تسمعون بالفساد ولا تعرفون كيف يمر؟ إليكم تفاصيل طبخ العقود والسرقة والنهب بـ”الأرقام”



+A
-A

بغداد اليوم – بغداد

يسمع المواطن العراقي كلمة “الفساد” كل يوم تقريبًا، كونها تحولت إلى خلفية ثابتة في الخطابات السياسية والتقارير الرقابية وأحاديث المقاهي. لكن ما يراه بعينه أبسط بكثير من المصطلحات الكبيرة: شارع أُعيد تبليطه أكثر من مرّة ثم عاد ليتشقق مع أول مطر، مدرسة “مؤهَّلة” ما زالت سقوفها تسرب الماء، مستشفى جديد لكن بلا أجهزة كافية أو كادر متكامل.

في أحد أحياء الأطراف، يغادر تلاميذ مدرسة ابتدائية صفوفهم بعد أول زخّة مطر لهذا الموسم. الطريق المؤدي إلى المدرسة يغصّ بالحفر والمياه الراكدة، وساحة المدرسة تحولت إلى طين لزج. قبل أشهر فقط، ظهر مسؤول محلي على شاشة التلفاز مبشرًا بـ”اكتمال مشروع تأهيل الطرق والمدارس في القضاء بكلفة كبيرة”. في المساء، يجلس أحد أولياء الأمور أمام نشرة الأخبار، يسمع عن إطلاق مشروع خدمي جديد “أكبر من السابق” لتحسين الواقع نفسه. يلتفت ابنه نحوه ويسأل: “ليش كل سنة يعدّلون الشارع ويرجع يخرب؟”. يجيبه الأب بسخرية مرة: “الشارع يبقى هو، بس العقود تكبر”.

هذه المفارقة بين ما يُعلن على الورق وما يعيشه الناس على الأرض هي أفضل مدخل لفهم الفساد، ليس كمجرد سرقة أموال في عقد هنا أو صفقة هناك، بل كمنظومة متكاملة تبدأ من لحظة التفكير بالمشروع ولا تنتهي عند حدود الإفلات من العقاب.

كيف تُصنع صفقة فاسدة من لحظة الفكرة؟

في كثير من الحالات، تبدأ القصة قبل توقيع العقد بوقت طويل، عند لحظة طرح “فكرة المشروع”. يُفتح عنوان جذّاب: “تطوير”، “تأهيل”، “إعمار”، وتُنسج حوله رواية عن الأهمية والحاجة. في هذه المرحلة الأولى تُكتب الكلفة التخمينية أعلى من السعر الواقعي في السوق، وتُصاغ المواصفات والشروط الفنية بطريقة تبدو مهنية، لكنها في الجوهر تضيق دائرة المنافسة الفعلية وتفتح الطريق أمام عدد محدود من الشركات المرتبطة سياسيًا أو تجاريًا بجهات نافذة.

عندما يحين موعد فتح العطاءات، تبدو الصورة على السطح تنافسية: ملفات عديدة، كفالات مصرفية، عروض متفاوتة في الأسعار. لكن داخل غرف اللجان، تتحول الملاحظات الشكلية إلى سلاح: توقيع ناقص في صفحة ثانوية، خطأ بسيط في كتاب مصرفي، تفسير متشدّد لبند من بنود الإعلان. بهذه الذرائع تُسقط العروض الأرخص أو الأكثر مهنية، ويمرّ العرض الأعلى سعرًا بوصفه “الوحيد المستوفي للشروط”.

بعد توقيع العقد تبدأ مرحلة التنفيذ، حيث تُستبدل المواد المنصوص عليها في العقد بمواد أدنى جودة، أو تُقلَّص الأعمال الفعلية على الأرض مع الإبقاء على قيمة الدفعات كما هي، ويجري تمديد المدد بحجج مختلفة للحصول على كلف إضافية. على الورق، المشروع منجز بنسبة 100%، في الواقع، يعود الشارع إلى حالته الأولى بعد موسم مطر واحد، وتحتاج المدرسة إلى صيانة جديدة بعد سنوات قليلة، وكأن العقد لم يكن سوى لحظة عابرة في عمر الفساد لا في عمر البنية التحتية.

خريطة الفساد.. حلقات متصلة لا حوادث معزولة

عند تجميع القصص المتناثرة، تظهر خريطة شبه مكتملة للفساد الإداري والمالي، تتكوّن من حلقات مترابطة:

في الحلقة الأولى، حلقة التخطيط والتصميم، يتم اختيار مشاريع لا تأتي دائمًا من حاجة حقيقية على الأرض، بل من مصلحة سياسية أو حزبية أو تجارية. تُضخّم الكلف التخمينية من البداية، وتُكتب الشروط الفنية بطريقة تجعل المنافسة الحقيقية شبه مستحيلة، وتُقصى شركات مهنية مبكرًا لأنها عاجزة عن الدخول في لعبة “التفاهمات”.

في الحلقة الثانية، حلقة العطاءات واللجان، يُعاد إنتاج الفساد بوجه قانوني؛ لجان تُشكّل على أساس الولاء لا الخبرة، تمسك بنصوص التعليمات وتستخدمها انتقائيًا لإسقاط عروض بعينها: ملاحظة على ختم، أو تأويل ضيّق لبند، أو insist على نموذج محدد لا علاقة له بجوهر الخدمة. خلف المشهد، تتفاهم بعض الشركات فيما بينها على تقاسم المناقصات على سنوات، في ما يشبه “كارتل” يمنع النزول عن سقف معيّن للأسعار، ويضمن أن تبقى الكلف أعلى من المستوى الطبيعي للسوق.

في الحلقة الثالثة، حلقة التنفيذ، يتحول النص إلى أعمال ناقصة: سماكة أقل في الطرق، إسمنت أقل جودة في الأبنية، تجهيزات مستعملة أو رديئة تُقدّم على أنها “حديثة”، تمديدات متكررة للمدة التنفيذية مع طلبات كلف إضافية. النتيجة هي منشآت هشة تعيش عمرًا أقصر بكثير من الأموال التي صُرفت عليها، في حين تُستخدم صور الافتتاح والقص الشكلي للشريط كدليل على “الإنجاز”.

في الطبقة الرابعة، يظهر “الفساد اليومي الصغير”: المواطن الذي يُطلب منه “مبلغ بسيط” لتسريع معاملة، الموظف الذي لا يتحرك ملفه إلا بعد ما يُسمّى “إكرامية”، العقود التي تُحاط برسائل شفوية عن ضرورة “مجاملة الجهة الفلانية”. هذا المستوى لا يصنع عناوين صادمة، لكنه يطبع سلوك المجتمع، فيقتنع المواطن أن حقه لا يأتي إلا بدفع إضافي، ويتعامل الموظف مع موقعه كفرصة لتحصيل لا كتكليف لخدمة عامة.

وفي طبقة أعلى، يقف “الفساد السياسي – الإداري” عند نقطة التقاء المال بالسلطة؛ مناصب توزّع على أساس المحاصصة، لا على أساس الكفاءة، مواقع حساسة في وزارات وهيئات تُمنح بوصفها حصصًا في “كعكة” الدولة، ووزارات تُدار أحيانًا كخزّان للمال الانتخابي عبر العقود والمشاريع. في ظل هذا الواقع، يصبح أي إصلاح إداري حقيقي تهديدًا لشبكات مصالح راسخة، لا مجرد قرار تنظيمي.

ثم تأتي الحلقة الأخيرة: الرقابة. هنا يتحدد ما إذا كان الفساد مخاطرة عالية الكلفة أم “استثمارًا” بفرص خسارة محدودة. ملفات تُفتح ثم تُغلق بذريعة “عدم كفاية الأدلة”، قضايا تتحول إلى أوراق ضغط في التفاوض بين القوى، تسويات مالية تسمح باستعادة جزء من المال مقابل تخفيف العقوبة أو طي الملف. مع تكرار هذا المشهد، تتكوّن لدى الفاسدين قناعة بأن أسوأ ما يمكن أن يحدث في النهاية هو تسوية يمكن تحمّلها.

الفساد الإداري الصامت.. حين تتحول الدولة إلى مورد خاص

بعيدًا عن الصفقات الكبرى والعقود الضخمة، يلفت مختصون النظر إلى طبقة أقل ظهورًا في الإعلام لكنها لا تقل أثرًا على أداء الدولة، تتمثل في ما يمكن تسميته بـ”الفساد الإداري الصامت”: استهلاك موارد الدولة وكأنها امتياز شخصي لا أمانة عامة.

في هذا السياق، يوضح الخبير في مكافحة الفساد علي الحبيب، في حديث لـ”بغداد اليوم”، أن جزءًا مهمًا من المشكلة لا يظهر في أرقام العقود فقط، بل في السلوك اليومي داخل المؤسسات؛ من سيارات حكومية تُستخدم في المشاوير الخاصة، إلى معدات وبنى تحتية تقنية توظَّف خارج إطار العمل، مرورًا بساعات دوام تُستنزف في أعمال لا علاقة لها بخدمة المواطن. هذا النمط، كما يشير الحبيب، يمثّل هدرًا غير مباشر للمال العام، لكنه لا يقل أثرًا عن أي صفقة فاسدة، لأنه يضعف ثقة الناس بالدولة ويُطبع داخل الدوائر ثقافة استباحة الموارد.

ويضيف الحبيب أن الفائض الوظيفي في بعض الوزارات حوّل جزءًا كبيرًا من الجهاز الإداري إلى جسد مترهل؛ أقسام مكتظة بموظفين بلا مهام حقيقية، مقابل نقص واضح في التخصصات الحيوية، ما ينعكس بطئًا في إنجاز المعاملات ورداءة في جودة الخدمة. ويربط ذلك بضعف التخطيط للموارد البشرية، وغياب التوصيف الوظيفي الدقيق، وتدخلات غير مهنية في التعيينات، مؤكدًا أن أي إصلاح جدي لا بد أن يمر عبر إعادة ضبط العلاقة بين الموظف والموارد العامة، وتعزيز أنظمة الحوكمة والرقابة الرقمية، وإعادة توزيع الكوادر وفق الحاجة الفعلية بدل التوسع العددي غير المدروس.

بهذه الصورة، يصبح الفساد الإداري الصامت هو الأرضية السلوكية التي تقف عليها الصفقات الكبيرة؛ فحين يعتاد الموظف الصغير على استغلال الوقت والموارد، لا يعود استغلال العقد الكبير سلوكًا مستغربًا في عيون المنظومة.

عن الأرقام والتقارير التي لا تغيّر المشهد

على مدى أكثر من عقدين، صدرت مئات التقارير المحلية والدولية التي تتحدث عن حجم الفساد في العراق بوصفه أحد أعلى المعدلات عالميًا، وتتحدث التقديرات عن فقدان أو هدر مئات مليارات الدولارات منذ عام 2003، في شكل عقود مبالغ فيها، ومشاريع لم تُنفذ كما يجب، وأموال خرجت من النظام المصرفي ولم تعد.

في المقابل، تعلن الهيئات الرقابية كل عام عن مبالغ “مستردة” أو “محفوظة” لصالح الخزينة، وعن آلاف القضايا التي جرى فتحها ضد موظفين من درجات مختلفة. أرقام قد تبدو كبيرة في ذاتها، لكنها عند وضعها في سياق الحجم الإجمالي للأموال المهدورة تظهر كجزء محدود من الصورة.

تتكرّر كذلك فضائح نوعية تُعرف في الإعلام بأسماء لافتة، تكشف عن شبكات قادرة على اختلاس مبالغ ضخمة من مؤسسة واحدة أو حساب واحد خلال فترة زمنية قصيرة، ثم تغيب التفاصيل الكاملة عن كيفية بناء هذه الشبكات ومن يقف خلفها، ليبقى التركيز على عدد محدود من الأسماء، بينما يبقى الهيكل الأوسع خارج دائرة المساءلة.

لماذا لا يتحرك شيء رغم كل هذا؟

أمام هذه الصورة، يبرز سؤال يطرحه كثير من المواطنين بمرارة: إذا كانت الأرقام معلنة، والملفات مكشوفة، والفضائح تتكرر، فلماذا لا نشهد انهيارًا حقيقيًا لشبكات الفساد أو تغييرًا واضحًا في نوعية الخدمات التي يحصل عليها الناس؟

جزء من الإجابة يكمن في تضارب المصالح السياسية؛ كثير من المتورطين في الملفات الكبرى يرتبطون بشبكات حزبية أو اقتصادية أو عشائرية، تجعل ملاحقتهم قضائيًا قرارًا سياسيًا بقدر ما هو قانوني. أي تحريك لملف كبير يعني فورًا المساس بتوازنات حساسة بين قوى متنفذة، ما يدفع في كثير من الأحيان إلى تجميد القضايا أو تسويتها بدل الذهاب بها إلى نهايات مستقلة.

جزء آخر يرتبط بتسييس ملف مكافحة الفساد نفسه؛ إذ تُستخدم بعض الملفات كسلاح في الصراع، تُفتح في لحظة صدام مع خصم، ثم تُغلق أو تُخفف عند الوصول إلى تسوية أو تحالف جديد. هذا الاستخدام الانتقائي يفقد المنظومة مصداقيتها، ويجعل اعتقال شخص في قضية كبيرة ثم خروجه لاحقًا بلا توضيحات مقنعة أمام الرأي العام مشهدًا متكررًا لا استثناءً.

كما يعاني النظام الإداري من ثغرات تشريعية وإجرائية تسمح أحيانًا بالتسويات أو التقادم أو تخفيف العقوبات مع طول أمد المحاكمات، ما يفتح الباب أمام “تفاوض” غير معلن في بعض الملفات: يُسترد جزء من المال أو يُقدَّم تعويض، ثم يُخفف الحكم أو يُنقل الملف إلى خانة أخرى أقل حساسية.

يضاف إلى ذلك ضعف منظومات حماية المبلّغين والصحفيين الاستقصائيين، إذ يحتاج كشف ملفات الفساد إلى موظفين يتحدثون وصحافة تلاحق الوثائق، لكن ثمن الكلام ما زال عاليًا في كثير من الحالات، ما يدفع كثيرين إلى الصمت أو التسريب المجهول الذي لا يكفي وحده لبناء قضية مكتملة الأركان.

ومع تكرار الفضائح من دون نتائج ملموسة على مستوى الخدمات أو الحياة اليومية، يصيب المجتمع نوع من التعب؛ تنخفض قدرة الناس على الاستمرار في الضغط، وتصبح أخبار الفساد جزءًا من “ضجيج يومي” يمرّ سريعًا في دورة الأخبار، بدل أن يتحول إلى قوة دافعة لمسار طويل من المساءلة.

بين الخريطة والواقع.. ما الذي يمكن أن يتغيّر؟

إذًا، ما الذي يمكن أن يعنيه تقليص الفساد جذريًا على مستوى الدولة؟ عمليًا، كل دينار يُمنَع من التسرب عبر العقود المنفوخة والصفقات الملتبسة والفساد الإداري الصامت يتحول إلى مساحة مالية إضافية في الموازنة بدل أن يكرّس العجز المزمن الذي تعيشه البلاد اليوم. في حال جرى سدّ جزء معقول من ثقوب الهدر، فإن الفائض الذي يمكن أن يتحقق لا ينعكس فقط في أرقام الخزينة، بل في قدرة الدولة على تمويل البنية التحتية والخدمات الأساسية من دون الاقتراض المستمر أو الدخول في مساومات قاسية مع المؤسسات الدولية والدول المؤثرة.

عند تلك اللحظة، تصبح الموازنة أداة سيادة وليست وثيقة عجز؛ تنخفض حاجة الحكومة إلى التنازلات الاقتصادية والمالية التي تُطرح غالبًا كشرط للدعم أو للاستثناءات، ويتراجع هامش الضغط الخارجي، سواء من الولايات المتحدة أو غيرها، لأن قوة أي طرف دولي في فرض شروطه تمر أولًا من بوابة هشاشة الاقتصاد الداخلي وضعف المالية العامة. في المقابل، حين يرى المواطن أنّ المال العام لم يعد يُهدر بالوتيرة نفسها، وأنّ المدارس والطرق والمستشفيات تعكس فعلًا ما يُعلن من أرقام، سوف تكبر ثقته تدريجيًا بالطبقة السياسية ومؤسسات الدولة، ويتحوّل شعار مكافحة الفساد من عبارة مكررة في البيانات إلى تجربة ملموسة في الحياة اليومية، ومعه يتغيّر ميزان القوة بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين الدولة وأي طرف خارجي يحاول استخدام الورقة الاقتصادية أداة إملاء أو ابتزاز من جهة أخرى.

الفساد في العراق، كما تكشفه هذه الخريطة، ليس مجرد سلسلة من “السرقات”، بل هو نمط إدارة كامل: من لحظة اقتراح المشروع، إلى طريقة صياغة عقوده، إلى اختيار القائمين عليه، إلى كيفية التعامل مع المتورطين عند انكشاف التقصير أو الجريمة. ما لم يُنظر إلى القضية بهذا الشكل البنيوي، ستبقى التقارير والتحقيقات ومذكرات القبض أخبارًا عابرة في يوميات العراقيين؛ يقرأونها، يهزون رؤوسهم أسفًا، ثم يخرجون في اليوم التالي ليمشوا فوق الشوارع نفسها التي تكلمت عنها العقود “المنجزة”، ويجلس أبناؤهم في مدارس قيل إنها “مؤهَّلة” بينما الجدران والسقوف تحكي قصة أخرى.

إعادة تعريف الوظيفة العامة كأمانة لا غنيمة، وربط كل دينار وكل ساعة عمل بمؤشر أداء واضح، وحماية من يبلّغون عن الانحراف بدل معاقبتهم، وتحييد القضاء والرقابة عن صفقات اللحظة السياسية؛ هذه ليست شعارات مثالية بقدر ما هي شروط الحد الأدنى لتحويل الفساد من قدر مفروض إلى سلوك يمكن محاصرته ومساءلة أصحابه، ولو بالتدريج.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *