+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
لم يعد الحديث عن تنظيم داعش في العراق ترفًا تحليليًا أو استدعاءً لذكرى موجعة من الماضي؛ فخيوط الخطر عادت لتتشابك فوق الأرض العراقية، لكن بصيغة أكثر تعقيدًا وخفاءً. فمنذ أسابيع، كانت “بغداد اليوم” من أوائل الجهات التي تعاملت مع ملف نقل معتقلي داعش من سجون شمال شرق سوريا إلى الداخل العراقي بوصفه تحوّلًا استراتيجيًا لا مجرّد إجراء تقني؛ من التحذير من “توطين الدواعش” في منشآت قد تكون قريبة من بغداد، إلى طرح سيناريو أنّ “ولاية خراسان – داعش” يمكن أن تجد لنفسها طريقًا إلى العمق العراقي إذا اهتزّت الجبهة الشرقية وسقطت ركائز الاستقرار في إيران وأفغانستان.
هذا المسار التحذيري المحلي تلاقى سريعًا مع تقارير دولية وأوروبية متخصّصة. تقرير وكالة “سبيشال يوراسيا” الإيطالية، الذي تناول “المخاطر الأمنية والإرهاب في العراق عام 2026″، أعاد وضع البلاد في قلب خريطة التهديد، محدّدًا ثلاثة مسارات متقاطعة: عودة تمرد داعش بصيغته اللامركزية، تصاعد نفوذ جماعات مسلّحة متحالفة مع إيران تعمل في المنطقة الرمادية، وانهيار المنظومة السورية بعد سقوط نظام الأسد وصدام حكومة أحمد الشرع مع قوات سوريا الديمقراطية، بما جعل الحدود السورية – العراقية حلقة هشّة تتقاطع فيها السجون المنهارة مع شبكات التهريب ومع خرائط التنظيم العابر للحدود.
في هذا السياق، لم يعد ملف المعتقلين رقمًا تجميعيًا فحسب. فـ”بغداد اليوم” وثّقت وصول نحو 2250 سجينًا من عناصر داعش إلى العراق ضمن ما عُرف بملف “القوائم السوداء”، بينهم عراقيون وسوريون وجنسيات مختلفة، فيما تحدّثت تقارير دولية عن سعي بغداد لاستيعاب ما يقرب من 7000 معتقل من ذوي الخطورة العالية، نُقلوا أو يُخطَّط لنقلهم إلى سجون في نينوى والناصرية ومواقع أخرى حسّاسة. بالتوازي، حذّر رئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري من تضاعف عدد مقاتلي داعش في سوريا خلال عام واحد، من نحو 2000 إلى 10 آلاف مقاتل، في بيئة حدودية مترهلة ومخيّمات وسجون متداعية مثل مخيم الهول، ما يعني أنّ خزّان الخطر البشري لا يزال في حالة إعادة تنظيم، لا في حالة احتضار.
تقرير “خريطة الظلمات والموت بالأسماء والأرقام” الذي نشرته “بغداد اليوم” رسم، بالأدلة والأرقام، صورة داعش الجديدة: تنظيم فقد “خلافته” المكانية في الموصل والرقة، لكنه تمدّد جغرافيًا إلى أربع قارات، من قلب العراق وسوريا، إلى ولاية خراسان في أفغانستان وباكستان، إلى ولايات دامية في غرب أفريقيا والساحل وموزمبيق، وصولًا إلى ولايات أصغر في سيناء واليمن والهند وشرق آسيا. الخلاصة التي انتهى إليها التقرير كانت حاسمة: داعش اليوم أوسع انتشارًا، وأقل قدرة على “الحكم”، وأكثر اعتمادًا على نموذج الخلايا المرنة والشبكات المتخفية.
على الضفة الأخرى، فتحت “بغداد اليوم” في تقرير “إضافة لخطر توطين الدواعش في بغداد.. ولاية خراسان – داعش ستجوب شوارع العاصمة قريبًا” ملفًّا لا يقل خطورة: ماذا يعني أن يتحوّل العراق من “ساحة” إلى “مركز” في معادلة داعش؟ ماذا يعني أن تتحمّل بغداد عبء تخزين آلاف من أخطر عناصر التنظيم داخل سجونها، في وقت تشير فيه التجربة التاريخية إلى أنّ السجون نفسها كانت، قبل أقل من عقد، جزءًا من المشكلة لا من الحل، عبر عمليات “كسر الجدران” وهروب السجناء التي مهّدت لصعود التنظيم الكارثي عام 2014؟
اليوم، ومع انسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من بعض القواعد، وتزايد الضغط على الحدود مع سوريا، واستيعاب مئات بل آلاف المعتقلين من معسكرات الشمال الشرقي السوري، وتحوّل داعش إلى تنظيم شبكي عابر للقارات، يطرح هذا التقرير الأمني التحقيقي أسئلة أكثر تحديدًا وجرأة:
-كيف تعمل الخلايا النائمة لداعش داخل العراق في ضوء هذه التحولات؟
-من أين تستمد هذه الخلايا مواردها البشرية والمالية واللوجستية؟
-كيف تتخفّى وتنتقل وتتكيّف مع البيئة الاجتماعية والأمنية الحالية؟
-ما علاقة ملف السجون والحدود، وملف ولاية خراسان، وملف الفصائل المسلّحة المتداخلة مع الدولة، بتكوين “بيئة عمل” مناسبة لهذه الخلايا؟
هذا التقرير لا يكتفي بتوصيف الخلايا النائمة كعبارة متداولة في الخطاب الأمني، بل يحاول، اعتمادًا على ما سبق أن نشرته “بغداد اليوم” من تقارير وتحقيقات، وعلى المعطيات الدولية المتاحة، أن يرسم ملامح “تنظيم الظل” الذي يعيش بين السجون والحدود والأسواق والأرياف والمدن الهامشية، وأن يقدّم قراءة نقدية لمدى استعداد المنظومة الأمنية العراقية لمواجهة هذا الطور الجديد من التهديد، حيث لم يعد الخطر في الراية السوداء المرفوعة فوق مدينة، بل في خلية صامتة تنتظر إشارة في قرية نائية، أو في حيّ مهمّش على أطراف العاصمة.
الخلايا النائمة.. “تنظيم الظل” بين السجون والحدود والهوامش
في أدبيّات الأمن ومكافحة الإرهاب، تُعرَّف “الخلايا النائمة” على أنّها وحدات صغيرة، محدودة العدد، تعيش في حالة كمون طويل داخل مجتمع ما، بلا مظاهر تنظيمية ظاهرة، وبلا نشاط عملياتي متكرر، لكنها تبقى جاهزة لـ”اليقظة” في لحظة معيّنة، وفق إشارة تأتي من خارج الحدود، أو من داخل السجون، أو من “مركز ثقل” عقائدي وإداري لا يظهر للعيان.
في حالة داعش في العراق اليوم، تتجاوز الخلايا النائمة هذا التعريف الكلاسيكي إلى صيغة أكثر تركيبًا؛ فهي نتاج تزاوج ثلاثة مصادر بشريّة أساسية: مقاتلون سابقون نجوا من الهزيمة العسكرية وتواروا في الجيوب الصحراوية والريفية، ومعتقلون يُعاد تدويرهم فكريًا وتنظيميًا داخل السجون، وشبكات تجنيد ناعمة تنشط في هوامش المدن وبين الشباب العاطل عن العمل والبيئات المحبطة، مستفيدة من فراغ الثقة بين الدولة والمجتمع. هذه الخلايا لا تعمل بمنطق “الولاية المحلية” كما كان الحال عام 2014، بل بمنطق “تنظيم الظل”: مجموعات صغيرة من 3 إلى 7 عناصر في الغالب، لا ترفع راية، ولا تسيطر على حيّ، لكنها تحفظ لنفسها ثلاثة مزايا قاتلة: القدرة على الحركة الخفيفة في الجغرافيا الصعبة (الوديان، الأحياز الزراعية، التخوم بين المحافظات)، والقدرة على الاندماج الاجتماعي (تجّار صغار، عمّال، عاطلون، رعاة، أو حتى موظفون بواجهات طبيعية)، والقدرة على تلقّي التوجيه عبر قنوات متعدّدة، تمتد من سجين متشدّد في زنزانة انفرادية، إلى وسيط في مخيم، إلى “مركز إدارة” في سوريا أو خراسان أو حتى في ساحة أخرى من ساحات التنظيم الأفريقية.
ما يجعل الخلية النائمة أخطر من “الخلية النشطة” التقليدية، أنّها لا تبحث عن حضور إعلامي، ولا تتبنّى هجمات إلّا عبر قنوات التنظيم المركزية حين يُراد إرسال رسالة، وتقبل، في كثير من الأحيان، بأن تبقى سنوات بلا فعل، مقابل أن تحافظ على سلامتها البنيوية تحت سطح المشهد اليومي. هذه الهوامش تتقاطع مع ما كشفته تحقّقات “بغداد اليوم” عن خريطة انتشار داعش في ديالى وصلاح الدين وكركوك وغرب الأنبار، حيث تلعب الفراغات الإدارية والاقتصادية والعشائرية والحدودية دور “المسرح الصامت” الذي تتحرك فيه هذه الشبكات بعيدًا عن عين الدولة، وتتحوّل فيه نقاط الضعف الخدمية والأمنية إلى ممرات آمنة لعناصر التنظيم وخططه.
في هذه البيئات، يصبح العنصر الداعشي المنسحب من المعركة المفتوحة أقرب إلى “مواطن عادي” ظاهريًا: إمّا سائق شاحنة يعرف الطرق الترابية أفضل من خرائط الأقمار الصناعية، أو عامل بسيط في سوق حدودي، أو وسيط محلي يمتلك هاتفًا ذكيًا قادرًا على التعامل مع تطبيقات مشفّرة، أو “صاحب سوابق” يتنقّل بين السجون والمراكز التحقيقية ويُستثمر كحلقة وصل بين الداخل والخارج. بذلك، تصبح الخلايا النائمة مرآة دقيقة لبنية داعش العالمية الجديدة كما وثّقتها التقارير الدولية: تنظيم بلا عاصمة، لكن له “نقاط ثقل” بشرية وعقائدية موزّعة بين السجون والمخيّمات والحدود والهوامش، ومن قلب هذه النقاط تُدار خريطة الضربات المحتملة، من هجوم انتحاري فردي في مطعم شعبي، إلى تفجير عبوة ناسفة على طريق عسكري، إلى محاولة نوعية لاستهداف سجن أو قافلة نقل سجناء عالية الخطورة.
كيف تُصنع الخلية النائمة في العراق؟ من السجين الهارب إلى “المواطن العابر”
على الورق، يبدو ملف داعش في العراق وسوريا أقرب إلى جداول أرقام وأسماء: مقاتلون ينتشرون بين الحدود والبوادي، وآلاف ما بين مطارد وسجين ومتعاطف، وكتلة كبيرة من المعتقلين نُقلت من سجون الشمال الشرقي السوري إلى الداخل العراقي خلال فترة وجيزة. لكن خلف هذه الصورة الجافة، تتشكّل “الوحدة الحقيقية” للتنظيم اليوم: الخلية النائمة، بوصفها نقطة التقاء ثلاثة مسارات بشرية متوازية تتحرك بين السجون والحدود والهوامش الاجتماعية، وتعيد إنتاج نفسها كلّما ظنّ صانع القرار أنّ الصفحة طُويت نهائيًا.
المسار الأول يبدأ من السجن لا من الجبل. تجربة العراق مع “كسر الجدران” في أبو غريب والتاجي قبل سنوات تحوّلت إلى درس قاسٍ في كيف يمكن لمنشآت الاحتجاز أن تتحول إلى معامل لإعادة تصنيع الخطر. اليوم، ومع انتقال آلاف من معتقلي “القوائم السوداء” من مخيم الهول وسجون الحسكة إلى سجون عراقية موزعة بين نينوى والناصرية وبغداد ومحيطها، يتحوّل كل جناح شديد التحصين إلى فضاء مغلق يتجاور فيه: قيادي سابق يمتلك خبرة تنظيمية عابرة للحدود، وانتحاري فشل في مهمته، وعنصر محلي من القرى المتنازع عليها، ومراهق جرفته دعاية التنظيم على تطبيق مشفّر. في هذا المناخ، تصبح “المحاضرة العقائدية” أهم من الجدار الكونكريتي، ويصبح تهريب هاتف واحد إلى داخل الزنزانة أخطر من تهريب سلاح إلى خارجها، لأنّ الخلية التي ستخرج لاحقًا إلى الصحراء أو إلى حيّ شعبي ستُدار ذهنيًا من داخل هذه المربّعات الصغيرة، حتى لو تغيّرت الأمكنة والأسماء.
المسار الثاني يبدأ من الهامش الاجتماعي، لا من معسكر التدريب. التقارير الميدانية التي عملت عليها “بغداد اليوم” خلال العامين الماضيين حول انتشار داعش في أطراف ديالى وكركوك وصلاح الدين وغرب الأنبار أظهرت نمطًا مكررًا: قرى بلا خدمات، وأحزمة فقر حول المدن، ومناطق نزاع عشائري مزمن، وحدود إدارية متداخلة بين أكثر من جهة أمنية، وممرات تهريب قديمة للبضائع تحوّلت إلى خطوط حركة للبشر والسلاح والأموال. في هذه البيئات، لا يظهر العنصر الداعشي بزيّ عسكري أو لحية كثيفة وشعارات صارخة، بل بصفات “المواطن العابر”: سائق “ستوتة” يعرف الطرق الترابية أفضل من خرائط الأقمار الصناعية، عامل يومي في سوق حدودي، صاحب محل صغير يفتح ويغلق في أوقات غير مألوفة، أو شاب عاطل عن العمل يقضي معظم وقته بين هاتفه ومجالس ضيقة. هنا تتشكّل الخلية النائمة من 3 إلى 7 عناصر غالبًا، يربط بينهم قاسم واحد: شعور عميق بالقطيعة مع الدولة، وإحساس بأنّ “الفرصة المقبلة” لن تأتي من سوق العمل أو صندوق الاقتراع، بل من “مهمة” توعد بالثأر أو المال أو “الخلاص”.
المسار الثالث يربط الداخل بقلب الخريطة الأوسع التي رصدتها “بغداد اليوم” في تقريرها عن انتشار التنظيم في 4 قارات. فالعنصر الذي يُعتقل في قضاء عراقي صغير أو على الحدود مع سوريا لا يُعاد تدويره فقط ضمن شبكة محلية، بل يُعاد إدماجه – فكريًا وعملياتيًا – ضمن بنية داعش العالمية الجديدة: رسائل تأتي من “ولاية خراسان” في أفغانستان، أو من بادية دير الزور، أو من جيب أفريقي بعيد، تعزّز لدى الخلية الشعور بأنّها جزء من “تنظيم ظل” عالمي، لا من بقايا مهزومة في قرية منسية. هنا، تصبح الحدود مع سوريا – حيث تضاعف عدد مقاتلي التنظيم إلى عشرات الآلاف وفق تحذيرات الأجهزة العراقية والدولية – ليست مجرد خط جغرافي، بل شريان يربط بين السجين والمقاتل والخلية النائمة؛ ويمكن أن يتحوّل في أي لحظة إلى قناة لإرسال توجيه، أو تهريب عنصر، أو نقل خبرة تصنيع عبوة جديدة.
بهذه المسارات الثلاثة مجتمعة، تتكوّن “الخلية النائمة العراقية” اليوم: مزيج من هارب سابق أو مفرَج عنه نصف مدان، ومراهق من حيّ مهمّش، ووسيط حدودي يملك خبرة طرق التهريب، وصدى عقائدي يأتي من سجن مكتظ أو من ولاية بعيدة. ما يجعلها خطرة أنّها ليست بحاجة إلى معسكرات تدريب علنيّة، ولا إلى راية مرفوعة في قرية، ولا إلى بيانات متكررة؛ يكفيها أن تنجح في تنفيذ ضربة واحدة كل أشهر طويلة، أو أن تظل كامنة كأداة جاهزة تستثمرها أي لحظة فوضى سياسية أو أمنية، من نزاع داخلي على السلطة إلى اهتزاز إقليمي على الحدود مع سوريا أو إيران. بهذه الزاوية بالذات، يصبح فهم “كيف تُصنع الخلية” شرطًا مسبقًا لأي نقاش عن “كيف تُحارَب”، وهو ما سيحاول التقرير تفكيكه في المحاور اللاحقة عبر تتبّع أنماط الحركة، وطرق التمويل، وآليات اختيار التوقيت والمكان، وشهادات المصادر الأمنية التي رافقت عمليات نينوى والأنبار الأخيرة من لحظة الرصد الأولى حتى الإعلان عن “قتل الخلية” في البيانات الرسمية.
من السجن إلى الصحراء.. كيف تتحول ملفات الاحتجاز إلى مصانع خفيّة للخلايا النائمة؟
قصة السجين الذي هرب من سجن قيادة الشرطة في ديالى عبر فتحة مفرغة الهواء في غرفة الحجز، رغم أنّه مدان بقتل والده وليس مرتبطًا بتنظيم داعش، تبدو في ظاهرها حادثة جنائية معزولة، لكنّها في العمق “نموذج مصغّر” لثغرة بنيوية أكبر بكثير. رجل مريض بالإيدز، وُضع في غرفة حجز “استثنائية” بدعوى حمايته وحماية الآخرين من العدوى، غرفة لم تكن محكمة أصلًا، فحوّلها خلال ساعات إلى ممرّ حرّ نحو حيّ شعبي قريب، قبل أن تبدأ القوات الأمنية بالبحث عنه “من الصفر”. هذه التفاصيل الصغيرة – غرفة غير محكمة، قرار إداري فردي، رقابة رخوة على مفرغة هواء – هي بالضبط النوع من الثغرات التي يحوّلها تنظيم مثل داعش، حين يتعلّق الأمر بعناصره، إلى سلسلة هروب منظّمة أو قاعدة لبناء خلية جديدة في الخارج.
على الضفّة الأخرى من الحدود، كانت “بغداد اليوم” قد وثّقت، استنادًا إلى تقارير دولية وإلى اعترافات رسمية، انتقال آلاف المعتقلين من ذوي الخطورة العالية من السجون والمخيّمات الخاضعة لـ”قسد” في الشمال الشرقي السوري بين 20 و25 كانون الثاني 2026 إلى سجون داخل العراق؛ بعضهم عراقيون أعيدوا إلى “المنشأ”، وبعضهم أجانب حملتهم الحروب من قارات بعيدة إلى بادية الشام. هذه الكتلة البشرية ليست “أرقامًا” في ملفّات وزارة العدل أو الداخلية، بل شبكة احتمالات كاملة: كل جناح يضم قياديًا سابقًا، وعنصر تفجير، وشرعيًّا متشدّدًا، ومتطوّعًا يافعًا، يتحول تلقائيًا إلى “خليّة محتملة” ما دام قادراً على التواصل الداخلي والخارجي. في عالم السجون، يكفي تسريب هاتف واحد إلى داخل الزنزانة، أو زيارة محامٍ متواطئ، أو حارس فاسد يسهّل تبادل الرسائل، كي تتحوّل أسوار بارتفاع 5 أمتار إلى ما يشبه “مركز قيادة” يوجّه الخلايا في الصحراء والقرى، ويعيد توزيع الأدوار ويوحّد الخطاب العقائدي ويحدّد الأهداف المقبلة.
هنا، يتقاطع الوصف الأمني مع التحليل الاستخباري. الخبير في الشؤون الأمنية عبد الرزّاق العبيدي يؤكّد لـ”بغداد اليوم” أنّ “قرار بغداد بنقل المئات من المتهمين بالإرهاب من السجون السورية إلى الداخل العراقي قرار صائب من الناحية المبدئية، لأنّه يمنع سيناريو هروب جماعي في حال انهيار المنظومة الأمنية هناك، لكنّه في الوقت نفسه قرار شديد الخطورة إذا لم تُغلَق ثغرات منظومة السجون العراقية بالكامل”. الخطورة، كما يشرح، لا تكمن فقط في احتمال تكرار سيناريو “كسر الجدران” في سجن كبير، بل في ما هو أهدأ وأطول زمنًا: تحوّل الأجنحة المزدحمة إلى منصّات استقطاب وتنظيم، وظهور “أمراء زنازين” يديرون الولاءات، ويختبرون العناصر، ويختارون من سيُمنح “فرصة” الخروج مستقبلًا لإدارة خلية نائمة في الخارج، سواء عبر إفراج قانوني، أو حكم مخفّف، أو عملية هروب مدروسة.
ما يزيد الصورة تعقيدًا أنّ “خريطة الخطر” لا تنتهي عند بوابة السجن، بل تمتدّ نحو الصحراء والقرى النائية التي تمثّل البيئة المفضّلة لتحرّك الخلايا. عمليات نينوى والأنبار الأخيرة – قتل خلية من 4 عناصر بينهم قيادي في جزيرة الحضر، والقضاء على إرهابيَّين يرتديان أحزمة ناسفة قرب القائم – تُظهر قدرة الجهد الاستخباري العراقي على الوصول إلى هذه الخلايا قبل أن تتحوّل إلى هجمات دامية. عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية السابق ياسر وتوت يقول لـ”بغداد اليوم” إنّ ما جرى “عمليات أمنية نوعية ناجحة، لا هجمات إرهابية”، مشيرًا إلى أنّ “عدم وقوع خسائر في صفوف القوات الأمنية أو المدنيين يؤكّد أنّنا أمام إحباط استباقي لا أمام تصدٍّ متأخّر”. قائممقام القائم تركي المحلاوي يذهب في الاتجاه نفسه حين يؤكد أنّ “الهدوء والطمأنينة ما زالا هما القاعدة في القضاء، وأنّ ما جرى كان ضربة موجعة لخليّة محدودة لا أكثر”.
لكنّ هذه النجاحات الميدانية، كما يلاحظ العبيدي، لا تلغي السؤال الأخطر: إلى أيّ مدى يمكن لمنظومة أمنية تعاني من إرث الفساد والانقسام السياسي، ومن ضغط ملفّات كبرى مثل نقل آلاف السجناء وتأمين حدود هشّة مع سوريا، أن تضمن ألّا تتحوّل السجون إلى مصانع، وألّا تتحوّل النجاحات الموضعية في نينوى والأنبار إلى “تخدير نفسي” يغطي على تراكم الخطر البنيوي؟ فالمشهد الحالي يجمع بين مفارقتين حادّتين: جهاز استخباري ينجح في رصد انتحاري قبل دخوله مطعمًا شعبيًا، ويصطاد خلية في عمق جزيرة صحراوية؛ ومنظومة سجون يمكن أن يهرب منها قاتل عبر فتحة تهوية بسيطة، بينما تنتظر خلف الجدران آلاف الملفات الأثقل وزنًا وتعقيدًا، من دون رواية رسمية واضحة عن كيف ستُدار هذه “القنبلة البشرية الموقوتة” في السنوات المقبلة.
اقتصاد الخلايا ومسارات التمويل
وراء كل خلية نائمة، مهما بدت صغيرة أو معزولة، توجد شبكة مصالح اقتصادية ومسارات تمويل سرية تجعل استمرارها ممكنًا. فـ”داعش” في نسخته الحالية لم يعد يعتمد فقط على موارد تقليدية مثل بيع النفط أو فرض الإتاوات على مدن كاملة كما كان يفعل في 2014، بل تحوّل إلى اقتصاد ظلّ أكثر تشتتًا وتخفيًا، يبدأ من تجارة المخدرات وتهريب البشر والسلاح، ولا ينتهي عند استغلال الفجوات في المنافذ الحدودية والطرق النيسمية بين المحافظات.
في المناطق الصحراوية والنائية من نينوى والأنبار وصلاح الدين، تعتمد الخلايا النائمة على “دورة مالية مصغّرة”: وسيط محلّي يوفّر الإيواء أو النقل مقابل مبلغ ثابت، تاجر أو صاحب شاحنة يمرّر صندوق سلاح أو حقيبة أموال مع حمولة مشروعة، وشبكة تحويلات غير رسمية (حوالات، صيرفات غير مرخّصة) تؤمّن وصول المال من خارج العراق أو من ولايات أخرى للتنظيم.
وفي بعض الحالات، تستفيد هذه الخلايا من ثغرات في بيئة العمل الأهلي والإنساني، سواء عبر اندساس أفرادها في قوافل الإغاثة أو عبر استغلال المخيمات والقرى الفقيرة في الأطراف بوصفها “حاضنة قسرية” تُشترى فيها الولاءات بالمال أو بالتهديد. هذا الاقتصاد الموازي، الذي لا يُرى في الموازنات ولا في تقارير الدوائر الرسمية، هو ما يمنح الخلية قدرة على البقاء لأشهر وربما سنوات من دون تنفيذ ضربة واحدة، ثم الظهور فجأة في توقيت حساس بعملية نوعية تستغل ثغرة أمنية صغيرة؛ ولذلك فإنّ مواجهة الخلايا النائمة لا تنفصل عن تجفيف مصادر تمويلها، وتشديد الرقابة على سلاسل النقل والتجارة غير النظامية، وربط قواعد بيانات المنافذ والكمارك والأجهزة الاستخبارية في غرفة قرار واحدة تراقب حركة المال والسلع والأشخاص معًا، لا كلّ ملف على حدة.
من “إدارة الخطر” إلى كسره
الخلاصة التي يفرضها تتبّع نمط الخلايا النائمة في العراق عام 2026، من عمليات نينوى والأنبار الأخيرة إلى ملف نقل السجناء وحدود سوريا وامتدادات “ولاية خراسان”، هي أنّ الدولة ما زالت حتى الآن في طور “إدارة الخطر” أكثر من كسر دورته بالكامل. فالنجاح في تنفيذ عمليات استباقية من دون خسائر، كما يؤكد ياسر وتوت وعباس سروط وتركي المحلاوي، يعكس تطورًا مهمًا في الجهد الاستخباري والميداني، لكنه لا يكفي وحده ما لم يُترجم إلى سياسة شاملة تحاصر الخلية في كل مراحل حياتها: من لحظة تجنيد العنصر في مخيم أو قرية مهمّشة، إلى مروره عبر ثغرة حدودية أو مسار تمويل، إلى لحظة تحوّله إلى “قنبلة بشرية” تبحث عن هدف. ما يحتاجه العراق اليوم، في ضوء تحذيرات جهاز المخابرات الوطني، وتقارير “بغداد اليوم” ودوائر الأبحاث الدولية، هو معادلة جديدة تقوم على ثلاثة أعمدة متوازية:
أوّلًا، توحيد القرار الأمني وتقليل مناطق التداخل بين “الدولة” و”اللادولة” في ملف السجون والحدود والمخيمات، حتى لا تتحول أي فجوة سياسية إلى ثغرة أمنية تستغلها الخلايا النائمة.
ثانيًا، رفع مستوى الشفافية والمساءلة عن كل خرق أو هروب أو تقصير في إدارة هذا الملف، وعدم ترك أي حادثة تمرّ من دون تحقيق معلن ونتائج واضحة، كي لا يتكرر سيناريو “كسر الجدران” بنسخة جديدة.
ثالثًا، إدماج البعد المجتمعي في الاستراتيجية الأمنية، عبر برامج حقيقية لمعالجة التطرف في السجون والمخيمات، وتمكين المجتمعات المحلية من لعب دور “الإنذار المبكر” بدل أن تبقى مجرد مسرح تتوارى فيه الخلايا.
عند هذه النقطة فقط، يمكن الانتقال من سؤال: “أين ستضرب الخلية النائمة المقبلة؟” إلى سؤال أكثر اطمئنانًا: “كيف نجح العراق في تفكيك الحلقة الأخيرة من دورة داعش قبل أن تعود الكارثة؟”.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم