+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
لم يعد تعثر تشكيل الحكومة الجديدة في العراق مجرّد خلاف على اسم رئيس وزراء أو توزيع حقائب وزارية، بل تحوّل، كما يصفه الباحث في الشأن السياسي محمد علي الحكيم في حديثه لـ”بغداد اليوم”، إلى “مؤشر واضح على اختلال عميق في بنية القرار العام وآليات إنتاج السلطة”. فحالة الانتظار الطويل بعد كل انتخابات، والصراع الممتد على شكل الحكومة وتركيبتها، جعلت تأخر التشكيل يبدو وكأنه القاعدة، بينما أصبح الالتزام بالمواعيد الدستورية هو الاستثناء.
الدستور من مرجعية حاكمة إلى ورقة مساومة
يرى الحكيم أنّ ما يجري لا يتعلّق فقط بخلافات سياسية، بل بموقع الدستور نفسه في الحياة العامة. فالمواد الدستورية التي تحدد آجال انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء وتمرير الكابينة، يتم التعامل معها في كل أزمة بوصفها بنوداً قابلة للتأويل والتعطيل، لا خطوطاً حمراء ملزمة للجميع.
بهذه الطريقة، يتحوّل الدستور من مرجعية حاكمة تنظّم التوازن بين السلطات إلى أداة مساومة داخل سوق السياسة، تُستخدم حين تخدم موقف طرف ما، ويتم تجاوزها أو تجميدها عندما تصبح عائقاً أمام مكاسب أو تسويات. هذا الاستخدام الانتقائي للنص، كما يحذّر الحكيم، يفتح المجال أمام تعاظم أدوار القوى الخارجية التي تجد في الانقسام الداخلي وغياب الإرادة الوطنية الموحدة فرصة للتدخل والتأثير في مسارات القرار السيادي.
تعدد غرف القرار.. دولة واحدة أم شبكة مراكز نفوذ؟
تعثر تشكيل الحكومة يكشف أيضاً حجم التشظي في مراكز صناعة القرار. فالإرادة السياسية لا تصدر من جهة واحدة واضحة، بل من شبكة واسعة من الفاعلين:
-كتل وتكتلات برلمانية تتصارع على “الاستحقاق” والنفوذ.
-بيوت ومرجعيات سياسية داخل المكون الواحد تمتلك قرار الموافقة أو التعطيل.
-قوى مسلحة لها حضور ميداني وتأثير سياسي مباشر أو غير مباشر.
-امتدادات إقليمية ودولية تملك القدرة على الضغط أو الدعم أو فرض الخطوط الحمراء.
في هذا السياق، لا تعود الحكومة المقبلة نتيجة طبيعية لعملية انتخابية واضحة، بل حصيلة سلسلة طويلة من المساومات بين هذه المراكز المختلفة. وكل طرف يمتلك، بشكل أو بآخر، قدرة على استخدام “حق الفيتو” لتعطيل المسار إذا لم يحصل على ما يراه مناسباً من حصص ومواقع، الأمر الذي يحوّل عملية التشكيل إلى جولة إعادة توزيع نفوذ أكثر مما هي استجابة لخيارات الناخبين.
أزمة تشكيل حكومة أم أزمة سيادة؟
عندما يتحدث الحكيم عن “تعاظم أدوار القوى الخارجية”، فهو يربط مباشرة بين التعثر الداخلي وموقع العراق في خريطة الصراعات الإقليمية والدولية. فكل أزمة حكومية تعيد إلى الواجهة ملفات حساسة، من بينها:
-مستقبل الوجود العسكري الأجنبي في البلاد.
-مستوى الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة العراقية.
-شكل علاقات العراق الاقتصادية والطاقوية مع محيطه والعالم.
كلما طال أمد الفراغ الحكومي أو غابت حكومة كاملة الصلاحيات، تضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة في هذه الملفات، وتتسع مساحة تأثير العواصم الخارجية. عندها لا يعود شكل الحكومة وبرنامجها نتاجاً لإرادة داخلية خالصة، بل نتيجة توازن مع مصالح وضغوط خارجية، وهو ما يحوّل أزمة التشكيل من عنوان سياسي داخلي إلى ملف يمس جوهر السيادة.
ثقة الشارع.. بين التآكل والاحتجاج والانكفاء
الجانب الأخطر، بحسب الحكيم، هو ما يتركه هذا المسار على علاقة المواطن بالدولة. فتعثر تشكيل الحكومات، وتكرار أزمات الانسداد السياسي، وتقديم صفقات النخب على أولويات الناس، كلها عوامل تضعف ثقة الشارع بالعملية السياسية.
المواطن الذي يراقب المشهد يرى أنّ الانتخابات تنتهي دائماً إلى غرف مغلقة تعيد توزيع السلطة بين القوى المتنفذة، فيما ملفات الخدمات والبطالة والفساد تبقى معلّقة أو مؤجلة. ومع الوقت، تتكرس لدى شريحة واسعة قناعة بأن النظام السياسي مغلق أمام التغيير الحقيقي، وأن المشهد لا يتبدل إلا في الوجوه لا في القواعد.
هذا الشعور يفرز سلوكيات متباينة: فبعض المواطنين ينسحب من المشاركة ويذهب إلى العزوف واليأس، بينما يميل آخرون إلى خيارات أكثر حدة، سواء عبر موجات احتجاج جديدة أو عبر البحث عن بدائل راديكالية خارج المنظومة القائمة. في الحالتين، تتعمق الفجوة بين الشارع والطبقة الحاكمة، وتُمس شرعية الدولة ومؤسساتها في الوعي العام.
مفترق طرق.. بين منطق الدولة ومنطق الوصايات
في ختام حديثه لـ”بغداد اليوم”، يلفت محمد علي الحكيم إلى أن “المسؤولية التاريخية تفرض على القوى السياسية التحلي بالشجاعة السياسية، والانتقال من منطق التعطيل والمكاسب الآنية إلى منطق الدولة والشراكة الوطنية، قبل أن تتحول أزمة تشكيل الحكومة إلى أزمة وجودية تمس كيان الدولة ذاته”.
هذا التحذير يضع العراق أمام مفترق طرق واضح: إما استعادة منطق الدولة، القائم على احترام الدستور بوصفه مرجعية حاكمة لا ورقة مساومة، وتغليب المصلحة الوطنية العامة على حساب المصالح الفئوية، وبناء قرار مستقل نابع من الإرادة الداخلية وإما البقاء في دائرة الوصايات المتعددة وصراع النفوذ الداخلي والخارجي، بما يحمله ذلك من مخاطر تراكمية على السيادة والاستقرار ومستقبل العملية السياسية برمتها.
بين هذين الخيارين، تبدو الحاجة ملحّة إلى خطوات عملية لا شعارات عامة: تحويل المدد الدستورية إلى التزام فعلي غير قابل للتجاوز، وقف استخدام التعطيل كأداة تفاوض، الفصل بين السلاح والقرار السياسي، والانتقال تدريجياً من حكومات محاصصة واسعة إلى حكومات ذات برامج محددة يمكن قياسها ومحاسبتها.
من دون هذه المراجعة الجدية، سيبقى تعثر تشكيل الحكومات يتكرر في كل دورة، لا بوصفه أزمة طارئة، بل كجزء من طبيعة النظام نفسه، وهو ما يحوّل السؤال من “متى تتشكل الحكومة؟” إلى “أي دولة يمكن أن تستقر فوق هذا الأساس المهتز؟”.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات