+A
-A
بغداد اليوم – بغداد
بعد تفاقم أزمة تأخر الرواتب وتكرار السيناريو ذاته، واستمرار أزمة السيولة في دولة تُعد من الأغنى من حيث الموارد، يوضح لنا الخبير الاقتصادي كريم الحلو رؤية اقتصادية تتضمن الأسباب والحلول التي قد تعبر بالوضع الاقتصادي إلى بر الأمان.
حيث يقول الحلو، في حديث لـ”بغداد اليوم”، إن “الوضع الاقتصادي في العراق يختلف عن باقي الدول، فالعراق يُعد رابع مصدر للنفط في العالم، وخامس أكبر احتياطي نفطي، أي أن الدولة غنية بالموارد، لكنها أشبه بتاجر يملك عقارات كثيرة دون أن تكون لديه سيولة نقدية، وهنا يظهر سوء الإدارة”.
ويضيف الخبير الاقتصادي: “لنأخذ مثال النرويج، وهي دولة أوروبية تمتلك النفط، لكنها تُعد من أفضل دول العالم على مختلف المستويات. كيف تسدد رواتب موظفيها؟ تسددها من الضرائب الداخلية، إذ تصل نسبة تحصيل الضرائب إلى ما يقارب 99% من إيرادات الدولة، سواء كانت ضرائب موانئ أو مطارات أو منافذ حدودية أو ضرائب داخلية”.
تعظيم إيرادات الدولة والموازنة
ويتابع الحلو بالقول: “مشكلتنا في العراق تكمن في تعظيم إيرادات الدولة. نحن نعاني من مشكلة الرواتب، فالموازنة التشغيلية يذهب أغلبها للرواتب، بينما الموازنة الاستثمارية مخصصة للبنية التحتية. المشكلة الحقيقية أن الإيرادات المحلية، خصوصاً من الموانئ والمؤسسات الأخرى، لا تصل بشكل صحيح إلى خزينة الدولة بسبب الفساد والرشوة والروتين الإداري، حتى وصلت إيرادات بعض المرتشين في مؤسسات معينة إلى مبالغ تفوق إيرادات الدولة نفسها”.
تخبط مؤسسات الدولة والمحاصصة
ويشير إلى أنه “في الموانئ مثلاً، يعاني التجار والصناعيون من مشاكل كبيرة. هناك تخبط واضح في مؤسسات الدولة، سواء النفط أو الموانئ أو غيرها، بسبب نظام المحاصصة الحزبية، ولا تستطيع أي حكومة، سواء الحالية أو السابقة، السيطرة الكاملة على هذا الملف بسبب نفوذ الأحزاب وامتلاك بعضها السلاح، مما يجعل الفساد والتحاصص مستمرين في مؤسسات الدولة”.
أما في القطاع الخاص، فقد أوضح الحلو أنه “ضعيف جداً، وبالتالي لا يمكنه تغطية احتياجات العراق من السلع. أكثر من 90% من المواد مستوردة، ولا توجد مدينة صناعية حقيقية أو تخطيط جدي لتطوير الصناعة منذ عام 2003 وحتى اليوم. الصناعة ضعيفة ومحارَبة، وهناك شكاوى من الصناعيين بأن البعض يشتري منتجاتهم ويغلق مصانعهم لاحقاً، كما أن بعض الدول المجاورة لا ترغب بتطور الصناعة العراقية”، مبيناً أنه “حتى في المشتقات النفطية، فنحن بلد نفطي كبير، ومع ذلك نستورد مشتقات وننفق مليارات على الكهرباء، فضلاً عن مليارات تُصرف على استيراد المواد الغذائية، وهذا أمر يرهق الاقتصاد”.
إيرادات معطلة تضاهي النفط
وينوه الخبير الاقتصادي إلى أنه “في قطاع الخدمات في دول مثل ألمانيا يشغل 60% من القوى العاملة مقابل 40% في الصناعة، ما يعني أن إيرادات الخدمات ضخمة جداً. كذلك السياحة، فدول مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا تحقق أكثر من 100 مليار دولار سنوياً من السياحة، وفي العراق السياحة معطلة رغم وجود مقومات سومرية وبابلية وآشورية ودينية يمكن أن تدر إيرادات تضاهي النفط إذا فُعّلت بشكل صحيح”.
ولفت الحلو إلى أن “الزراعة أيضاً معطلة باستثناء الاكتفاء الذاتي من الحنطة، بينما بقية المنتجات مستوردة، والموارد البشرية والطبيعية معطلة بنسبة كبيرة، ويُقدّر أن 80% من إمكانيات العراق غير مستثمرة بسبب الفساد وسوء الإدارة”.
وبيّن أنه “هناك مشاكل في المياه، والصناعة الثقيلة، وحتى الحديد لا نزال نستورد كميات كبيرة منه. الاستثمار ضعيف، باستثناء النفط والغاز، بسبب غياب البنية التحتية والقوانين الجاذبة للمستثمرين، فضلاً عن ضعف القضاء أمام الفساد والروتين”.
تشخيص المشكلة.. فساد ومحاصصة
ويؤكد الحلو أن “المشكلة الأساسية في العراق هي الفساد والمحاصصة، فضلاً عن تضخم الرواتب التي لا تتناسب مع مستوى المعيشة ولا مع إيرادات الدولة. وهناك رواتب متعددة لفئات مختلفة تُكلّف الدولة مليارات الدولارات سنوياً، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى ما بين 6 إلى 7 تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب، وكان من المفترض أن تُسدد من الإيرادات المحلية والضرائب، لا من إيرادات النفط التي يجب أن تُخصص للبنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية”.
وختم بالقول: “لهذا نلاحظ أزمة رواتب تتكرر نهاية كل شهر، رغم توفر السيولة، لكن غياب الإدارة الفاعلة يؤدي إلى استمرار المشكلة، فيما تبقى آلاف المليارات من الأموال مجمدة خارج الدورة الاقتصادية”.
هذا وشهدت الآونة الأخيرة تأخر رواتب الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين لأكثر من ثلاثين يوماً، بخلاف ما كان معمولاً به سابقاً من صرف الرواتب شهرياً.