+A
-A
بغداد اليوم – خاص
تشهد المنطقة مرحلة بالغة الحساسية في ظل الصراع (الإسرائيلي-الأمريكي-الإيراني) وسط مخاوف من اتساع رقعته، ليتجاوز في خطورته الصراعات كافة التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتداخل حسابات القوى الكبرى مع صراعات النفوذ الإقليمية، مما يضع دول المنطقة أمام تحديات غير موقعة.
من جانبه، أكد الباحث السياسي والاقتصادي، حيدر سلمان، أن “قرار الذهاب إلى الحرب يعد قراراً بالغ الخطورة، بل قد يكون قراراً أحمق إذا لم تُدرس أسبابه ونتائجه بدقة؛ فالحروب لا تُخاض بدافع الاندفاع، بل تحتاج إلى فهم عميق لمسبباتها، وطبيعة مسارها، ووضع سيناريوهات واضحة لما بعد انتهائها”.
وبيّن سلمان أن هذه الاعتبارات غابت في الصراع الحالي أمام اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحرك في لحظات توتر متأثراً بتوجهات بنيامين نتنياهو، مما ساهم في إقحام المنطقة في أزمة غير مسبوقة.
وأضاف سلمان في حديثه لـ “بغداد اليوم”: “الحرب اليوم تبدو أخطر من الحروب التي شهدتها المنطقة في العقود الماضية؛ فهي ليست كالحرب العراقية الإيرانية، ولا كحرب العراق مع الولايات المتحدة، ولا حتى كتلك التي انتهت بسقوط النظام السابق، بل إن تداعياتها قد تكون أوسع وأعمق بكثير”.
وأوضح سلمان أنه “في السابق، كان هناك اتفاق مبدئي يعرف باسم (خطة العمل المشتركة الشاملة – JCPOA)، وهو الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 في عهد الرئيس باراك أوباما بين إيران ومجموعة (5+1). لكن منذ تولي ترامب الرئاسة، اتخذ سلسلة قرارات مثيرة للجدل، أبرزها الانسحاب من الاتفاق، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وضم الجولان إليها”.
ومع بداية ولايته الثانية، عاد الملف النووي الإيراني إلى صدارة الأولويات الأمريكية، حيث مارست واشنطن ضغوطاً قصوى عبر العقوبات الاقتصادية، مما أدى إلى أزمات داخل إيران بهدف دفعها لتقديم تنازلات أو القبول باتفاق جديد.
ولفت سلمان إلى أن التوتر تصاعد عندما بدأت إسرائيل هجماتها فيما عُرف بـ “حرب الاثني عشر يوماً”، والتي انتهت بوقف إطلاق النار، معتبراً أن إيران ارتكبت خطأً حينها بالموافقة على وقف النار في وقت كانت تحقق فيه تقدماً في “أسلوب الردع”.
وأشار إلى أن المشهد الحالي يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، ليرتبط بصراع نفوذ دولي؛ ففي حال اتساع الحرب، قد تضطر واشنطن لإعادة توزيع قواتها وسحب جزء من أصولها العسكرية من مناطق كبحر الصين الجنوبي والقطب الشمالي وأوروبا، وهو تحول قد يمنح الصين وروسيا مساحة لتعزيز نفوذهما العالمي.
وتابع: “في المقابل، يبدو أن خيار تغيير النظام في إيران غير واقعي في الظروف الحالية، مما يعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد لا تجدان في النهاية بديلاً عن التفاوض مع طهران”. واعتبر سلمان أن استهداف إيران للقواعد الأمريكية في المنطقة يندرج ضمن “أوراق الرد المتاحة للدفاع عن نفسها، وهو حق لها”.
وعن الشأن العراقي، أكد سلمان أن “موقع العراق في هذه المعادلة شديد الحساسية”، فمنذ عام 2003 ارتبط سياسياً وأمنياً بالولايات المتحدة، بينما تجمعه بإيران علاقات دينية واجتماعية وسياسية عميقة. هذا التوازن يضع بغداد في موقف صعب؛ إذ إن الميل لأي طرف يعرضها لضغوط الطرف الآخر.
وشبّه سلمان وضع العراق بحالة أوكرانيا الواقعة بين نفوذين متعارضين، مبيناً أن المنطقة تمر بمرحلة دقيقة يقف فيها العراق في قلب التوازن الصعب، في وقت لا تبدو فيه الحكومة مستعدة بالكامل لمواجهة تداعيات أي تصعيد كبير.
واختتم الباحث العراقي حديثه بالإشارة إلى أن “دول الخليج، رغم أنها قد تبدو الأقل خسارة بشكل مباشر، إلا أنها لعبت دوراً محورياً في ترسيخ المنظومة الأمنية الأمريكية في المنطقة”، معتبراً أن تحالفاتها ساهمت في بناء شبكة النفوذ الأمريكي التي أدت إلى إسقاط العراق ودول أخرى، مما انعكس سلباً على موازين القوى الإقليمية.