منطقة أكثر ضبطًا، إذا توفّر قرار أمني واضح وتماس مباشر مع الواقع الميداني.
في هذا السياق، يؤكد رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة ديالى رشاد التميمي، في حديث لـ”بغداد اليوم”، أنّ “جبال حمرين كانت خاصرة امنية رخوة في السابق الا انها اليوم أصبحت خارج التحديات الأمنية في المحافظة أي وجود الانتشار الأمني من القوات الأمنية بتعدد صنوفها يجعل وجود اطمئنان لدى أهالي المحافظة من تلك الجبال التي كانت حجر عثرة امنيا سابقا”.
ويضيف التميمي أنّ الحاجة ما تزال قائمة إلى فتح طرق جديدة سالكة في جبال حمرين، ونصب أبراج مراقبة إضافية إلى جانب النقاط الموجودة حاليًا، مع إمكانيّة تسيير طلعات جوية “بين فترة وأخرى” فوق المنطقة، لا بشكل مستمر، مؤكدًا أنّ الاستقرار الأمني في المحافظة تحسّن، ولا يوجد “خطر يثير الذعر” من أي حركة محتملة للإرهابيين هناك.
بهذا المعنى، تبدو حمرين نموذجًا لما يمكن أن يفعله الاستثمار الذكي في الجغرافيا: منطقة كانت لسنوات عنوانًا للتحدّي الأمني، تحوّلت تدريجيًا إلى مساحة أكثر ضبطًا بفعل انتشار القوات وتثبيت النقاط والحضور الاستخباري. المقارنة هنا تصبح تلقائية مع الشريط الحدودي الشرقي: إذا أمكن تحويل جبال وعرة داخل ديالى من نقطة ضعف إلى خط ضبط نسبي، فالأجدى أن يُعامل الشريط مع إيران والمنطقة المتاخمة لمسار ولاية خراسان بمنطق التحصين المسبق نفسه، لا بمنطق “الجدار الآمن” المفترض إلى أن تثبت الوقائع عكس ذلك.
هل لدى بغداد خطة لـ”اليوم التالي”؟
في ضوء هذه الصورة المركّبة، لا يبدو كافيًا أن يقال للعراقيين إنّ “إسقاط النظام الإيراني مستحيل” أو “مستبعد”. ما يحتاجه العراق فعليًا هو خطة واضحة لليوم التالي لأيّ تطور كبير شرقًا، سواء كان:
-ضربة عسكرية قاسية ضد منشآت حساسة في إيران.
-اضطرابات داخلية واسعة تهزّ تماسك الدولة هناك.
-تغوّلًا متزايدًا لولاية خراسان على الحدود الإيرانية – الأفغانية، مع تسلّل تأثيرها إلى العمق الإيراني.
هذا الاستعداد يفترض العمل على أربعة مسارات متوازية:
-تأمين الحدود والعمق الأمني: تعزيز القدرات الاستخبارية والعسكرية في المحافظات الحدودية مع إيران، وبناء سيناريوهات جاهزة للتعامل مع موجات محتملة من النزوح أو التسلل أو التهريب.
-إدارة ملف السلاح والفصائل: تفكيك معادلة السلاح الموازي تدريجيًا، وحصره بيد الدولة، قبل أن تفرض الظروف الإقليمية على بعض الفصائل خيارات أكثر حدة، وفتح حوار داخلي صريح حول مستقبل القوى المرتبطة بالمركز الإيراني في حال تغيّر هذا المركز أو انشغل بأزماته الخاصة.
-تنويع مصادر الطاقة والشركاء الاقتصاديين: تقليل الاعتماد على الغاز والكهرباء الإيرانيين عبر مسارات بديلة، كي لا تتحول كل أزمة في طهران إلى عتمة في بغداد، وإعادة توزيع الشراكات التجارية باتجاه سلة أوسع من الدول، لتخفيف أثر أي اضطراب في السوق الإيرانية، وتحصين ملف السجون والتعامل مع داعش كخطر إقليمي لا محلي
-ضمان أن تبقى السجون، خصوصًا التي تضمّ عناصر شديدة الخطورة، خارج التجاذبات السياسية، وإدماج ملف معتقلي داعش في رؤية إقليمية أوسع تأخذ في الحسبان صعود ولاية خراسان وتمددها المحتمل عبر إيران.
بين استحالة السقوط وضرورة الاستعداد
ما يقوله الخبير الأمني صادق عبد الله، بوضوح، إنّ إسقاط النظام الإيراني بالكامل ما زال “أمرًا بالغ الصعوبة”، وإنّ كلفة هذا الخيار تجعله غير مفضّل لدى مؤسّسات القرار في واشنطن، التي تميل إلى الضغوط والضربات المحدودة والتفاوض القاسي بدل المغامرة بإسقاط نظام كامل في منطقة شديدة الحساسية.
لكنّ التجربة العراقية مع الحروب السابقة، ومع تحوّل “غير المرجّح” إلى واقع مفاجئ أكثر من مرة، تجعل الاكتفاء بهذه الطمأنة مغامرة بحد ذاتها. فبين رئيس أمريكي يلوّح بخيارات قصوى، ونظام إيراني يواجه أزمات داخلية وخارجية متراكمة، وتنظيم متطرّف يعيد تموضعه من خراسان إلى جوار الحدود، لا يملك العراق رفاهية انتظار ما سيقرره الآخرون، ثمّ التعامل مع نتائجه بأدوات تقليدية.
في النهاية، قد لا يسقط النظام الإيراني قريبًا، وقد تنجح المفاوضات في تجميد المواجهة الكبرى لسنوات أخرى. لكنّ الأسئلة التي يفرضها هذا الاحتمال، بكل تفاصيله الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، يجب أن تُطرح اليوم داخل بغداد: كيف سيحمي العراق حدوده وداخله إذا اهتزّ الجدار الشرقي؟ وكيف سيتعامل مع تغوّل محتمل لولاية خراسان عبر إيران إلى أراضيه؟ وهل سيبقى متلقيًا لارتدادات صراع الآخرين، أم سيبني، أخيرًا، تصوّرًا وطنيًا للأمن القومي يسبقه إلى الأحداث بدل أن يلهث خلفها؟
تقرير: محرّر قسم الشؤون السياسية والأمنية في بغداد اليوم