+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
تزايدت في الآونة الأخيرة مؤشرات شحّ المياه في المناطق الزراعية، وسط تحذيرات من تحوّل الأزمة من مشكلة زراعية إلى قضية سكانية ومعيشية تمسّ حياة مئات الآلاف من سكان الأرياف. في هذا السياق، يحذّر مختصون من أنّ استمرار نقص الإرواء قد يدفع بموجات متتابعة من الهجرة نحو المدن، بما يضع مزيدًا من الضغط على الخدمات والبنى التحتية في المراكز الحضرية، ويغيّر خريطة الاستقرار السكاني في البلاد.
أستاذ الدراسات السكانية في جامعة الكوفة، رحيم العبدلي، أوضح في حديثه لـ”بغداد اليوم”، أنّ نقص مياه الإرواء في المناطق الزراعية بدأ يهدّد الاستقرار المعيشي للسكان هناك، وليس الإنتاج الزراعي وحده.
وبيّن العبدلي أنّ تراجع الحصص المائية سيقود إلى انخفاض المحاصيل، ونقص مياه الشرب والاستخدامات المنزلية، وما يرافق ذلك من مشكلات صحية وتراجع في الدخل، لأنّ غالبية العوائل الريفية تعتمد على الزراعة كمورد أساسي خلال المواسم.
وأشار إلى أنّ كثيرًا من الأسر ستتجه، تحت ضغط هذه الظروف، إلى ترك قراها والتوجّه نحو المدن القريبة بحثًا عن فرص عمل وخدمات أفضل، محذّرًا من أنّ المدن المستقبلة ستواجه بدورها ضغطًا إضافيًا على الماء والكهرباء والمدارس والمستشفيات وشبكات الإسكان.
وأكد العبدلي أنّ ما يحدث لا يدخل ضمن النمو الطبيعي لمدن العراق، بل يمثّل نمطًا واضحًا من الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر بسبب التغيّرات البيئية والاقتصادية، داعيًا إلى التعامل مع ملف شحّ المياه بوصفه قضية سكانية وتنموية تحتاج إلى سياسات وقائية، لا بوصفه مشكلة فنّية في إدارة الموارد المائية فقط.
الكلام الذي يطرحه أستاذ الدراسات السكانية في جامعة الكوفة يحوّل ملف المياه من “مشكلة فنية” إلى قضية سكانية وتنموية بالدرجة الأولى. فكل قرار يتعلق بتوزيع المياه، أو بإدارة الأنهار والجداول، أو بتخطيط المشاريع الزراعية، ستكون له ترجمة مباشرة في خريطة السكان بين الريف والمدينة، وفي طبيعة الضغط على الخدمات الأساسية، وفي مستوى الاستقرار الاجتماعي في المحافظات.
من دون قراءة هذه السلسلة كاملة – من الحقل إلى الحي السكني – سيبقى التعامل مع الجفاف وشح المياه محصورًا في أرقام ونسب ملوحة ومناسيب خزانات، بينما تظهر آثار الأزمة الحقيقية في مكان آخر: في القرى التي تُترك بلا دعم، وفي المدن التي تتحمل وحدها عبء استيعاب موجات الهجرة، وفي أحياء جديدة تُضاف إلى خارطة العشوائيات كل عام.
هذا ما يحذر منه الدكتور رحيم العبدلي وهو يربط بوضوح بين نقص المياه، وانهيار الزراعة، وانفجار الضغط على المدن في صورة “انفجار سكاني حضري” لا يعود سببه معدل الولادات، بل حركة الهجرة من مناطق لم تعد قادرة على البقاء بلا ماء ولا زراعة ولا دخل.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات