حتى إشعار آخر.. هل سيبقى العراق “جمهورية بلا رئيس”؟ من يملك مفتاح قصر السلام؟ » وكالة بغداد اليوم الاخبارية



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

مع كل دعوة جديدة لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، يبدو المشهد السياسي في بغداد كما لو أنّه يعيد عرض الفيلم نفسه بالوجوه ذاتها والنهايات ذاتها؛ نصابٌ يتعطّل، وكتل تتقاذف الاتهامات، واستحقاق دستوري يتحوّل إلى ورقة ابتزاز متبادل، فيما يبقى موقع رئاسة الجمهورية شاغرًا، وتبقى الدولة أسيرة أزمة عنوانها الأعمق: طبقة سياسية لا تريد تغيير قواعد اللعبة التي صنعت نفوذها.

الباحث في الشأن السياسي أحمد الأنصاري، أكد أنّ أي جلسة جديدة لانتخاب رئيس الجمهورية من دون توافق سياسي مسبق ستكون “محكومة بالفشل”، محذّرًا من استمرار الشغور الرئاسي وما يرافقه من تداعيات خطيرة على الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد.

قال الأنصاري، لـ”بغداد اليوم”، إنّ “الدعوة إلى عقد جلسة جديدة لانتخاب رئيس الجمهورية، في ظل غياب اتفاق سياسي واضح ومسبق بين الكتل والقوى الأساسية، لن تؤدي إلى أي نتيجة مختلفة، بل ستنتهي بالفشل نفسه الذي طبع الجلستين السابقتين”.

وبيّن أنّ “التجربة البرلمانية الأخيرة أثبتت بشكل قاطع أن الآليات الدستورية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعمل بمعزل عن التفاهمات السياسية، والدستور يحدد الإطار الإجرائي للانتخاب، لكنه لا يفرض توافقًا سياسيًا تلقائيًا بين الأطراف المتنازعة”.

نفس الوجوه.. نفس الأزمة

وراء ما يصفه الأنصاري بـ”الفشل المتكرر” تكمن حقيقة أعمق يشير إليها كثير من المراقبين، مفادها أنّ المشكلة لم تعد في موعد الجلسة أو تفسير النصوص الدستورية بقدر ما هي في طبيعة الطبقة السياسية نفسها؛ فالوجوه التي تدير المشهد اليوم هي ذاتها التي صاغت معادلات المحاصصة بعد عام 2003، وهي التي قادت كل الأزمات الحكومية اللاحقة، وهي التي تعود الآن لتدير ملف انتخاب رئيس الجمهورية بالمنطق نفسه: منطق الصفقات المؤقتة وتقاسم النفوذ، لا منطق بناء استقرار مؤسسي طويل الأمد.

هذه القوى، بحسب القراءة المتداولة، تعيش على حافة الأزمة أكثر مما تعيش على حافة الحل؛ فكل انسداد جديد يرفع من قيمة “السهم التفاوضي” للكتل المتصارعة، ويجعل من كل استحقاق دستوري فرصة لإعادة توزيع المواقع والمكاسب، بدل أن يكون لحظة تصحيح لمسار الدولة. وهكذا يتحول انتخاب رئيس الجمهورية من استحقاق سيادي إلى جولة جديدة في سوق المساومات بين الكتل نفسها والقيادات نفسها والشبكات نفسها.

دستور على الورق.. وسياسة تتحكم بالمضمون

الأنصاري يلفت بوضوح إلى هذه المفارقة عندما يؤكّد أنّ “الفشل المتكرر للجلسات السابقة لم يكن سببه خلل دستوري أو إجرائي، بل يعود بالدرجة الأولى إلى الانقسام السياسي الحاد، واستخدام النصاب والتصويت كأدوات ضغط متبادل، ما يفقد العملية الانتخابية مضمونها الدستوري الحقيقي”.

بهذا المعنى، لا يبدو الدستور هنا أداة حاكمة بقدر ما يبدو واجهة إجرائية تستخدمها القوى المتصارعة كلٌّ وفق مصالحه؛ فالنصاب يتحوّل من ضمانة لحماية التوافق إلى “فيتو” بيد كتلة أو محور، والتصويت السرّي يصبح ساحة لتصفية الحسابات بين الأجنحة المتنازعة داخل المعسكر الواحد، فيما تبقى “روحية الدستور” غائبة أمام الحسابات الضيقة والارتباطات الخارجية المتشابكة.

ارتباطات خارجية تعقّد معادلة التوافق

جزء مهم من تعقيد المشهد يعود أيضًا إلى تشابك ملفات الداخل مع حسابات الخارج؛ فاستحقاق رئاسة الجمهورية لا يُقرأ فقط بمنظار التوازنات بين القوى الكردية أو الشيعية أو السنية، بل يوضع أيضًا تحت مجهر العواصم الإقليمية والدولية، حيث تتحرك بعض القوى السياسية في بغداد ضمن هوامش محسوبة بدقة تبعًا لعلاقاتها ومحاورها وارتباطاتها خارج الحدود.

هذا التشابك يجعل من كل جلسة انتخابية محتملة امتدادًا لصراع أوسع من قاعة البرلمان؛ صراع على اتجاه بوصلة العراق بين مشاريع متنافسة، بعضها يريد تكريس نفوذ إقليمي بعينه، وبعضها يحاول إعادة إنتاج معادلات التوازن مع الولايات المتحدة ودول الجوار. وفي ظل غياب إرادة داخلية مستقلة لتغليب منطق الدولة على منطق المحاور، تصبح أي جلسة انتخابية مجرد انعكاس لهذه التجاذبات أكثر مما هي مساحة لقرار وطني خالص.

جلسات شكلية.. ووقت يُهدر

الأنصاري يحذّر صراحة من الاستمرار في هذا المسار، معتبرًا أنّ “الإصرار على عقد جلسات شكلية دون نضوج تسوية سياسية شاملة يعد هدراً للوقت وإمعاناً في تعميق الأزمة، إذ إن موازين القوى داخل المجلس النيابي لم تتغير، ولا توجد حتى الآن مؤشرات جدية على تبدل في مواقف الكتل الكبرى”.

هذا التشخيص يطرح سؤالًا مباشرًا: ما الجدوى من الدعوة إلى جلسة جديدة في ظل موازين قوى ثابتة، وكتل ما تزال تتعامل مع النصاب بوصفه ورقة ضغط، ومع الشغور الرئاسي بوصفه ثمنًا مقبولًا في معركة النفوذ؟ عمليًا، كل جلسة تُعقد من دون “صفقة سياسية كبرى” تسبقها تتحول إلى محطة أخرى في مسلسل الفشل، وتُعمّق شعور الشارع بأنّ البرلمان يعيش في عالم منفصل عن هموم المواطنين وأزمات الاقتصاد والخدمات.

كلفة الشغور.. واستحقاق الحوار الجدي

وفي ختام حديثه لـ”بغداد اليوم”، شدّد الأنصاري على أنّه “يجب الحذر من أن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي إلى إطالة أمد الشغور الرئاسي، وما يرافقه من تداعيات خطيرة على عمل المؤسسات الدستورية والاستقرارين السياسي والاقتصادي، ولهذا يجب إطلاق حوار سياسي جدي ومباشر يسبق أي دعوة لجلسة انتخابية جديدة”.

هذا التحذير لا يتعلّق بالرمزية فقط؛ فغياب رئيس للجمهورية يعني بقاء أكثر من ملف معلّق، من تشكيل الحكومات المقبلة، إلى مصير التشريعات الكبرى، إلى صورة العراق أمام المجتمع الدولي. ومع استمرار تآكل الثقة الشعبية بالعملية السياسية، يصبح أي تأخير إضافي في ملء الموقع الرئاسي عامل ضغط إضافي على هشاشة الاستقرار الداخلي.

في المحصلة، تكشف أزمة انتخاب رئيس الجمهورية مرّة أخرى أنّ المشكلة لا تكمن في “موعد الجلسة” ولا في “إعادة تفسير الدستور”، بل في منظومة سياسية تعيد إنتاج نفسها، بوجوهها وتحالفاتها وارتباطاتها، من دون استعداد حقيقي للاعتراف بأنّ قواعد اللعبة القديمة وصلت إلى طريق مسدود. وبين دستور معلّق على الحائط وواقع سياسي يدار بعقلية الصفقة، يبقى الحل الحقيقي مرهونًا بقدرة القوى العراقية على كسر الحلقة المفرغة، قبل أن يتحوّل الشغور في الرئاسة إلى شغور أوسع في مفهوم الدولة نفسها.

تقرير: محرر سم الشؤون السياسية في بغداد اليوم



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *