خريطة “الظلمات والموت” بالأسماء والأرقام.. “بغداد اليوم” تتبع خيوط انتشار داعش في 4 قارات- عاجل » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

حين حذّر رئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري، قبل أيّام، من أنّ عدد مقاتلي تنظيم داعش في سوريا تضاعف خلال عام واحد من نحو 2000 إلى 10 آلاف مقاتل، بدا واضحًا أنّ التنظيم لم يعد ملفًا “منتهيًا” كما حاولت كثير من الخطابات الرسميّة أن تصوّره. الشطري ربط هذا الارتفاع بفراغات الأمن في الشمال الشرقي السوري، وبتهديد مباشر للحدود العراقيّة، في قراءة توحي بأنّ داعش في حالة إعادة تنظيم لا في حالة اختفاء.

في المقابل، تشير بيانات المؤشّرات الدوليّة إلى أنّ تنظيم داعش وفروعه ظلّ من أكثر التنظيمات دمويّة في العالم خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار تسجيل مئات الهجمات وآلاف الضحايا، معظمهم في أفريقيا وآسيا، ما يعكس تحوّله إلى شبكة ولايات عابرة للحدود بعد سقوط “الخلافة” في العراق وسوريا.

هذا التقرير يحاول رسم خريطة تقريبيّة محدثة لتوزّع داعش عام 2026، وحدود ولاياته الأساسيّة، مع التركيز على ما يعنيه ذلك للعراق، في ضوء تحذير الشطري وما يحمله من دلالات.

“القلب التاريخي” للتنظيم.. العراق وسوريا بين انحسار الأرض وتمدد الظل

رغم فقدان التنظيم لسيطرته الميدانيّة على المدن الكبرى في العراق وسوريا منذ عام 2019، إلّا أنّ أغلب التقديرات الأمميّة والغربيّة ما زالت تعتبر “النواة الصلبة” لداعش متركّزة في هذا الحيّز الجغرافي، لكن بصيغة خلايا متنقّلة تعمل في مناطق صحراويّة أو ريفيّة أكثر منها حواضر حضريّة.

في العراق: تتحدّث التقارير عن بضعة آلاف من العناصر بين مقاتل ومناصر، يتحركون في جيوب محدودة على أطراف ديالى وصلاح الدين وكركوك وغرب الأنبار، مع اعتماد واضح على تكتيكات حرب العصابات والكمائن والعبوات الناسفة، بدل السيطرة على الأرض وإدارتها كما كان الحال عام 2014.

في سوريا: يتركّز الخطر في بادية دير الزور والرقة ومحيطها، وفي مناطق الفراغ الأمني الناتج عن تغيّر الخرائط بين قوات سوريا الديمقراطيّة والجيش السوري، مع وجود مخيّمات وسجون تضمّ آلاف المعتقلين والمحتجزين المرتبطين بالتنظيم، مثل مخيّم الهول وغيره، بما يمثّل “مخزنًا بشريًا” خطِرًا يمكن أن يتحوّل إلى مادّة انفجار أمني في حال انهيار منظومة الحراسة أو الحماية.

تقديرات أمميّة وأميركيّة سبق أن وضعت عدد مقاتلي التنظيم في العراق وسوريا معًا بين 5 و7 آلاف عنصر، لكنّ تقدير حميد الشطري الأخير يرفع رقم سوريا وحدها إلى 10 آلاف مقاتل، في قراءة متشائمة تعكس، على الأقل، قناعته بأنّ التنظيم يستفيد بقوّة من الفوضى على الحدود السورية – العراقية ومن تهاوي المنظومة الأمنية في الشمال الشرقي لسوريا.

هذا التفاوت في الأرقام لا يلغي حقيقة أساسيّة: النواة العراقية – السورية ما زالت موجودة، وإن تراجعت قدرتها على “الحكم”، لصالح نموذج “التنظيم الشبكي” الذي يضرب ثم يتوارى. بالنسبة لبغداد، يعني ذلك أنّ أي خلل على الحدود مع سوريا، أو سوء إدارة لملف نقل السجناء، يمكن أن ينعكس بسرعة على الداخل العراقي.

ولاية خراسان.. مركز ثقل التنظيم في آسيا ونافذة التهديد إلى الوسط الآسيوي وأوروبا

تتوافق تقارير أمميّة وغربيّة عديدة على أنّ ولاية خراسان التابعة لداعش (المعروفة اختصارًا بـ”داعش خراسان”) تحوّلت خلال الأعوام الأخيرة إلى أخطر أجنحة التنظيم وأكثرها ديناميكيّة.

هذه الولاية تتمركز أساسًا في أفغانستان، مع امتدادات في باكستان وأوزبكستان وطاجيكستان، وتستهدف في المقام الأوّل:

-قوات طالبان وأجهزة الأمن الأفغانيّة.

-الأقليّات المذهبيّة والقوميّة داخل أفغانستان.

-أهدافًا في دول الجوار، مع طموح معلن للوصول إلى عمق أوروبا عبر شبكات تجنيد رقمية عابرة للحدود.

يُشار إلى أنّ “داعش خراسان” يستفيد من حالة الفراغ الاستخباري النسبي بعد انسحاب أغلب القوات الغربيّة من أفغانستان، ومن وجود مقاتلين سابقين من تنظيمات أخرى، إضافة إلى جذب عناصر من دول آسيا الوسطى، وتضع تقديرات أمميّة وأمنيّة عدد مقاتلي هذه الولاية في حدود تقريبيّة تدور حول 2000 عنصر، مع هامش تذبذب صعودًا أو هبوطًا تبعًا لموجات التجنيد والضغط الأمني.

في إيران، عاد شبح التنظيم إلى الواجهة مع الهجوم الدامي في مدينة كرمان بداية عام 2024، الذي تبنّاه داعش، ما دفع كثيرًا من التحليلات إلى التحذير من أنّ الحدود الأفغانيّة – الإيرانيّة باتت ممرًا محتملًا لتصاعد نشاط خلايا التنظيم داخل العمق الإيراني نفسه، تحت راية ولاية خراسان.

بالنسبة للعراق، فإنّ أي تنسيق عملي بين “قلب” التنظيم في سوريا والعراق وبين ولاية خراسان، أو استخدام الأراضي الإيرانيّة كممر أو ساحة توتّر، يعني فتح جبهة شرقيّة جديدة محتملة، في وقت تتركّز فيه الجهود العراقيّة حاليًا على الشريط الغربي مع سوريا.

أفريقيا.. ولايات دامية من الساحل إلى موزمبيق

إذا كان “القلب التاريخي” للتنظيم في العراق وسوريا قد انكمش جغرافيًا، فإنّ مركز الثقل العددي والعملياتي لداعش انتقل بشكل واضح إلى أفريقيا، حيث رُصدت خلال السنوات الأخيرة عدّة ولايات وفروع رئيسيّة جنوب الصحراء:

ولاية غرب أفريقيا (ISWAP): تنشط في شمال شرق نيجيريا وحوض بحيرة تشاد (نيجيريا، النيجر، تشاد، الكاميرون)، وتُعدّ من أكثر الأفرع تنظيمًا وتسليحًا، بعد أن ورثت جزءًا كبيرًا من بنية “بوكو حرام” وبعض مناطق نفوذها، وتقدّر تقارير أمنيّة ودوليّة عدد مقاتليها الناشطين بين 8000 و12000 عنصر، مع قابلية الأعداد للارتفاع أو الانخفاض بحسب شدّة العمليات.

ولاية الساحل / الصحراء الكبرى: تمتدّ عملياتها بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث شهدت هذه الدول في الأعوام الأخيرة أعلى معدّلات ضحايا للهجمات الإرهابيّة عالميًا، مع تسجيل آلاف القتلى، جزء كبير منهم على يد داعش وفصائل قريبة منه في بنية وتنظيم العمل المسلّح، وتشير تقديرات ميدانيّة إلى أنّ عدد عناصرها الفعّالين يدور غالبًا بين 2000 و3000 مقاتل.

ولاية أفريقيا الوسطى: تتركّز في شرق جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة، عبر جماعات مسلّحة بايعت التنظيم وتشنّ هجمات على القرى والقوات الحكوميّة، مستفيدة من هشاشة الدولة وتداخل النزاعات المحليّة، وتضع تقديرات أمنيّة عدد مقاتليها في نطاق يتراوح تقريبيًا بين 1500 و2000 عنصر.

ولاية موزمبيق: نشطت في إقليم كابو دلغادو الغني بالغاز، حيث نفّذت مجموعات موالية لداعش هجمات على المدن والبنى التحتيّة وحقول الغاز، ما استدعى تدخلًا عسكريًا إقليميًا ودوليًا، وجعل من الإقليم نموذجًا لاختلاط الإرهاب بالمصالح الاقتصاديّة، وغالبًا ما تُقدّر أعداد مقاتليها بضع مئات، ترتفع أحيانًا إلى ما يقترب من 1000 عنصر في ذروة التمدّد قبل أن تعود للتراجع مع ضغط العمليات العسكريّة.

امتدادات في ليبيا والصومال: رغم تراجع “ولاية ليبيا” مقارنة بذروة قوّتها في 2015–2016، إلّا أنّ خلاياها ما تزال قادرة على توفير التدريب والتمويل، وتحريك مقاتلين بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، إضافة إلى وجود نواة موالية صغيرة في الصومال إلى جانب حضور قويّ لحركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، وغالبًا ما تتحدّث التقديرات عن أعداد تدور في نطاق “بضع مئات” من العناصر الموزّعة على جيوب متفرّقة.

المؤشّرات الدوليّة تفيد بأنّ أكثر من نصف ضحايا الهجمات الإرهابيّة في العالم خلال السنوات الأخيرة سقطوا في دول الساحل وغرب إفريقيا، مع حضور بارز لداعش وفروعه، ما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أنّ “مركز ثقل داعش يتحرّك تدريجيًا نحو إفريقيا مستفيدًا من هشاشة الدول وحدّة الأزمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة”.

الولايات “الصغرى”.. من سيناء واليمن إلى الهند وشرق آسيا

إلى جانب النواة في العراق وسوريا، وخراسان في آسيا، وأفرع أفريقيا، يحتفظ التنظيم بعدد من “الولايات” أو الفروع الأصغر حجمًا، لكنها ذات رمزيّة دعائيّة مهمّة في خارطته العالميّة:

ولاية سيناء (مصر): تراجعت قوّتها كثيرًا عن ذروتها قبل أعوام بفعل العمليات العسكريّة والأمنيّة المصريّة، لكنّها لم تُمحَ بالكامل، وتميل الآن إلى هجمات أقل عددًا وأكثر انتقائيّة في مناطق محدودة شمال سيناء، وغالبًا ما تدور تقديرات عدد عناصرها في نطاق مئات قليلة لا تتجاوز في أحسن الأحوال حاجز 1000 مقاتل.

ولاية اليمن: تنشط في ظلّ فوضى الحرب اليمنيّة، لكن تحت منافسة حادّة مع تنظيم القاعدة وفصائل محليّة أخرى، ويُنظر إليها بوصفها فرعًا محدود الموارد نسبيًا مقارنة بغيرها، وغالبًا ما تُقدّر أعداد عناصرها ببضع مئات موزّعة على جيوب صعبة التضاريس.

ولاية الهند / ما يُسمّى “ولاية الهند”: ظهرت عبر بيانات دعائيّة وهجمات محدودة في كشمير وبعض الولايات الهنديّة، وتعتمد بدرجة أكبر على النشاط الإعلامي والتجنيد عبر الإنترنت، من دون سيطرة ميدانيّة على الأرض، وتشير أغلب القراءات إلى أنّ عدد عناصرها لا يتجاوز عشرات أو مئات محدودة في أقصى التقديرات.

ولاية شرق آسيا: تمركزت سابقًا في جنوب الفلبين (مينداناو وماراوي)، حيث شهدت معارك كبيرة في 2017، قبل أن تنحسر إلى خلايا أصغر بعد العمليات العسكريّة، مع بقاء النشاط الدعائي والتبنّي الإعلامي لبعض الهجمات، وتقدّر أعداد المقاتلين الموالين للتنظيم هناك في حدود مئات قليلة.

امتدادات في أوروبا وتركيا وإيران: من خلال خلايا فرديّة أو صغيرة تستلهم التنظيم وتتبنّى اسمه من دون ارتباط تنظيمي محكم، كما في بعض الهجمات أو المحاولات في عدد من الدول الأوروبيّة، أو هجوم كرمان في إيران، حيث يكون استخدام اسم “الولاية” أقرب إلى علامة دعائيّة في بيان التبنّي منه إلى وصف لبنية جغرافيّة مستقرة، وغالبًا ما تُقاس هذه الامتدادات بعدد محدود من الخلايا الصغيرة بدل أرقام كبيرة للمقاتلين.

ماذا تعني هذه الخريطة للعراق؟ بين تحذير الشطري وخطر تلاقي الجبهات

تصريح حميد الشطري عن تضاعف أعداد مقاتلي داعش في سوريا إلى 10 آلاف خلال عام واحد، حتّى لو خالفته تقديرات أخرى أقل رقمًا، يسلّط الضوء على ثلاث حقائق جوهريّة بالنسبة للعراق:

الحدود الغربيّة ليست “خندقًا نهائيًا”: فالتنظيم يتحرّك اليوم على خريطة أوسع بكثير من مجرّد شريط حدودي مع سوريا؛ من صحراء الأنبار ودير الزور إلى جبال أفغانستان وسهول الساحل الأفريقي. أي تراجع في منظومات المراقبة على الحدود العراقيّة – السوريّة، أو سوء في إدارة ملفّ نقل السجناء، يمكن أن يفتح ثغرات يستغلّها التنظيم بسرعة، خصوصًا مع وجود خزّان بشري كبير على الجانب الآخر من الحدود.

داعش لم يعد “تنظيم محافظة واحدة”: بل شبكة ولايات. هزيمته العسكريّة في الموصل والرقة جعلته أقل قدرة على إدارة نموذج “الدولة”، لكنها دفعته إلى الاستثمار أكثر في فروع أفريقيا وخراسان وساحات أخرى، بحيث يصبح الضغط عليه في محور واحد غير كافٍ. العراق هنا يتأثّر بما يجري في سوريا وأفغانستان والساحل الأفريقي، سواء عبر حركة المقاتلين، أو عبر شبكات التمويل، أو عبر موجات الدعاية الرقميّة.

المعركة اليوم استخباريّة بالدرجة الأولى: الخريطة الحاليّة لداعش هي خريطة خلايا صغيرة وولايات متباعدة، لا ترفع أعلامًا على عواصم ومدن كما في 2014، بل تختبئ بين مخيّمات نازحين، وسجون مكتظة، وفراغات حدود، ومنصّات تواصل تستخدم أدوات متقدّمة في التشفير والتجنيد. وهنا يصبح مستوى التعاون الاستخباري الإقليمي والدولي، إلى جانب كفاءة الأجهزة الوطنيّة، عاملًا حاسمًا في منع “عودة الشبح”.

بالنسبة لصانع القرار في بغداد، تعني هذه الخريطة أنّ التعامل مع داعش لم يعد ممكنًا بوصفه “فلولًا داخليّة” فقط، ولا بوصفه “خطرًا خارجيًا” محضًا؛ بل كجزء من شبكة عابرة للحدود تتقاطع فيها ملفات الأمن مع السياسة الإقليميّة (سوريا، إيران، أفغانستان)، ومع ملفات حسّاسة مثل نقل السجناء، وضبط المخيّمات، وإدارة العلاقات مع القوى الدوليّة المشاركة في “الحرب على الإرهاب”.

خلاصة الصورة في عام 2026

داعش اليوم أضعف بكثير من “خلافة 2014” على مستوى السيطرة الميدانيّة، لكنه في الوقت نفسه أوسع انتشارًا من حيث الجغرافيا وعدد الولايات، وأكثر اعتمادًا على الهجمات النوعيّة والخلايا المرنة. تحذير الشطري من 10 آلاف مقاتل في سوريا ليس مجرّد رقم صادم، بل إنذار بأنّ الخريطة ما تزال مفتوحة على احتمالات تصاعد جديدة، إذا لم تُدار الملفات الحدوديّة والاستخباريّة والإقليميّة بأعلى درجات الحذر والتنسيق، وبما يضمن ألّا تتحوّل أي ثغرة هنا أو هناك إلى بوّابة لنسخة جديدة من الكارثة.

تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *