+A
-A
بغداد اليوم – ترجمة
بحسب تقرير موسع نشرته مجلة ذي أتلانتك الأميركية، لم يسقط نظام بشار الأسد فقط تحت ضغط التحولات الجيوسياسية، بل بفعل حاكم منفصل عن الواقع، يقضي وقته في لعبة “كاندي كراش” وعلاقات عابرة، بينما تتآكل دولته من الداخل ويُترك الجنود بلا رواتب تقيهم الجوع.
التقرير يروي، على لسان عشرات من رجال الحاشية والضباط السابقين في قصر دمشق، كيف فرّ الأسد ليلًا على متن طائرة روسية في السابع من كانون الأول 2024، من دون إبلاغ معظم مساعديه، تاركًا وراءه نظامًا ينهار بسرعة، وجيشًا مرتبكًا، وطبقة موالية شعرت بالخيانة وهي تكتشف أن “الرئيس” سبق الجميع إلى طريق الهروب.
حاكم مهووس بالجنس وألعاب الهاتف.. وقصر يعيش في عالم آخر
ينقل التقرير عن عنصر سياسي سابق في حزب الله، إضافة إلى مسؤول إسرائيلي سابق، أن أجواء القصر الرئاسي في السنوات الأخيرة لم تكن مهيأة لأي تفكير استراتيجي واضح، إذ كان الأسد يقضي “معظم وقته” في لعب “كاندي كراش” وألعاب فيديو أخرى على هاتفه، بينما يحيط نفسه بدائرة ضيقة من الوجوه الشابة ذات “المؤهلات المشبوهة”.
داخل هذه الدائرة برز اسم لونا الشبل، المذيعة السابقة في قناة الجزيرة، التي تحولت إلى مستشارة إعلامية وعشيقة للأسد في الوقت نفسه، بحسب المصادر التي نقل عنها التقرير، مع اتهامات بأنها كانت تجلب له نساء أخريات، من بينهن زوجات ضباط كبار في الجيش والأجهزة. ويُقال إن الشبل، التي كانت متزوجة من شخصية مقربة من النظام، شجعت ثقافة ازدراء المواطنين داخل القصر، إلى حد أن تسجيلًا مسربًا أظهر الأسد وهي يسخران من الجنود الذين يؤدون لهما التحية في ضاحية من ضواحي دمشق، بينما يعلّق الأسد ببرود على السوريين في الشارع بأنهم “ينفقون الأموال على المساجد، لكن ليس لديهم ما يكفي من الطعام”.
في الخارج، كان ملايين السوريين على حافة المجاعة، بينما تحول البلد، وفق التقرير، إلى “دولة مخدرات” تشرف عليها شبكات يقودها شقيقه ماهر الأسد، الذي تولى تصنيع وتهريب كميات ضخمة من “الكبتاغون” إلى دول الخليج والأردن، ما درّ مليارات الدولارات على عائلة الأسد، وأثار في المقابل أزمة إدمان وغضبًا متصاعدًا لدى قادة تلك الدول.
فرص نجاة أهدرها الأسد.. من أموال الخليج إلى صفقة “أوستن تايس”
تقرير “ذي أتلانتك” يقدّم رواية مغايرة لفكرة أن الجغرافيا السياسية وحدها هي التي أسقطت النظام. فبحسب شهادات نقلها عن مستشارين ودبلوماسيين سابقين، لم تكن أي من القوى الإقليمية الكبرى متحمسة فعليًا لسقوط الأسد، بل إن بعض العواصم العربية والخليجية عرضت عليه “شرايين نجاة” سياسية واقتصادية، بشرط واحد واضح، هو إبعاده نفسه عن نفوذ إيران والتخفيف من ارتباطه بمحور “المقاومة”.
الإمارات، كما يذكر التقرير، أعادت فتح سفارتها في دمشق عام 2018، وكانت مستعدة لقيادة مسار لإعادة تأهيل النظام عربيًا، لكن مطلبها المركزي كان تقليص الارتباط مع طهران. في المقابل، كان الإيرانيون أوضح في رسالتهم، إذ تعهّدوا بأن يفعلوا “كل شيء” للإبقاء على الأسد في الحكم، مقابل استمرار استخدام الأراضي السورية ممرًا للسلاح والمال نحو حزب الله.
حتى الولايات المتحدة، التي قادت عقوبات مشددة على دمشق، فتحت أكثر من قناة تفاوضية غير مباشرة، من بينها ملف الصحفي الأميركي أوستن تايس، الذي اختفى في سوريا عام 2012. ينقل التقرير عن عباس إبراهيم، الرئيس السابق للأمن العام اللبناني، تفاصيل وساطته بين دمشق وواشنطن في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث أبدت الإدارة الأميركية، وفق روايته، استعدادًا “لصفقة ذهبية” تشمل تخفيف العقوبات وفتح باب التواصل السياسي، مقابل تعاون حقيقي حول مصير تايس. لكن جواب الأسد كان قاطعًا، “لا صفقة ولا مزيد من المحادثات”، بدافع ضغينة شخصية قديمة على خلفية وصف ترامب له بـ “الحيوان”.
هذه الفرص، إضافة إلى عروض من قوى إقليمية أخرى لفتح صفحة جديدة، ظلّت تتكسر على صخرة عناد الأسد وشعوره المبالغ فيه بالحصانة. وبحسب شخصية سورية بارزة نقل عنها التقرير، فإن الأسد تصرف طوال الوقت كمن يردد في سرّه “الروس بحاجة إلي، والإيرانيون لا يملكون بديلًا، أنا الملك”.
“محور المقاومة” يتشقق.. ولونا الشبل تدفع الثمن
عام 2023 ومع هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول، بدا لوهلة، كما يصف التقرير، أن نبوءات زعيم حزب الله السابق حسن نصر الله قد تتحقق، وأن “محور المقاومة” يقترب من لحظة انتصار. لكن الرد الإسرائيلي العنيف، بضربات جوية امتدت إلى لبنان وسوريا، انتهى بقتل نصر الله نفسه، وفق الرواية التي تتبناها “ذي أتلانتك”، بينما التزم الأسد صمتًا أثار شكوك حلفائه في طهران بأن دمشق ربما لعبت دورًا في تسريب معلومات حساسة.
في خضم هذه الأجواء، تصاعد التوتر داخل الدائرة المحيطة بالأسد. وفي تموز 2024، عُثر على لونا الشبل ميتة داخل سيارتها على طريق خارج دمشق، في حادثة صنّفها إعلام النظام على أنها “حادث سير”، رغم أن روايات متقاطعة تحدثت عن أضرار طفيفة في السيارة مقابل إصابات قاتلة في الجمجمة. الانتشار السريع للشائعات ربط مقتلها بأوامر إيرانية عقابًا لها على تسريب معلومات، لكن التقرير ينقل عن مسؤول إسرائيلي سابق ومصادر أخرى قريبة من النظام أن الأمر جاء من الأسد نفسه، بعد أن تحولت الشبل، عمليًا، إلى “عميلة روسية” تنقل لموسكو تفاصيل عن نشاط إيران داخل سوريا.
بهذا المعنى، يقدم التقرير مقتل الشبل باعتباره أحد تجليات بارانويا الأسد في سنواته الأخيرة، إذ صار يشك بكل من حوله، ويبحث عن “أدوات ملكية” على طريقة فلاديمير بوتين وحكّام الخليج، من احتياطيات نقدية ضخمة قادرة على تمويل الميليشيات وإعادة توجيه الاقتصاد، من دون أن يتخلى عن امتيازاته الشخصية أو يعيد النظر في تحالفاته.
من موسكو إلى الطائرة الروسية.. تفاصيل الساعات الأخيرة
الفصل الأخير، كما يرويه التقرير، بدأ في تشرين الثاني 2024، عندما حصلت فصائل معارضة بقيادة أحمد الشرع المعروف سابقًا باسم “أبي محمد الجولاني”، على ضوء أخضر تركي لعملية عسكرية واسعة. وافق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على العملية على مضض، بعد أن أخفق طوال عام كامل في إقناع الأسد بلقاء مباشر يفضي إلى مصالحة سياسية وترتيب لعودة ملايين اللاجئين السوريين، بينما ظل الأسد يتصرف كمن يمسك بكل الأوراق، مشترطًا انسحاب القوات التركية قبل أي حوار.
عندما تحركت قوات المعارضة نحو حلب في نهاية تشرين الثاني، كان الأسد في موسكو مع ابنه الذي يستعد لمناقشة أطروحته للدكتوراه، وبقي هناك أيامًا على أمل أن يقنع بوتين بإنقاذ نظامه، قبل أن يسمع الجواب القصير القاسي بأن روسيا لن تخوض حربه عنه، وأن خياره الوحيد هو التفاهم مع أنقرة. بالتوازي، كانت مدن مثل حلب وحماة وحمص تسقط تباعًا بيد المعارضة، بينما بدأ القادة الإيرانيون في سوريا يحزمون أمتعتهم ويغادرون، ما سرّع انهيار خطوط الجيش السوري وولادة حالة من الذعر في صفوف الجنود.
بحسب أحد أفراد حاشية الأسد، الذي نقلت عنه “ذي أتلانتك” شهادته عن الساعات الأخيرة، عاد الأسد إلى مقر إقامته في حي المالكي مساء السابع من كانون الأول مطمئنًا بعض أقربائه بأن “الإمارات والسعودية ستمنعان سقوط دمشق”، قبل أن تتوالى الأخبار عن تقدم المعارضة واقترابها من العاصمة. ومع منتصف الليل، كان مزاج القصر يتأرجح بين إنكار الواقع وبين وعود وهمية بأن “قوات إضافية” ستطوق المدينة.
عند الثانية فجرًا تقريبًا، بحسب الشهادة ذاتها، أصدر الأسد أوامره بإحضار شاحنات صغيرة لحزم متعلّقاته، وخرج من باب المنزل برفقة ابنه وحفنة من مساعديه، بينما قيل للباقين إن “لا مكان لهم”. سائق الرئيس القديم، الذي وقف على الباب بوجه يملؤه الخذلان، سأله “هل ستتركنا فعلًا؟”، ليجيبه الأسد بسؤال معاكس “وماذا عنكم أنتم؟ ألن تقاتلوا؟”، ثم مضى إلى حيث كانت مجموعة من الضباط الروس بانتظاره لنقله إلى خارج البلاد.
كل شيء كان عن بشار
الخلاصة التي يدفع باتجاهها التقرير الأميركي أن سقوط نظام الأسد، كما صممه حافظ الأسد قبل عقود، لم يكن نتيجة حتمية لصراع المحاور فقط، بل بسبب خليفة ضعيف وعنيد، يعيش في فقاعة من ألعاب الهاتف والعلاقات الشخصية والثروة غير المشروعة، في وقت كان يمكنه فيه أن يلتقط أكثر من فرصة للنجاة، من أموال الخليج، إلى عروض التسوية الغربية، إلى إعادة صياغة العلاقة مع إيران وتركيا.
بحسب أحد المقرّبين السابقين من القصر الذي نقلت عنه “ذي أتلانتك”، فإن “الموالين الغاضبين ربما كانوا محقين في النهاية، فالأمر كله كان يتعلق ببشار”، لا بمحور ولا بحرب فقط، بل بطاغية اختار أن يغلق هاتفه في اللحظة التي كانت بلاده تغرق، تاركًا الآخرين يتحملون كلفة انهيار دولة أمنية امتدت لعقود.