+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
سجّلت أسعار الذهب في الأسواق العراقية، اليوم الاثنين (09 شباط 2026)، قفزة جديدة، بعد تجاوز سعر المثقال الواحد من عيار 21 حاجز المليون و100 ألف دينار في بعض أسواق العاصمة، في ظلّ استمرار الجدل حول الرسوم الجمركية والضرائب وتأثيرها على حركة الاستيراد وارتفاع الأسعار.
وبحسب مراسل “بغداد اليوم”: “فقد بلغ سعر مثقال الذهب 21 مليون و113 ألف دينار عراقي في الأسواق المحلية، والذي يُعزى إلى تذبذب الأسواق العالمية للذهب، إضافة إلى التغيرات الاقتصادية المحلية، ما دفع المعدن النفيس إلى مستويات قياسية خلال الأيام الأخيرة.
وتشهد البلاد توتّرًا واسعًا في ملف الضرائب والكمارك، بعد تطبيق تعرفة جمركية وضريبية جديدة مطلع العام الحالي، رفعت الرسوم على شرائح واسعة من السلع المستوردة بنسب تراوحت بين 5٪ و30٪، شملت ما يُصنَّف ضمن “السلع الكمالية” والمنتجات ذات القيمة العالية، ومنها الذهب، ضمن سياق أوسع لتعظيم الإيرادات غير النفطية وتقليل الاعتماد على النفط في تمويل الموازنة.
تداعيات هذه الإجراءات ظهرت سريعًا في الشارع التجاري؛ إذ شهدت أسواق رئيسية في بغداد ومحافظات أخرى إضرابات وإغلاقًا للمحال، واحتجاجات أمام هيئة الكمارك، رفضًا للرسوم الجديدة التي رفعت كلفة الاستيراد على الحاويات والسلع المختلفة بنسب كبيرة، وحذّر تجار من أنّ هذه الكلف ستُترجَم مباشرة إلى أسعار أعلى يدفعها المواطن في النهاية.
وفي ما يتعلّق بسوق الذهب تحديدًا، أظهرت تقارير اقتصادية متخصّصة أنّ تطبيق رسم جمركي بنسبة 5٪ على كل كيلوغرام من الذهب المستورد، بناءً على قيمته العالمية، رفع الكلفة الجمركية وحدها إلى نحو 12.5 مليون دينار للكيلوغرام، لتصل إجمالي الرسوم والمصاريف إلى قرابة 15 مليون دينار للكيلوغرام الواحد، أي ما يعادل أكثر من 10,000 دولار، وهو رقم يزيد بأكثر من عشرين ضعفًا مقارنةً بما كان يُستوفى سابقًا. هذا الارتفاع دفع ممثلين عن أسواق الذهب إلى إعلان تعليق حركة الاستيراد والتحويل، والتحذير من “خنق” المهنة وتراجع المعروض في السوق المحلية.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أنّ الجمع بين ارتفاع السعر العالمي للذهب، وتراجع القوة الشرائية للدينار، وفرض رسوم جمركية وضريبية إضافية على المعدن الأصفر، خلق حلقة ضاغطة على المستهلك من جهة، وعلى الصاغة والتجّار من جهة أخرى، ما يفسّر القفزات المتتالية في الأسعار المحلية ووصول المثقال إلى مستويات غير مسبوقة فوق المليون و100 ألف دينار.
على الضفة الأخرى من المشهد، يحذّر خبراء من أنّ تشديد الرسوم والإجراءات على استيراد الذهب قد يدفع جزءًا من التجارة إلى “القنوات المظلمة”، عبر زيادة معدّلات التهريب بدلًا من تعظيم الإيرادات الرسمية، في ظلّ ثغرات مستمرة في السيطرة على المنافذ الحدودية. وتشير تقارير اقتصادية إلى أنّ القيود المشددة على الذهب يمكن أن تُحوّل جزءًا من الاستيراد الرسمي إلى مسارات تهريب، ما يعني خسارة الخزينة العامة لمئات ملايين الدنانير شهريًا بدلًا من تحصيلها.
هذا التحذير لا يأتي من فراغ؛ إذ شهدت السنوات الأخيرة تسجيل عدد من القضايا المرتبطة بتهريب الذهب، من بينها ضبط محاولة تهريب 13 كيلوغرامًا من السبائك عبر مطار بغداد الدولي، وعمليات مصادرة شحنات ذهب على منافذ حدودية في إقليم كردستان، فضلًا عن تصريحات رسمية في الإقليم تحدّثت عن تهريب جزء من الذهب إلى إيران عبر منافذ غير رسمية، ما يعكس حجم الهشاشة التي قد تستغلّها شبكات التهريب عند ارتفاع الفوارق بين السعر الرسمي وغير الرسمي.
وبينما تبرّر الحكومة إجراءاتها الجديدة بالحاجة إلى “إصلاح مالي” وتعظيم موارد الدولة وتقليل الاعتماد على النفط، يتخوّف تجّار ومراقبون من أن يؤدي استمرار ارتفاع الرسوم والتعرفة، من دون معالجة موازية لملف التهريب والفساد في المنافذ ومن دون حماية للفئات الأضعف، إلى تكريس واقعٍ يدفع فيه المواطن وصغار التجار ثمنًا مضاعفًا، عبر ارتفاع الأسعار من جهة، وتحوّل جزء من التجارة إلى قنوات غير قانونية من جهة ثانية.
وبين رقم تاريخي جديد في أسعار المثقال، وضرائب ورسوم متصاعدة، وملف تهريبٍ يتسع تحت السطح، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الشارع العراقي: هل تنتهي هذه الإجراءات إلى إصلاح حقيقي في مالية الدولة، أم إلى ضغط إضافي على السوق والمواطن مع توسّع ممرات التهريب والاقتصاد الموازي؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم