+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
منذ أسابيع تتابع “بغداد اليوم” حركة الأساطيل الأمريكية في المنطقة، من خرائط انتشار حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” بين بحر العرب والخليج، إلى تغريدات مراسل الأمن القومي في “فوكس نيوز” التي تسرد أسماء المدمرات المحيطة بإيران، مرورًا ببيانات استخبارات المصادر المفتوحة OSINT التي توثّق مواقع السفن والقواعد، ووصولًا إلى رصد طائرة تجسّس نادرة من طراز RC-135U وهي تشقّ طريقها نحو قاعدة العديد في قطر.
هذا التراكم من المؤشّرات يفتح سؤالًا جوهريًا: هل ما يجري مجرّد استعراض قوّة للضغط والردع، أم أنّ المنطقة تقف فعلًا على عتبة ضربة عسكرية واسعة ضد إيران؟
في هذا التقرير، تحاول “بغداد اليوم” تفكيك المشهد: ما حجم الأصول العسكرية الموجودة فعليًا في الميدان، وكيف يختلف هذا الحشد عن الوضع “الطبيعي” في الخليج، وما الذي يمكن أن يعنيه كل ذلك لاحتمالات الحرب – وللعراق تحديدًا.
ماذا تقول الخرائط عن حجم الحشد الأمريكي حول إيران؟
المعطيات التي تظهر في الخرائط والصور التي حملتها التسريبات يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات: بحرية، جوية، واستخبارية.
1- القوة البحرية: حاملة طائرات ومدمّرات وصواريخ “توماهوك”
بحر العرب والخليج
-مجموعة حاملة الطائرات الضاربة “يو إس إس أبراهام لينكولن”، وهي حاملة تعمل بالطاقة النووية، بطول يقارب 333 مترًا، وحمولة بحدود 88 ألف طن، ويضم طاقمها أكثر من 5700 عنصر، وعلى متنها أكثر من 65 طائرة بين مقاتلات وهليكوبترات.
-ترافق الحاملة ثلاث مدمرات من طراز “أرلي بيرك” (USS Spruance – USS Michael Murphy – USS Frank E. Petersen Jr)، مزوّدة بمنظومة الدفاع الجوي إيجيس وقاذفات لصواريخ كروز من طراز توماهوك القادرة على تنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي الإيرانية.
-في الخليج ومضيق هرمز تحديدًا تظهر مدمرات أخرى مثل USS McFaul وUSS Mitscher.
شرق المتوسط والبحر الأحمر
في شرق المتوسط، تتمركز مدمرات مثل USS Bulkeley وUSS Roosevelt، بينما يظهر في البحر الأحمر وجود المدمرة USS Delbert D. Black، ما يعني أن هناك طوقًا بحريًا يمتد من المتوسط، عبر قناة السويس والبحر الأحمر، وصولًا إلى بحر العرب والخليج.
القدرة الصاروخية
الخريطة الثانية الخاصّة بالأصول الأمريكية في “يوكوم + سنتكوم” تظهر حمولة تقديرية لصواريخ “توماهوك” على المدمرات والغوّاصات تتجاوز 800 صاروخ (تقسيم تقريبي بين الأسطول الأوروبي/سنتكوم ومجموعة “أبراهام لينكولن”).
هذه الصواريخ تُعدّ العمود الفقري لأي ضربة جوية – بحرية تستهدف الدفاعات الجوية الإيرانية ومواقع القيادة والسيطرة ومنشآت حساسة، بما فيها المواقع النووية المحصّنة.
2- القوة الجوية: من F-35 إلى F-15E
إلى جانب الجناح الجوي على متن الحاملة، الذي يضم مقاتلات من طراز F/A-18E/F سوبر هورنت وطائرات حرب إلكترونية EA-18G Growler، تشير البيانات إلى شبكة واسعة من القواعد الجوية:
-قاعدة موفق السلطي في الأردن: انتشار سرب من F-15E Strike Eagle، وهي مقاتلات قادرة على حمل قنابل موجهة بدقة وقنابل خارقة للتحصينات، ما يجعلها جزءًا أساسيًا من أي خطة لضرب منشآت تحت الأرض.
-قاعدة العديد في قطر: أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط، تضم مقر القيادة المتقدمة للقيادة المركزية الأمريكية، مع وجود طائرات دعم وتزويد بالوقود ومراقبة (مثل RC-135 وE-3).
-قاعدة الظفرة في الإمارات: تستضيف طائرات استطلاع وطائرات مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper، إلى جانب مقاتلات في بعض الدورات.
منظومات الدفاع الجوي: نشر منظومات THAAD في إسرائيل والإمارات، مدعومة ببطاريات باتريوت في قطر والكويت والأردن، في شبكة مخصصة لصد أي رد صاروخي أو مسيّر من إيران أو حلفائها.
3- البعد الاستخباري: طائرة RC-135U ورسائل ما قبل الضربة
المعلومة اللافتة في مصادر الـOSINT هي تحليق طائرة RC-135U Combat Sent من قاعدة أمريكية في أوكيناوا باتجاه قاعدة العديد في قطر.
هذه الطائرة ليست مجرّد وسيلة استطلاع عادية:
-الولايات المتحدة تمتلك طائرتين فقط من هذا الطراز في العالم.
-مهمتها الأساسية تحديد مواقع أنظمة الرادار المعادية وتحليل بصماتها الإلكترونية وأنماط تشغيلها، ما يسمح ببناء بنك أهداف دقيق لأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ.
في أي سيناريو مواجهة مع إيران، وجود RC-135U في مسرح العمليات يعني أنّ واشنطن تجمع بشكل مكثّف بصمات رادارات الدفاع الجوي الإيراني، تحسّبًا لأي ضربة تحتاج إلى “فتح طريق” أمام موجات الصواريخ والطائرات.
هل هذا الحشد استثنائي أم امتداد للوضع “الطبيعي” في الخليج؟
منذ عقود، تعتمد واشنطن على تمركز دائم في المنطقة: الأسطول الخامس في البحرين، قواعد في قطر والكويت والإمارات، وحضور متقطّع لحاملات الطائرات في الخليج أو بحر العرب. لذلك، ليس كل ما في الخرائط “جديدًا”، لكن هناك ثلاث نقاط تجعل المشهد الحالي مختلفًا نسبيًا:
-تزامن حاملة طائرات كاملة مع مجموعة مدمرات وغواصات محمّلة بتوماهوك في مسرح واحد، مع إعادة توزيع السفن بين المتوسط والبحر الأحمر والخليج في وقت تصاعد التهديدات.
-تركيز استثنائي لمنظومات الدفاع الصاروخي (THAAD + باتريوت) حول إيران، ما يعني أن الولايات المتحدة تتوقّع احتمال ردّ صاروخي واسع إذا وقع هجوم.
إدخال أصول استخبارية نادرة مثل RC-135U إلى المنطقة، وهو مؤشر تقني على أنّ مستوى التحضير يتجاوز مجرّد الدوريات الروتينية.
مع ذلك، يبقى هذا الحشد بعيدًا جدًّا عن مستوى ما احتاجته واشنطن لغزو العراق عام 2003، حين تجاوز عدد القوات نصف مليون جندي، مع عدة حاملات طائرات وألوية برية مدرعة. ما نراه اليوم هو قوة ضربة جوية – بحرية كبيرة، لا آلة احتلال بريّ.
ردع أم ضربة؟ قراءة في منطق الانتشار العسكري
من الناحية العسكرية – الاستراتيجية، يمكن تلخيص وظائف هذا الانتشار في ثلاث مستويات متداخلة:
1- “التهديد الجاد” لفرض شروط التفاوض
الحشد في حد ذاته رسالة مزدوجة:
-إلى إيران: أنّ أي استهداف كبير للقوات الأمريكية أو إسرائيل أو الملاحة في مضيق هرمز سيقابَل بقدرة جاهزة لتنفيذ ضربات موجعة وعميقة.
-إلى الحلفاء (الخليج، إسرائيل، وربما بعض العواصم الأوروبية): أنّ واشنطن ما زالت قادرة على توفير مظلة ردع صلبة، وليست في طور الانسحاب من المنطقة.
إستراتيجية الردع الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة: لكي لا تستخدم القوة، يجب أن تكون مستعدًا لاستخدامها فعلًا. وجود حاملة طائرات ومدمرات توماهوك وقواعد محمية بمنظومات دفاع جوي يمثّل “عرضًا عمليًا” لهذه الجاهزية.
2- إبقاء خيار الضربة المحدودة على الطاولة
ما تكشفه الخرائط هو بنية مثالية تقريبًا لـ ضربة جوية – صاروخية محدودة تستهدف:
-مواقع نووية محددة.
-منشآت إطلاق الصواريخ الباليستية والمسيّرات.
-مراكز قيادة الحرس الثوري وبعض القواعد البحرية في الخليج.
هذه الضربة لا تحتاج إلى إنزال بري، بل إلى موجات من صواريخ “توماهوك” والمقاتلات من “لينكولن” والقواعد المحيطة، بعد أن تكون الطائرات الاستخبارية قد رسمت خريطة دفاعات الخصم.
لكن وجود القدرة لا يعني بالضرورة صدور القرار السياسي. فالتكلفة المحتملة – من ردّ إيراني عبر الصواريخ والمسيّرات ووكلاء إقليميين – تجعل أي إدارة أمريكية تتردّد قبل الانتقال من “الردع” إلى “الهجوم”.
3- إدارة حافة الهاوية: تصعيد محسوب لتجنّب حرب شاملة
في كثير من الأزمات السابقة (العراق، كوريا الشمالية، سوريا)، استخدمت واشنطن نموذجًا معروفًا:
-تصعيد عسكري وإعلامي كبير.
-رفع احتمالات المواجهة إلى حافة الانفجار.
-ثم استخدام هذا الضغط لفرض مفاوضات أو تفاهمات جديدة.
الانتشار الحالي يمكن قراءته ضمن هذا الإطار أيضًا: كل شيء يبدو جاهزًا لليلة ضربة، لكن الهدف الأرجح هو منع تلك الليلة، عبر إقناع طهران بأن كلفة أي خطوة تصعيدية ستكون عالية للغاية.
ماذا تعني هذه الصورة للعراق والمنطقة؟
العراق ليس متفرّجًا بعيدًا عن هذه الخارطة؛ بل يقع تقريبًا في قلبها:
-أي مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ستجعل القواعد والقوات الأمريكية في العراق وسوريا أهدافًا مباشرة لفصائل مرتبطة بطهران.
-مضيق هرمز والخليج، اللذان يظهران في الخرائط كمنطقة تركّز للأسطول الأمريكي ، هما شريان تصدير النفط العراقي، وأي إغلاق أو اضطراب فيهما سينعكس فورًا على الإيرادات والسوق وسعر الدينار.
-من ناحية أخرى، استمرار سياسة “الضغط الأقصى” على إيران يدفع طهران إلى تفعيل أوراقها في العراق، من الفصائل المسلّحة إلى الملف الاقتصادي، ما يزيد هشاشة الداخل العراقي في لحظة يُفترض أن يتفرّغ فيها لإصلاحات مزمنة.
لذلك، فإنّ السؤال بالنسبة لبغداد لا يقتصر على: “هل ستقع الحرب أم لا؟”، بل يتجاوز ذلك إلى: كيف يحمي العراق نفسه من أن يتحوّل مرّة أخرى إلى ساحة تصفية حسابات بين واشنطن وطهران، في وقت يزداد فيه ثقل الأساطيل والقواعد حوله؟
قوة جاهزة للحرب.. لكن وظيفتها الأولى هي منعها
إذا جُمعت كل المعطيات – حاملة طائرات، مدمرات، مئات صواريخ “توماهوك”، قواعد جوية محصّنة، منظومات دفاع صاروخي، وطائرات استخبارية نادرة – يبدو واضحًا أنّ الولايات المتحدة تمتلك في اللحظة الراهنة قدرة حقيقية على توجيه ضربة واسعة لإيران، لا مجرّد “استعراض إعلامي”.
لكن في المقابل، لا توجد مؤشرات قاطعة على قرار سياسي نهائي بالذهاب إلى حرب شاملة؛ بل إنّ منطق الانتشار نفسه يقول إنّ الوظيفة الأولى لهذه القوة هي الردع، وإدارة حافة الهاوية، وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا تحت ظل التهديد العسكري.
بمعنى آخر: نعم، منطقّي أن تُستخدم هذه الأصول “للتهديد فقط” لفترات طويلة، طالما أنّ التهديد نفسه جزء من أدوات السياسة.
لكنّ بقاء هذه القدرات في المسرح يجعل احتمال التحوّل من التهديد إلى الفعل قائمًا دائمًا؛ فخطأ حسابات واحد، أو هجوم كبير من أحد حلفاء طهران أو خصومها، كفيل بأن يحوّل هذه الخرائط من مجرّد صور OSINT إلى مشهد عملي لمواجهة عسكرية واسعة، سيكون العراق أحد أكثر المتأثرين بنتائجها.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم