+A
-A
بغداد اليوم – خاص
يستمر الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مع توسع دائرة المواجهة لتشمل عدة دول في المنطقة، وذلك بعد استهداف طهران للقواعد والمصالح الأمريكية في دول الخليج. وتأتي هذه التطورات وسط توقعات باستمرار أمد الحرب نتيجة عدم تمكن واشنطن وتل أبيب من تحقيق هدف “تغيير النظام” في إيران، وهو أمر يراه مختصون غاية في الصعوبة.
أكد الباحث في الشأن السياسي، حيدر سلمان، اليوم الجمعة ( 13 آذار 2026 )، أن قرار الذهاب إلى الحرب يعد قراراً بالغ الخطورة، بل قد يكون قراراً أحمق إذا لم تدرس أسبابه ونتائجه بدقة. فالحروب لا تخاض بدافع الاندفاع، بل تحتاج إلى فهم عميق لأسبابها، وطبيعة مسارها، ووضع سيناريو واضح لما سيحدث بعد انتهائها.
هذه الاعتبارات كلها غابت، أمام اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحرك في لحظة توتر متأثراً بتوجيهات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأمر الذي ساهم في إدخال المنطقة في أزمة غير مسبوقة.
وأضاف سلمان في حديثه لـ”بغداد اليوم”، إن “الحرب اليوم تبدو أخطر من الحروب التي شهدتها المنطقة في العقود الماضية؛ فهي ليست كالحرب العراقية الإيرانية، ولا كحرب العراق مع الولايات المتحدة، ولا حتى كتلك التي انتهت بسقوط النظام العراقي”، بل إن “تداعياتها قد تكون أوسع وأعمق بكثير من تلك الصراعات”.
وأوضح سلمان، أنه “في السابق كان هناك اتفاق مبدئي يعرف باسم خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA)، وهو الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بين إيران ومجموعة (5+1)، والتي تضم الولايات المتحدة وثلاث دول أوروبية إضافة إلى روسيا والصين”، لكن منذ تولي ترامب الرئاسة اتخذ سلسلة من القرارات المثيرة للجدل، كان أبرزها الانسحاب من الاتفاق النووي، إلى جانب قرارات أخرى مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والاعتراف بضم الجولان إليها.
ومع بداية ولايته الثانية، عاد الملف النووي الإيراني إلى صدارة أولويات السياسة الأمريكية، حيث مارست واشنطن ضغوطاً شديدة على طهران عبر العقوبات الاقتصادية، ما أدى إلى أزمات اقتصادية صعبة داخل إيران، الهدف من هذه الضغوط كان دفع إيران إلى تقديم تنازلات أو القبول باتفاق جديد.
وبين سلمان، إن “إيران ارتكبت خطأ عندما وافقت على وقف النار في وقت كانت فيه تحقق تقدماً في أسلوب الرد، في حرب الاثني عشر يوماً”.
وأشار سلمان، إلى أن “المشهد الحالي يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، إذ يرتبط بصراع نفوذ بين قوى دولية كبرى”، ففي حال اتساع الحرب، قد تضطر الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع قواتها وسحب جزء من أصولها العسكرية من مناطق أخرى مثل بحر الصين الجنوبي، والقطب الشمالي، وأوروبا، مثل هذا التحول قد يطيل أمد الصراع ويمنح الصين وروسيا مساحة أكبر لتعزيز نفوذهما العالمي، وهو ما قد يصب في مصلحة الصين بشكل خاص.
في المقابل، يبدو أن “خيار تغيير النظام في إيران غير واقعي في الظروف الحالية، ما يعني أن “الولايات المتحدة وإسرائيل قد لا تجدان في النهاية بديلاً عن التفاوض مع طهران”.
وتابع سلمان، لجوء إيران إلى استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، يعتبر إحدى أوراق الرد المتاحة لها للدفاع عن نفسها، أما بالنسبة للعراق، فإن “موقعه في هذه المعادلة شديد الحساسية، فمنذ عام 2003 أصبح مرتبطاً سياسياً وأمنياً بالولايات المتحدة، في حين تربطه بإيران علاقات عميقة دينية واجتماعية وسياسية”، هذا التوازن المعقد يضع العراق في موقف صعب، فميله نحو أي طرف قد يعرضه لضغوط أو ردود فعل من الطرف الآخر، وبذلك يجد العراق نفسه في وضع شبيه إلى حد ما بحالة أوكرانيا، التي تقع بين نفوذين متعارضين، فالاتجاه نحو الغرب يثير قلق روسيا، بينما التقارب مع روسيا يثير غضب الغرب، العراق يواجه معضلة مشابهة، ما يجعل وضعه الداخلي شديد الحساسية في ظل أي تصعيد إقليمي.
في النهاية، أكد الباحث في الشأن السياسي إن “المنطقة تبدو أمام مرحلة دقيقة، بينما يقف العراق في قلب هذا التوازن الصعب، في وقت لا تبدو فيه الحكومة مستعدة بالكامل لمواجهة تداعيات أي تصعيد كبير”، وفيما يتعلق بدول الخليج، فرغم أنها “قد تبدو الأقل خسارة بشكل مباشر في هذه الحرب مقارنة بغيرها من دول المنطقة”، إلا أن “الواقع يشير إلى أنها لعبت دوراً محورياً في ترسيخ المنظومة الأمنية الأمريكية في المنطقة العربية”.
فقد أسهمت هذه الدول، عبر تحالفاتها العسكرية والسياسية مع الولايات المتحدة، في بناء شبكة النفوذ الأمريكي في المنطقة، وهي من أسقطت العراق وغيره من الدول وهو ما انعكس لاحقاً على موازين القوى الإقليمية.